الواجهة الرئيسيةدراساتشؤون عربيةمجتمع

الثأر في المجتمع الأردني.. رؤية عامة

جريمة الزرقاء.. جريمة وحشية وصادمة تفتح ملف جرائم الثأر والانتقام في المجتمع الأردني

أ.د حسين الخزاعي♦

مقدمة عامة

“جريمة الزرقاء”، هكذا أصبح الأردنيون يطلقون عليها، جريمة نكراء وحشية مستفزة وغير عقلانية بطريقة التخطيط لها وتنفيذها. مجرد البدء في سماع أو قراءة جزء من تفاصيلها تقشعر الأبدان، وتغمض العيون، جريمة تعد الأكثر بشاعة في الأردن، أو حتى في العالم العربي والعالمي، اعتبرها المجتمع جريمة طالته بأكمله، جريمة تعرَّض إليها فتى يبلغ من العمر (16) سنة؛ الفتى البريء صالح حمدان، من مدينة الزرقاء التي تبعد (20) كيلومتراً عن عمان العاصمة. صالح ابن عائلة بسيطة الحال، تعرَّض هذا الطفل إلى كمينٍ نفَّذه نحو (15) مجرماً من أصحاب السوابق والإجرام؛ خطفوه وضربوه وقطعوا يدَيه وفقأوا عينَيه على خلفية قضية ثأر، انتقاماً من جريمة لأبيه المسجون، ارتكبها دفاعاً عن نفسه عندما حاول المجرمون سرقة محلات تجارية كان يحرسها؛ فقام الأب بقتل أحدهم دفاعاً عن النفس. ما ذنبُ هذا المسكين أن يلقى هذا المصير؛ بسبب جريمة لا صلة له بها؟! جريمة أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي في الأردن، وسط موجة عارمة من الغضب والتنديد والمطالبة الشعبية بتنفيذ أقصى العقوبات في حق الجناة الذين وصلوا إلى درجة من المستوى المتوحش الذي لا يتخيله عقل.

شهدت الأردن زيادة في معدلات الجريمة

جريمة تكتمل فيها كل عناصر الجريمة المخططة، وبتنفيذ بلا خوف أو رادع، جريمة خطف وتمثيل وبشاعة في الأردن. على الرغم من أن الجنايات التي تقع على الإنسان بلغت (1177) جريمة تشكل (4.4%) في المئة من مجمل الجرائم في الأردن البالغة (26521) جريمة، استناداً إلى التقرير الإحصائي الجنائي (2019) الذي تصدره إدارة المعلومات الجنائية التابعة لمديرية الأمن؛ فإن هذه الجريمة تعد الأبشع والأخطر والأكثر نفوراً ووحشية في تاريخ الأردن؛ كونها تسدل الستارَ على الجريمة المنظمة وعصاباتها ومكرري الفعل الجرمي في الأردن والذين تبلغ نسبتهم (39.2%) من إجمالي المسجونين في مراكز السجون الأردنية التي يطلق عليها (مراكز الإصلاح والتأهيل) البالغ عددها (16) مركزاً إصلاحياً وتأهيلياً.

اقرأ أيضًا: “فتى الزرقاء”.. ما الذي تغير لكي نعيش تفاصيل جريمة كهذه؟

وروى ضحية الجريمة الشاب صالح حمدان، ما حدث معه بدموع ومرارة. وقال، في لقاءات تليفزيونية وإعلامية، إنه كان في طريقه لشراء الخبز، ورأى أحد الأشخاص من العصابة وهرب منه، ولاحقاً لجأ إلى حافلة نقل صغيرة تبين أن سائقها فرد من العصابة التي خطفته، مضيفاً: “تم تهديدي بالطعن إذا قاومت، واعتدى عدة أشخاص عليَّ بأدوات ثقيلة وحادة، قبل نقلي إلى أحد المنازل في منطقة نائية، وهناك تم بتر يدَي وفقء كلتا عينَي وأنا أصيح: الله أكبر. لم أشعر بألم في البداية من هول الصدمة”.

ورغم حالته الصحية ورقوده على سرير الشفاء، أصر صالح على الحديث عن تفاصيل القصة بالقول إن والده “تصدى لمجرم من فارضي الإتاوات اعتاد سرقة رزقه، فثأر المجرمون منه”.

وتابع صالح: “المجرم هو مَن حرمني عينَي الخضراوَين، كنت خائفاً ومرتعباً، والآن حرمت من دراستي وانقلبت حياتي رأساً على عقب”.

أما والدته فقالت، وهي تجهش بالبكاء: “لو كنت أعلم أن ثمن شراء الخبز سيكون فقدان ابني أعز ما يملك لما طلبت ذلك”، مضيفةً: “ابني طفل بريء لا ذنب له، فقد ذراعَيه وإحدى عينَيه بشكل نهائي”.

تحرك ملك الأردن سريعا في الأزمة

تسببت جريمة الثأر هذه، وما نفذه أفراد العصابة من تعذيب للضحية في الأردن، في حملة مكثفة وغير مسبوقة ضد الخارجين على القانون وأصحاب السوابق وتجار المخدرات. وللمرة الأولى تلاقى الطرفان الرسمي والشعبي في مواقفهما، وبدا أن السلطات الأردنية حاولت إرضاء الشارع الأردني واحتواء غضبه، عبر إلقاء القبض على الجناة بسرعةٍ قياسية، وتحويل القضية إلى محكمة أمن الدولة؛ الأمر الذي سيفضي بالضرورة إلى اتخاذ عقوبات رادعة بحقهم، حيث تم إلقاء القبض على (600) مجرم خطير من أرباب السوابق ووضعهم خلف القضبان.

وإلى جانب الغضب الشعبي المتنامي، حظي الاعتداء البشع باهتمام وغضب ملكي لافت؛ حيث أمر العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، بنقل الضحية إلى مستشفى الخدمات الطبية الملكية لعلاجه، وتابع مباشرةً عملية القبض على الجناة.

وقال رئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة: “إن جريمة الزرقاء هزت وجدان كل أردني؛ لبشاعتها”، مؤكداً أن “التعامل معها سيكون حازماً تحت مظلة سيادة القانون على الجميع”.

دانت الملكة رانيا الجريمة البشعة

ووصفت الملكة رانيا العبدالله، ما حدث بـ”الجريمة القبيحة بكل تفاصيلها”، وتساءلت، عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”: “كيف نعيد لك ما انتزعه المجرمون؟ وكيف نلملم أشلاء قلب أمك وذويك؟ كيف نحمي أبناءنا من عنف وقسوة مَن استضعف الخلق دون رادع ولا وازع؟”، مطالبةً بإنزال أشد العقوبات بمرتكبي الجريمة.

الأردن.. الموقع والسكان

يعد المجتمع الأردني كياناً مستقلاً وذا شخصية مستقلة؛ نشأ نتيجة اختلاط وتزاوج وهجرات لجماعات كثيرة استقرت على أرضه، والمتعارف عليه أن المجتمع الأردني مجتمع أقرب ما يكون عشائرياً وتحكمه مجموعة من القوانين والعادات والتقاليد والأعراف العشائرية الاجتماعية، واستمرت العشائر الأردنية منذ تأسيس الدولة الأردنية في المحافظة على عاداتها وتقاليدها وأعرافها التي ورثتها عن آبائها وأجدادها، ويتميَّز الأردن بتنوُّع الثقافات؛ فالمجتمع الأردني مزيج من (العشائر والبدو، والفلسطينيين، والعراقيين، والسوريين، والأرمن، والشركس، والأكراد، والمسيحيين.. وغيرهم)، وعلى الرغم من هذه الثقافات الفرعية وتعدد الجنسيات؛ فإن علاقات الزواج والمصاهرة والعمل والجيرة تجمع بين هذه الفئات الاجتماعية، وتنسجم العادات الأردنية ضمن بيئة من التسامح والاحترام والنخوة وإكرام الضيف وإغاثة الملهوف والمعاملة بالمثل والمحافظة على أواصر المعرفة والصداقة والأخوة. ويَشتهر شعبه بكونه شعباً مضيافاً، يحترم عاداته وتقاليده؛ خصوصاً في المناطق الريفية، ويقدِّر المرأة؛ فيمنحها حريتها وحقوقها المختلفة، كحق التعليم الكامل، والعمل في مختلف المهن والمجالات حتى المهن الخطيرة منها، والسفر، واختيار الزوج، وحق الانتخاب.. وغير ذلك.

يُقدَّر عدد سكان الأردن حتى تاريخ (24/10/2020) بنحو (10.757.084) نسمة؛ أي ما يشكِّل (0.13%) من إجمالي عدد سكان العالم، ويحتل الأردن بذلك المرتبة 92 عالمياً من حيث عدد السكان. أما الكثافة السكانية فيه فتصل إلى نحو 115 شخصاً/ كم2، ويتركز في وسط الأردن ستة ملايين يقطنون في العاصمة عمان والزرقاء، ومليونان في محافظة إربد في شمال الأردن، وباقي السكان يتوزعون بنسب بسيطة وأعداد قليلة في (9) محافظات في الجنوب والوسط والغرب والشمال؛ إذ يُعد ما نسبته (90.3%) من إجمالي عدد السكان من الحَضَر، والريف (9.7%)، والبدو يشكلون (2%)، ويشكِّل (45%) من السكان من ذوي الأعمار أقل من (19 سنة)، ومعدل البطالة العام (23%)، أما معدل البطالة بين الشباب في الفئات العمرية (15- 24) فيبلغ (39%)، والبطالة بين الإناث تشكل معدل البطالة بين الذكور، في حين يبلغ معدل الفقر (15.7%)؛ (دائرة الإحصاءات العامة، 2020).

اقرأ أيضًا: الدروز.. بنو معروف في الأردن

أما في ما يتعلق باللغات والأديان، فاللغة الرسمية هي اللغة العربية، واللغة الأجنبية الأولى هي اللغة الإنجليزية، ويُعد الإسلام الديانة الرسمية في الأردن؛ إذ يُشكِّل المسلمون ما نسبته 92% من السكان، بينما يشكِّل الدروز 2%، والمسيحيون 6%.

يقع الأردن في وسط منطقة الشرق الأوسط، وتحده سوريا من الشمال، والعراق من الشمال الشرقي، والمملكة العربية السعودية من الجنوب الشرقي، وفلسطين من الغرب؛ إذ يصل الطول الإجمالي لحدود الأردن البرية إلى نحو 1.635كم، يتشارك منها بطول 744كم مع السعودية، و375كم مع سوريا، و181كم مع العراق، و335كم مع فلسطين، في حين يبلغ طول حدوده البحرية نحو 26كم، كما تبلغ مساحة الدولة الإجمالية ما يقارب 89,318كم2، وتغطي اليابسة منها ما مساحته 88.802كم2، في حين تشكِّل المياه مساحة 540كم2. (دائرة الإحصاءات العامة، 2020).

الجريمة في المجتمع الأردني

على الرغم من شخصية المجتمع الأردني التي تجمع بين الدين والعادات والتقاليد والأصالة؛ فإن الجريمة في المجتمع الأردني مستمرة، ويبلغ معدل الجريمة (3.6) لكل ألف من السكان. يوضح الجدول رقم (1) أن أعداد الجرائم الكلية قد ارتفعت من (22550) جريمة وجنحة في عام (2017) إلى (24654) في عام (2018)، واستمرت في الارتفاع حتى وصلت إلى (26521) في عام (2019). هذه النتائج توضح أن الزيادة تبلغ (9%) سنوياً. وتشكل الجرائم التي تقع على الأموال ثلثَي الجرائم المرتكبة بنسبة (67.3%)، تليها الجرائم التي تقع على الإدارة العامة بنسبة (11%)، ثم الجرائم التي تشكل خطراً على السلامة العامة بنسبة (8%)، تليها الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة بنسبة (6.3%)، ثم الجرائم الواقعة على الإنسان بنسبة إجمالية (5.1%)، وتشكل الجرائم المخلة بالثقة العامة والجرائم الأخرى (2.8%).

الجدول رقم (1): أعداد الجرائم المرتكبة في الأردن حسب نوعها خلال السنوات (2017- 2019) مرتبة تنازلياً من الأكثر إلى الأقل تكراراً

نوع الجريمة

2017

2018

2019

المجموع الكلي

النسبة

الجرائم التي تقع على الأموال

14529

16661

18459

49649

67.3%

الجرائم التي تقع على الإدارة العامة

2642

2709

2419

7770

11%

الجرائم التي تشكل خطراً على السلامة العامة

1817

1925

2204

5946

8%

الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة

1542

1539

1550

4631

6.3%

الجرائم التي تقع على الإنسان

1420

1148

1177

3745

5.1%

الجرائم المخلة بالثقة العامة

244

182

213

639

1%

جرائم أخرى

356

460

499

1345

1.8%

المجموع

22550

24654

26521

73725

100%

المصدر: الجدول من إعداد الباحث: بيانات مجمعة ومرتبة من التقارير الإحصائية الجنائية الصادرة عن مديرية الأمن العام لسنوات متعددة، إدارة المعلومات الجنائية، الأردن.

الجدول رقم (2): الجرائم والجنح الخطيرة التي وقعت على الإنسان خلال الفترة (2017- 2019)

نوع الجريمة

2017

2018

2019

المجموع الكلي

النسبة

الشروع في القتل

358

285

294

937

25%

القتل القصد

68

53

52

173

4.6%

القتل مع سبق الإصرار والترصد

56

31

58

145

3.9%

الضرب المفضي للموت

3

5

8

16

.5%

القتل من غير قصد (القتل الخطأ)

38

32

34

104

2.8%

الإيذاء البليغ

897

742

731

2262

60.4%

المجموع

1420

1148

1177

3745

%100

المصدر: الجدول من إعداد الباحث: بيانات مجمعة ومرتبة من التقارير الإحصائية الجنائية الصادرة عن مديرية الأمن العام لسنوات متعددة، إدارة المعلومات الجنائية، الأردن.

توضح بيانات الجدول رقم (2) الجرائم الواقعة على الإنسان، والتي تعد السبب الرئيس في حدوث النزاعات وتؤجج الصراعات والخلافات والخوف والقلق بين أفراد المجتمع الأردني؛ والتي تأتي في طليعتها جرائم (القتل مع سبق الإصرار والترصد، والقتل القصد، والضرب المفضي للموت).

وتفيد البيانات الواردة في الجدول رقم (3) أن الخلافات (الشخصية السابقة) تشكل السبب الرئيس في جرائم القتل، وتحتل الخلافات العائلية السبب الثاني، وتشكل جرائم (الثأر) الترتيب التاسع في الجرائم الواقعة على الإنسان. وعلى الرغم من أن جرائم الثأر تأتي في الترتيب التاسع؛ فإنها تعد من الجرائم المنفرة والصادمة والمؤلمة والمقلقة التي تترك أثراً كبيراً في المجتمع الأردني؛ كونها تُرتكب في حق أبرياء لا ذنب لهم إلا كونهم من أهل أو أقارب الجاني.

الجدول رقم (3): أسباب ارتكاب جرائم القتل العمد والقصد في الأردن (2017- 2019)، حسب سجلات المحاكم، مرتبة حسب دوافع ارتكاب الجريمة.

ترتيب الدافع

دافع ارتكاب الجريمة

2017

2018

2019

المجموع الكلي

النسبة

الأول

خلافات شخصية سابقة

58

32

53

143

45%

الثاني

خلاف عائلي

35

28

34

97

31%

الثالث

انحلال خلقي

8

5

6

19

6.1%

الرابع

أسباب مالية

7

6

5

18

6%

الخامس

دفاع عن الشرف

5

5

4

14

4.4%

السادس

مرض نفسي

4

3

3

10

%3.1

السابع

تمهيد لجريمة أخرى

3

3

2

8

%2.5

الثامن

دفاع عن النفس

2

1

1

4

1.2%

التاسع عشر

ثأر

2

1

1

4

1.2%

العاشر

مجهولة

1

1

0.3%

المجموع الكلي

124

84

110

318

100%

المصدر: البيانات مجمعة من قِبل الباحث من إحصاءات المحاكم، والتقارير الإحصائية الجنائية الصادرة عن مديرية الأمن العام لسنوات متعددة، إدارة المعلومات الجنائية، الأردن.

جريمة الثأر في المجتمع الأردني.. رؤية نقدية موضوعية

من خلال رؤية محايدة من الباحث، ومتابعة وقراءة المشهد في المجتمع الأردني من مختلف جوانبه، نصل إلى حقيقة مؤلمة تفيد استمرارية تنفيذ جريمة الثأر في المجتمع الأردني، للأسباب التالية:

  • الثأر من القيم السلبية غير المقبولة في المجتمع الأردني والتي في حال ارتكاب جريمة واحدة في السنة فإنها تؤثر على بقية القيم النبيلة التي يتحلى بها أبناء المجتمع؛ مثل (الطيبة، التسامح، الكرم، النخوة، المروءة، إكرام الضيف، التعاون، الاحترام والتقدير، الألفة).
  • تشكِّل استقواء على الدولة، وأجهزة القضاء فيها، كون ثقافة أخذ الحق باليد لا تجوز في ظل وجود دولة المؤسسات والقانون.
  • تُلحق السمعة السيئة بالمجتمع الأردني، وأنه مجتمع بدائي متخلف ما زال يحتكم إلى سلوكيات العصر الجاهلي في تطبيق شريعة الغاب.
  • مخالفة للدين الإسلامي ومنطلقاته وآياته وأحكامه، وحذَّر من ممارستها رسول الله سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، والديانات السماوية كلها اتفقت على سعادة الإنسان وتوفير كل السبل الكفيلة لسعادته وطمأنينته وديمومة حياته وحيويته وأداء واجباته؛ فلا يوجد تشريع سماوي أو وضعي يبرر جريمة الثأر.
  • ظاهرة الثأر نتيجة وليست سبباً؛ بمعنى أنها تأتي نتيجة جريمة قتل تقع من شخص على آخر لأي سبب من الأسباب، فتكون هذه الجريمة هي الباعث على رد الفعل من أهل القتيل بأخذ الثأر؛ بدافع الرغبة في الانتقام من أهل الجاني وأقاربه وعشيرته.
  • الاعتداء على فرد من أفراد العشيرة يعتبر اعتداءً على العشيرة بأكملها، وعشيرة الجاني تعتبر مسؤولة بشكل كامل عن جريمته على الرغم من عدم معرفة العشيرة عن الجريمة كون الجريمة سلوكاً منبوذاً ومرفوضاً عند العشائر الأردنية، إلا إذا تم ارتكاب جريمة بحق أحد أفراد عشيرتها فلا تتردد العشيرة في قتل الجاني أو واحد من أسرته أو أقاربه.
  • تمنح العشيرة فرصة أو مهلة لا تزيد على ثلاثة أيام وثلث لعشيرة الجاني؛ لتسليم ابنها لعشيرة القاتل والأخذ بالثأر منه أو تسليمه إلى القضاء، وفي حال استمر المجرم في الفرار وعدم تسليم نفسه لعشيرته والقيام بإجراءات التصالح مع العشيرة الأخرى، فإن الثأر يصبح لازماً وتنفيذه واجباً.
  • تشابك وقوة العلاقات القرابية بين أفراد العشائر وتماسكها ووجود السلاح وانتشاره بين أفرادها تعزز القوة الثأرية بين العشائر، وتمنحها المكانة والقوة والهيبة وإثبات وجودها أمام السلطات في الدولة، وتحقيق مطالب ومكاسب من الدولة.
  • عدم الأخذ بالثأر يعد في المجتمع الأردني دليل ضعف وذل وخوف وجبن ووصمة عار تلحق في العشيرة السمعة السيئة؛ لذا تجد عشيرة القتيل تهبّ دفعةً واحدةً وتتطوع للأخذ بالثأر من عشيرة الجاني.
  • نظام الثأر يرتبط بنظام الانتساب الأبوي الذي يقوم على أساس الانتساب في خط (الذكور)؛ بمعنى أن الأنثى لا تثير أو تشعل النعرات بين الجماعات والقبائل.

   11- على الرغم من وجود وزارة للعدل في الأردن، ووجود المحاكم المتخصصة في الجنايات الكبرى والصغرى والمتوسطة، ومحاكم الصلح تعمل بها هيئات قضائية حكومية، ونقابة للمحامين؛ فإن الأردن ما زال يعمل بالتوازي مع ثلاثة قوانين عشائرية، أهمها (قانون محاكم العشائر لسنة 1936)، وعندما ألغيت هذه القوانين رسمياً بموجب )قانون إلغاء القوانين العشائرية رقم 34 لسنة 1976)، بقي العمل بموجبها سارياً عرفاً دون سند، إلى أن وقَّع الملك الراحل الحسين وثيقة عام 1987 غير ملزمة قانونياً؛ لكنها تأخذ العرف العشائري بعين الاعتبار، والقضاء العشائري ما زال معمولاً به من قِبل العشائر، والدولة متعاونة في تنفيذ الأعراف العشائرية لمنع توسع الجريمة وامتداد آثارها أو القيام بالشغب والحرق والتكسير وأعمال العنف تجاه عشيرة الجاني أو الاعتداء على المباني الحكومية؛ فيتدخل وجهاء العشائر لتطويق الاحتقان سريعاً عبر ما يُعرف بـ(العطوة العشائرية فورة الدم)، ويكون بطلب سريع ومباشر من عشيرة الجاني ومن الحاكم الإداري والأجهزة الحكومية المختصة في منطقة الجاني؛ بهدف عدم القيام بأي أعمال عنف في المنطقة تتسبب في سقوط المزيد من الأبرياء أو إلحاق ضرر في الممتلكات.

رسم توضيحي للفتى الضحية بعد ارتكاب الجريمة بحقه
  • تتمسك العشائر في القانون العشائري في حال حدوث جريمة قتل على أحد أبنائها (الضحية) كون العشيرة تركز على هيبتها وقوتها بين العشائر، والعشيرة تعتبر هيبتها ومكانتها وقوتها أهم من القانون المعمول به من الحكومة (قانون العقوبات)، والمحاكم تأخذ في عين الاعتبار نتائج العطوات والصلحات التي تتم بين العشائر لإنهاء الخلافات بالتراضي الذي تم بين العشائر التي بينها الخصومة.

13- ما يعمل به حالياً في قانون العشائر يتم من خلال خطوات مدروسة ومنظمة، فإذا تم ارتكاب جريمة من قِبل شخص في العشيرة، فإن عشيرة الجاني تلجأ إلى إحدى العشائر الموجودة في المنطقة التي يوجد فيها أهل المجني عليه، وتتدخل عليهم للبدء في إجراءات التصالح العشائري. وفي حال موافقة أهل المجني عليه على هذه العشيرة التي دخل عليها أهل الجاني؛ فإن إجراءات الصلح الأولى تبدأ بذهاب وجهاء هذه العشيرة يتقدمهم شيخ العشيرة إلى عشيرة المجني عليه والتي تستقبل من قِبل شيخ عشيرة الجاني والمكلف بالرد على مطالب وشروط عائلة المجني عليه، وتنصاع عشيرة الجاني لطلبات عشيرة المجني عليه، ويتم تبادل الكلمات والخطابات الفصيحة والبليغة بين وجهاء العشيرتَين، وبعد الاتفاق وشرب القهوة العربية يتم توقيع (عطوة فورة الدم) ويسري مفعولها لمدة ثلاثة أيام وثلث اليوم، وبعد انتهاء الأيام الثلاثة وثلث اليوم تقدم عطوة (الاعتراف) بعد إقرار الجاني وعشيرته بالاعتراف بالذنب، وتجدد تلقائياً ما لم يحصل صلح، وإذا وافقت عشيرة المجني عليه تحدث (عطوة إقبال)، وعليه يتم الصلح بين العشيرتَين ويتم إنهاء الثأر.

العلم الأردني

14- بدأت العشائر في الأردن تلجأ إلى فرض التعويضات المادية على عشائر الجاني، والابتعاد عن طلب القتل والثأر.

15- تكون أمور الصلح بين العشائر سهلة وميسرة في حال معرفة وتحديد الجاني، والعشائر كلها متعاونة في هذا الموضوع؛ كون الأبناء جميعهم معرضين لارتكاب جرائم ينجم عنها (وفاة) دون قصد، خصوصاً الوفيات الناجمة عن حوادث كحوادث القضاء والقدر والإيذاء والتعطيل، والحوادث الناتجة عن استعمال السيارات والأدوات الميكانيكية يترك البت فيها للقضاء النظامي، ولا تمنع الدولة المواطنين من ممارسة العادات الحميدة لغايات إصلاح ذات البين بين بعضهم ودون تدخل المسؤولين.

اقرأ أيضًا: اتفاق الجنوب السوري ينبئ بحلول للاجئي الأردن

16- في حال تعرض أحد أفراد العشيرة إلى القتل، ولم يتم تحديد الجاني أو فراره وعدم تسليم نفسه إلى القضاء، فإن الأمور تتأزم وتدخل العشائر في نزاعات وصراعات وخلافات واعتداءات؛ حتى يتم الثأر من الجاني أو من أحد أقربائه؛ انتقاماً للمجني عليه، وحتى لو كان المجني عليه بريئاً.

17- إذا تم تنفيذ حكم الإعدام في القاتل من قِبل الأجهزة المختصة في الأردن، تنتهي كل الإجراءات العشائرية ولا يوجد أي مبرر لمواصلتها.

 18- في حالة الأخذ بالثأر خروجاً على القيود العشائرية أو بعد الصلح العشائري تُشدد الإجراءات والعقوبات على مَن قام بالثأر وخرج عن إجماع العشيرة والقانون الحكومي.

خلاصة:

على الرغم من ارتفاع المستوى التعليمي عند أبناء المجتمع الأردني من مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية، وزيادة رقعة المناطق الحضرية، ورغم المكانة والسلطة والعمل والمهنة والثراء أو الفقر.. رغم كل هذه التطورات؛ فإن المجتمع الأردني ينتفض ويتأهب وينسى الجميع الصداقة والمحبة والجيرة والقيم الطيبة والنبيلة التي تجمع أبناء المجتمع، في حال تعرض أحد أفراد العشيرة إلى (القتل)؛ إذ تنتفض العشيرة وتجمع صفوفها وتتوحد وتتضامن وتتكاتف وتتعاون وتبدأ الخطط توضع للمشاركة مع أهل المجني عليه؛ للرد والانتقام والثأر من الجاني أو عشيرته أو أقاربه، في هذه الظروف الصعبة التي يعيشها أفراد العشيرة كافة، نتيجة تعرُّض أبنائهم إلى الجريمة.

وحتى تضمن الدولة والحكومة عدم امتداد الصراعات والخلافات بين أفراد القبائل والعشائر، ولكي تتم محاصرة وإنهاء الخلاف بالطرق المناسبة والمرضية لجميع الأطراف؛ فإن القضاء العشائري هو الملجأ الوحيد لتهدئة النفوس، وهذا السلوك الاجتماعي يلقى قبولاً حتى تنتهي الخلافات وينتهي الخوف والقلق والأذى والتوتر وتعطيل الأعمال والدراسة على عشيرة الجاني؛ كونهم جميعاً يصبحون مستهدفين من عشيرة المجني عليه على الرغم من براءتهم ورفضهم هذه السلوكيات الجرمية التي ينفذها مجرمون خارجون عن القانون في العشيرة، ونلاحظ مشاركة وزراء ومسؤولين ووجهاء بصفتهم (العشائرية) بالمشاركة في هذه الوجاهات والصلحات؛ حتى يبقى تأثيرهم وهيبتهم ومكانتهم في العشيرة وأمام الدولة، فالوزارء والأعيان والنواب ومَن يتبوؤون المناصب الحكومية ينسون مناصبهم ويلتحقون في عشيرتهم ويشاركون فيها في حال تعرض عشائرهم إلى الاعتداء. وعلى الرغم من كل هذه الجهود؛ فإن بعض جرائم (الثأر) تحدث كون أهل المجني عليه لا يشفي غليلهم إلا الثأر من الجاني؛ خصوصاً إذا كانت جرائم بشعة وصادمة في تنفيذها وتهز المجتمع.

المراجع:

1- دائرة الإحصاءات العامة (2020)، الموقع الرسمي للدائرة، تاريخ الدخول على الموقع الإلكتروني لدائرة الإحصاءات العامة يوم 24 أكتوبر 2020.

http://dosweb.dos.gov.jo/DataBank/Population_Estimares/PopulationEstimates.pdf, Accessed website online on : (24 October 2020).  

2- مديرية الأمن العام، التقرير الإحصائي الجنائي لسنوات متعددة (2017- 2019)، إدارة المعلومات الجنائية، الأردن.

3- قانون محاكم العشائر (1936)، وقانون تأسيس محكمة الاستئناف العشائري 1936.

♦أستاذ دكتور تخصص علم اجتماع وعضو مجلس أمناء جامعة مؤتة، وأكاديمي بجامعة البلقاء التطبيقية.

لقراءة النص الكامل للدراسة: اضغط هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة