شؤون عربية

التيارات المتطرفة ونبوءات آخر الزمان: أيديولوجية سياسية أم عقيدة دينية؟

الجماعات "المتطرفة" وسياسة الترويج لأحاديث الملاحم وظهور المهدي

كيو بوست – مصطفى أبو عمشة

ترتكز الحركات “المتشددة” في العالم الإسلامي، على رأسها تنظيمات “داعش” و”القاعدة” و”الإسلام السياسي”، على تراث كبير من النصوص والأحاديث الشرعية لتبرير نظرية “العنف” و”التطرف” في سلوكياتها، من ضمنها استحضار نصوص أحاديث الفتن والملاحم، والإغراق في استحضار روايات الرايات السود والمهدي المنتظر، وبأنّ الغوطة ستشهد مقدمة الملحمة الكبرى في بلاد الشام، التي ينقسم فيها العالم إلى فسطاطين؛ فسطاط الإيمان، وفسطاط الكفر.

على سبيل المثال لا للحصر، تعتمد هذه التيارات، بأفرادها وعناصرها ورموزها، على حديث “الرايات السود” الذي يعتبر بمثابة الحدث الأبرز الذي سيسبق خروج “المهدي المنتظر”، والعلامة الفارقة التي تفصل وتسبق ظهوره، تمهيدًا لعودته من جديد.

اقرأ أيضًا: بين الوسطية والتطرف: الحرب الفكرية الإماراتية بذخيرة رقمية

ويسعى المنظرون والمفكرون “الجهاديون” إلى توظيف هذا النص وتفسيره وفق العقلية “الأيديولوجية” التي يعيشها هؤلاء في نظرتهم للواقع السياسي والاجتماعي، لأجل التخلص من العزلة الفكرية والاجتماعية، فيلجأون إلى الخيال “السياسي”، وإلى فلسفة المتغيرات وتفسير الأحداث وقولبتها، بطريقة تتوافق مع العقل الباطن التي يحملها أمثال هؤلاء.

فما هي الأسباب الحقيقية التي تؤدي بهؤلاء إلى الإغراق في استحضار مثل هذه الروايات والنصوص؟ وهل تأتي هذه الحالة من باب الانفصال عن الواقع السياسي والاجتماعي وعدم القدرة على التعامل معها بشكل موضوعي؟ وما هي السبيل لمكافحة مثل هذه الظاهرة بين هؤلاء، خصوصًا من فئة الشباب؟

 

استعمال الخطاب “الشعبوي الانفعالي”

أكد رئيس منتدى الوسطية في سوريا د. محمد حبش، في تصريحات خاصة إلى “كيو بوست”، بأنّ ظاهرة الاستدلال بالغيبيات والخوارق ظاهرة معتادة عند الحركات “الشعبوية” لتزيد من حماسة متابعيها، وبالتالي تحثهم على الفداء والتضحية، معبرًا عن استغرابه الشديد من تمكن أحاديث التنبؤ بالمستقبل واستكشاف الغيب في المجتمعات المسلمة، رغم الصريح القطعي الواضح في القرآن الكريم الذي يؤكدّ على عدم قدرة أحد على معرفة الغيب أو التكهن به، وهذا ما أشار إليه القرآن بشكل خاص، حتى بحق النبي الكريم.

ويوضح حبش أنّ الآيات القرآنية تذهب إلى حد أبعد من ذلك، فتشير بصيغة جد صارمة وحادة إلى عدم مشروعية تأويل النصوص وتحريفها بطريقة غير صحيحة، مؤكدًا بأنّ هناك 36 نصًا في القرآن تجزم بأنّه لا يوجد شخص يعرف متى تقوم الساعة ولا أشراطها ولا أخبارها، مشددًا على أنّ الخطاب “الشعبوي الانفعالي” لهذه الجماعات قفز عبر “ديماغوجيا” تسخير الوهم في خدمة السياسة.

اقرأ أيضًا: علميًا: كيف تتسرب الدعاية المتطرفة إلى عقول الناس؟

ويرى حبش بأنّ سائر أحاديث المهدي المنتظر عند أهل السنة والجماعة هي أحاديث ضعيفة، وهذا محل اتفاق بين المحدثين، ومع ذلك فقد رأى بعضهم أنّ كثرة الطرق الضعيفة لهذه الأحاديث يبلغ بها رتبة الحسن، ولكن لا يبلغ رتبة الصحيح.

ويشدد على أنّ التحاق الشباب بهذه التنظيمات “المتشددة” لا يمكن رده إلى أحاديث المهدي وأشراط الساعة، فهي فعليًا تسهم في زيادة حماستهم، منوهًا إلى أنّ الأمر مرتبط بالمقام الأول عند تلك الجماعات بفكرة الظلم والاستبداد والفوضى، أكثر من ارتباطه بأي فهم أيديولوجي، وحين تتوالى المظالم فإنّ الأفكار المتطرفة تزداد شعبيتها.

ومن هنا، فإنّ حبش يعتقد بأنّ الجماعات “المتطرفة” استطاعت تجنيد أكثر من 95% من عناصرها وأفرادها عبر نظرية “المظالم”، فيما لم تستقطب الأيديولوجيا أكثر من 5% من حالة العنف، مشيرًا إلى أنّ غالبية هؤلاء المنخرطين في العنف كانوا من قبل موظفين ومعلمين وأعضاء عاديين في الشعب، حولهم الظلم والبؤس إلى متطرفين، وأنّ قلة منهم فقط كانوا يعيشون حياة كريمة ثمّ قرروا اللحاق بالحركات العنفية.

 

قراءة أحادية للنصوص

من جهته، يرى الباحث في شؤون الحركات الإسلامية والإرهاب الدولي، منير أديب، بأنّ التنظيمات “المتطرفة” تعتمد على قراءة أحادية خاطئة، وعلى تفسيرات لا ترى إلا فقه “إراقة الدماء” في فهم النصوص الشرعية، خصوصًا فيما يتعلق بنصوص الفتن والملاحم وآخر الزمان، مشيرًا إلى أنّ هناك مشكلة حقيقية في فهم المقصد والمراد الحقيقي من هذه النصوص الدينية.

ويؤكدّ أديب في حديثه الخاص مع “كيو بوست”، بأنّ لدى هذه التنظيمات قراءة خاصة في فهم هذه النصوص -نظرًا لأنّها حديثة المنشأ- تعتمد من خلالها على استحضار تراث ديني مليء بالحثّ على الكراهية والتشجيع على إراقة الدماء، مشددًا على أنّ هذا التراث هو تراث بشري يحتوي على الكثير من التفسيرات البشرية، التي إما فهمت بشكل خاطئ أو أنّها كانت تتلاءم مع عصرها الذي وجدت فيه ولم تعدّ ملائمة للعصر الحديث.

اقرأ أيضًا: إلى أين يتجه المشروع “الجهادي” في الأردن بعد تراجعه في المنطقة؟

ومن هنا، فإنّ أديب يوضح بأنّ كثيرًا من الممارسات من تنظيم “داعش” والتنظيمات “المتطرفة” استندت إلى قراءات وتفسيرات من بعض ما جاء من التراث الديني، الذي يحتاج إلى تنظيم وإعادة قراءة، وهذا ما يطلق عليه حاليًا بإعادة تجديد الخطاب والفكر الديني، مشددًا على ضرورة إعادة قراءة مثل هذا التراث الديني القديم قراءة متجددة تربط بين حقيقة النص الديني وواقع واحتياجات الناس المعاصرة.

وفي هذا الإطار، يشير أديب إلى دول عديدة يلجأ فيها الفقهاء ورجال الدين إلى قراءة النصوص والتراث الديني قراءة عنيفة ومتشددة، كأفغانستان ودول البلقان، الأمر الذي يعزز من نشر الفكر المتشدد ويفاقم من الأزمات في عالمنا العربي والإسلامي.

كما يشير أديب إلى وجود خلط كبير بين النص الديني المقدس وبين الرأي، الأمر الذي جعل من طبيعة الفكر البشري نصًا مقدسًا عند هؤلاء؛ فلم يعودوا يميزوا بينهما، مشيرًا إلى أنّه ما من أحد يشك في أنّ النصوص الشرعية هي نصوص مقدسة، لكنّ من الضروري العمل على قراءتها قراءة متعددة، وليست أحادية، ومراعاة أنّ هناك واقعًا قديمًا وحديثًا قد فهمت من خلاله هذه النصوص، منوهًا إلى أنّه قد يكون هناك بعض الفقهاء ورجال الدين في عصور سابقة قد اعتمدوا على قراءة سياسية لهذه النصوص، وتختص واقعًا سياسيًا معينًا يختلف عما هو عليه الآن، إذ أنّ الفهم البشري لتلك النصوص لا يجعلنا نضعها بمثابة النص الديني “المقدس” كما تفعل التنظيمات “المتشددة”.

وبالتالي، فإنّ أديب يطالب بضرورة تجديد الخطاب والتراث الديني بشكل مستمر، في ظل الواقع المعاصر، ولا بدّ من ربطه بحياة الناس والواقع المتغير، لأجل تعزيز فقه الإعمار في الأرض، وليس القيام باستحضار قراءات قديمة، وربما خاطئة، الهدف منها تعزيز فقه الدمار وإراقة الدماء.

وهذا يتطلب بطبيعة الحال، بحسب رؤية أديب، قراءة النصوص الدينية قراءة عميقة ودقيقة وفاحصة، تراعي مقاصد الشريعة التي تؤكد على إعمار الأرض والكون، ولا تقوم في أساسها على قراءة أحادية للنصوص، بل تضع نصب أعينها جميع القراءات والأفهام المتنوعة، وتهدف إلى تعزيز سلم الإنسان وسعادته.

 

الارتباط بأيديولوجية “المخلّص المنقذ”

في سياق متصل، يطرح الباحث في الشؤون الأمنية والإستراتيجية والجماعات المتطرفة، هشام الهاشمي، رؤية جديدة في تحليل الظاهرة، مؤكدًا في تصريحات خاصة إلى “كيو بوست”، بأنّ الجماعات والتيارات المتطرفة ترتبط في سلوكياتها وتحركاتها بأيديولوجية “المخلّص المنقذ”، التي تسعى إلى تسريع خروجه وفق استحضار نصوص شرعية ودينية وإسقاطها على واقعها السياسي والاجتماعي.

ويرى الهاشمي أنّ هذه التيارات “المتطرفة” تسعى للظهور بالمظهر “الإحيائي”، التي تسعى من خلاله إلى تغيير الواقع والتمهيد لعودة “المخلّص القادم”، مشيرًا إلى أنّ الروايات والنصوص التي يعتمد عليها هؤلاء لا تعتمد على المنطق والواقع، بل تعتمد على الخيال وضعف الحجة والاستدلال السليم، كما تركز بشكل كبير على مبدأ التجهيل بحق عناصرها وأفرادها، فهم يتعاملون مع نصوص تسعى لتجهيل وتسفيه الآخرين.

اقرأ أيضًا: ما الفرق بين الأصولية، والراديكالية، والتطرف، والإرهاب، والفِكر الجهادي؟

وحول طرق مكافحة هذه الظاهرة، خصوصًا من فئة الشباب، يهيب الهاشمي بضرورة أن تقوم الجهات المرتبطة بالتعليم بإعادة ومتابعة المناهج الدينية الدراسية، بما فيها تلك المرتبطة بمثل هذه المفاهيم، وأن يقوم الإعلام بدوره في تعزيز الهوية الوطنية وثقافة التسامح والوسطية وقبول الآخر، مشددًا على أنّ ذلك من شأنه أن يقطع الطريق على هذه الجماعات من التأثير على الشباب وغوايتهم وتضليلهم.

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة