الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

التيار الإسلامي العريض.. هل تحالفت المؤسسة العسكرية السودانية مع الإخوان؟

رغم أن إطلاق هذا الكيان أثار حالة من القلق فإن احتمالات نجاحه ستظل منعدمة تقريباً في ظل واقع كاره لجماعة الإخوان

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

لم يكن مفاجئاً لكثيرين بروز كيان سياسي إخواني جديد في الساحة السياسية السودانية؛ تحت عنوان (التيار الإسلامي العريض)، الذي تم إطلاقه الإثنين 17 أبريل الجاري؛ فقد كان متوقعاً حدوث ذلك بُعيد انقلاب 25 أكتوبر 2021، وإطاحة القوى المدنية عن المشهد السياسي وانفراد المكون العسكري بقيادة عبدالفتاح البرهان ونائبه “حميدتي” بالسلطة الانتقالية في السودان، دون حاضنة ولا خبرة سياسية، وبالتالي كان لا مناص لهما من إيجاد حاضنة سياسية بديلة عن قوى الحرية والتغيير؛ الشريك المُطاح به والمغضوب عليه. وليس ثمة مَن يضطلع بهذه المهمة ويقوم بهذا الدور أكثر من جماعة الإخوان المسلمين.

يضم التيار الإسلامي العريض نحو 10 فصائل، تنتمي معظمها إلى تيار الإخوان، بينما يدين بعضها بالولاء لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)؛ حيث أبرمت ميثاقاً ينص على التحالف تمهيداً للاندماج التنظيمي لاحقاً.

اقرأ أيضاً: “الأصالة والتنمية”.. ذراع سياسية جديدة لجماعة الإخوان في السودان

واعتبر متحدثون في حفل التوقيع، الذي جرت فعاليته بالخرطوم، وجلهم من رموز النظام السابق، وحدة الصف الإسلامي فريضة شرعية وضرورة واقعية وواجباً متحتماً؛ خصوصاً في ظل ما سموه بالتهديد الوجودي الذي يستهدف الدولة السودانية كياناً وهوية؛ بالطمس والتجريف.

العسكر.. اللعب بالبيضة والحجر

وفي السياق ذاته، كشف الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد جميل، لـ”كيوبوست”، أن تسعاً من الفصائل العشر المتحالفة ضمن التيار العريض تنتمي مباشرة إلى جماعة الإخوان؛ وهي: جماعة الإخوان المسلمين- التنظيم العالمي، جماعة الإخوان المسلمين- السودان، منبر السلام العادل، الحركة الإسلامية السودانية، تيار النهضة، حركة المستقبل للإصلاح والتنمية، حركة الإصلاح الآن، حزب العدالة القومي، ومبادرة وحدة الصف الإسلامي، بينما يدين حزب دولة القانون والتنمية بقيادة محمد علي الجزولي، بالولاء لـ”داعش”.

الداعشي محمد الجزولي أحد قادة ومؤسسي التيار الإسلامي العريض

بالنسبة إلى هذا التيار، حسب جميل، فإنه لن يُكتب له النجاح والاستمرارية، فقط سيتم استخدامه من قِبل العسكريين لضرب القوى المدنية والثورية وإضعافها ثم يتم التخلص منه في الغالب، لكن هذه مغامرة محفوفة بالمخاطر، فهذا التيار الإخواني حكم البلاد ثلاثة عقود متتالية، ولا تزال كوادره متغلغلة في المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، وبالتالي ربما يتمكن من (الإفطار) بالمكون العسكري قبل أن (يتعشى) به.

اقرأ أيضاً: لجنة إزالة تمكين الإخوان في السودان.. هل فشلت في “لجم” نفوذ الجماعة؟

صعوبات جمة

محمد جميل

في الواقع، يضيف جميل، أن عودة الإخوان المسلمين إلى الواجهة مرة أخرى تكتنفها العديد من الصعوبات؛ فالشعب أصبح رافضاً بدرجة عالية فكرة الإسلام السياسي، كما أن بروز مثل الكيان الإخواني الجديد ليس ناتجاً عن قوة وإنما إفراز طبيعي لفشل التنظيمات السياسية المتصارعة في إدارة المرحلة الانتقالية، وضعف المكون المدني، فضلاً عن كمون كوادر هذا التيار في أغلب مؤسسات الدولة بتواطؤ مع المكون العسكري الذي ظل يخشى القوى المدنية والثورية التي طالما طالبت الجيش بالعودة إلى ثكناته وترك أمر الحكم للشعب.

يشير جميل في سياق إفادته لـ(كيوبوست)، إلى أن قائد الجيش عبدالفتاح البرهان، عمد مباشرةً عقب انقلابه في أكتوبر من العام الماضي، إلى فصل الموظفين العموميين الذين ينتمون إلى التيارات المدنية والثورية وإحلال كوادر إخوانية أماكنهم، قبل أن يطلق سراح قادة حزب المؤتمر الوطني المحلول؛ وعلى رأسهم وزير الخارجية الأسبق، رئيس الحزب، الإخواني إبراهيم غندور، بجانب الداعشي محمد علي الجزولي، رئيس حزب دولة القانون، والكثير من الكوادر القيادية بالجماعات الإخوانية والسلفية، ثم جاء حديث البرهان ونائبه عن تسوية سياسية ربما تشهدها الأيام المقبلة؛ ما يعني أن الإخوان ستكون ضمنها وربما أساسها، الأمر الذي سيفضي إلى مزيد من الانقسام السياسي حال تمكن عناصر النظام السابق من العودة إلى المشهد السياسي بهذه الصيغة.

اقرأ أيضاً: مجلس الحكماء في السودان.. سعي الإخوان لعودة مقنعة

عودة النظام السابق

طارق علي

بالنسبة إلى الصحفي والباحث السياسي طارق علي، فإن إعلان هذا التيار بالتزامن مع إطلاق سراح قادة الحزب الحاكم السابق؛ وعلى رأسهم رئيسه إبراهيم غندور، ومع اقتراب الإعلان من حكومة جديدة، وفقاً لاتفاق محتمل بين العسكريين وقوى سياسية مدنية وشبه عسكرية متحالفة معهم، يثير الكثير من الشكوك والأسئلة، ففي الغالب يخطط المكون العسكري لضرب القوى السياسية بعضها ببعض والتخلص منها واحدة تلو الأخرى.  وكما فعل بقوى الحرية والتغيير، ها هو يستدرج الإخوان المسلمين، و”الأمة القومي” و”الاتحادي الديمقراطي”؛ أكبر حزبَين سياسيَّين في البلاد.

أما بخصوص الميثاق السياسي الذي أُبرم بين فصائل التيار الإسلامي العريض، فلم يقدم رؤية واضحة ولا خطوطاً عريضة لبرنامج ما، فقط أزجى بنصوص عامة وشديدة الالتباس؛ مثل” من الأهداف التي نستشرفها من هذا الاصطفاف الحرص على تنزيل قيم الدين على جميع أوجه الحياة في شؤون المعاش والمعاد في شمول وتكامل”، أو “هذا الإعلان مفتوح أمام كل طرف أو جهة تجد في نفسها توافقاً معه أو استئناساً بما ورد فيه من معانٍ”.

قادة التيار الإسلامي العريض.. على يمين الناظر الوزير السابق والقيادي الإخواني أمين حسن عمر.. يليه مباشرة الداعشي محمد علي الجزولي- وكالات

ولذلك -يستطرد علي متحدثاً إلى “كيوبوست”- فالواضح أن الهدف الأساسي من إطلاق هذا التيار في هذا التوقيت بالذات، هو تعضيد قبضة البرهان على السلطة من جهة؛ من خلال إضعاف القوى العلمانية والثورية، والضغط على نائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد ميليشيا الدعم السريع القوية، وعلى الحركات المسلحة المتحالفة معه، من جهة أخرى؛ لكن -يردف علي- تبدو المخاطرة كبيرة في هذا الاتجاه الذي ربما عجَّل بانهيار البلد وتمزقه شذراً مذراً وتفرقه أيدي سبأ، حسب تعبيره.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في السودان يعيقون التسوية السياسية ويهددون أمن البلاد والعباد

البرهان وطُعم الإخوان

إلى ذلك، لا تزال الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالعودة إلى الحكم المدني وإبعاد العسكريين عن السلطة مستمرة في مدن السودان كافة، بينما عجزت السلطة العسكرية الحاكمة منذ أكتوبر الماضي عن تشكيل حكومة جديدة بعد مضى 6 أشهر على حل حكومة عبدالله حمدوك، وإعلان حالة الطوارئ؛ الأمر الذي خلف نوعاً من الانهيار الاقتصادي وإفلاساً غير معلن للدولة.

صورة أرشيفية.. الرئيسان السابق والحالي البشير والبرهان- وكالات

ومع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية على عبدالفتاح البرهان، لم يكن أمامه إلا أن يبتلع طعم الإخوان المسلمين الذين رموا إليه بمظلة النجاة، فأطلق سراح كبار قادتهم، ربما مقابل دعم غير مباشر لسلطة تبحث عن ظهير سياسي يُقابل حراكاً ثورياً مستمراً في الشارع.

ورغم أن إطلاق هذا الكيان في هذا التوقيت، أثار حالة من القلق العميق داخل السودان وخارجه، من احتمال عودة النظام السابق الذي حكم السودان من خلال سلطة دينية مستبدة لثلاثين عاماً؛ فإن احتمالات نجاحه ستظل منعدمة تقريباً في ظل واقع كاره لجماعة الإخوان ومناوئ لها، خصوصاً في تحالفها مع العسكر الذي أنتج النظام السابق، إضافة إلى التغير الجذري الذي طرأ على المشهد السياسي بدخول لاعبين جدد؛ بما في ذلك قوات الدعم السريع والحركات المتمردة السابقة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، فضلاً عن قوى الحرية والتغيير ولجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين؛ فهؤلاء لن يقبلوا أن ينافسهم الإسلاميون مرة أخرى على سلطة انتقالية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة