الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

التونسيون لا يأسفون على رحيل “النهضة” من الحكم

كنا نظن أن الحركة ستعمل على إرساء دولة عادلة وناجحة.. لكن تغيَّر كل شيء بعد الوصول إلى السلطة

تونس- فاطمة بدري

أقدم الرئيس التونسي قيس سعيّد، على اتخاذ جملة من القرارات الجريئة القاضية بتجميد كل اختصاصات المجلس النيابي، ورفع الحصانة عن كلِّ أعضاء المجلس النيابي، وإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي، عقب احتجاجاتٍ واسعة في محافظات عديدة بالبلاد؛ انتهى أغلبها باقتحام وحرق مقرات حركة النهضة.

خطوة سعيّد التي أثارت جدلاً كبيراً، داخل البلاد وخارجها، كانت قد جنَّبت الحركة مواجهة الغضب الشعبي الذي بلغ مداه الأقصى، ولم يعد يرغب في وجودها في الحكم على مدار عشر سنواتٍ عجاف، تراجعت فيها كل المؤشرات. وقد ترجمت الاحتفالات الشعبية الكبيرة التي تلَت إعلان سعيّد قراراته كم أصبح وجود الحركة ثقيلاً على نفوس التونسيين، وكم أن رحيلها عن السلطة بات باعثاً على البهجة والتفاؤل بواقع أفضل.

اقرأ أيضاً: تونس.. انقلاب على الشرعية أم تصحيح لمسار الثورة؟!

“كيوبوست” التقى جملةً من المواطنين التونسيين، وحاول الوقوف على تقييمهم أداء الحركة كحزبٍ حاكم على مدار عشر سنوات، وكيف يرون إقدام الشباب على حرق مقرات الحركة قبل قرارات سعيّد وبعدها، والاحتفال بإبعادها من السلطة، وكيف يبدو لهم المشهد من دونها.

منى (32 سنة، موظفة)، من محافظة الكاف (شمال غربي)، ترى أن حركة النهضة تتحمل مسؤولية ما حلّ بها وبمقراتها؛ لأنها ظلَّت تبحث عن سُبل تغلغلها في الحكم دون أن تبالي بمصير شعب بأَسره.

قيس سعيّد يستجيب لتطلعات الشعب بإبعاد الإسلاميين- (صورة وكالات)

وتقول منى لـ”كيوبوست”: “باعتباري من محافظة تصنف كمنطقة داخلية تفتقر إلى التنمية، ومصنفة منذ عقود خارج اهتمامات الدولة، تأملنا أن تلتفت الطبقة السياسية، التي ستمسك بزمام الأمور بعد الثورة، إلينا، وتحاول إدراجنا على رأس برامجها. انتظرنا السنةَ تلو الأخرى، وكانت (النهضة) دائماً الحزب الحاكم، وفي كل مرة نقول غداً سيحدث التغيير؛ لكن كل ما حدث هو أن شقاء أبناء محافظتي قد زاد، بل وتضاعف”.

وتضيف: “بدأ الجميع يدرك أن التغيير المنشود لن يحدث مع هؤلاء، ومع كل خذلان كان الغضب يكبر شيئاً فشيئاً، حتى فاضتِ الكأس تماماً عندما طالب عبدالكريم الهاروني، بتعويضاتٍ مالية ضخمة لقواعد الحركة في الوقت الذي يموت فيه التونسيون بسبب عدم توفر الأكسجين.

اقرأ أيضاً: رواد “فيسبوك” في تونس يصطفون وراء سعيّد

هنا بات الأمر يقينياً أن هذا الحزب الذي يقودنا منذ عشر سنوات لا ينتمي إلينا، ولا يعي ولا يكترث حتى بموتنا؛ ولهذا لم يكتفِ الشباب بالتظاهر ضدها، بل أرادوا رسالة واضحة للحركة مفادها أن التونسيين؛ خصوصاً الشباب منهم، قد لفظها وأنه عازم على ركلها حتى باستخدام العنف. لكنها لم تستوعب الدرس، وسارعت لتهديد المحتجين بالقضاء والقمع وكيل التهم والسباب لهم، حينها تلقف سعيّد الحادثة، وأعلن قراراته التي كانت مطابقة لتطلعات الشعب، وأنقذ الحركة من مواجهة قد تكون دامية مع الشباب التونسي”.

خيارات خاطئة

أما حسين (28 سنة، مدرس) من محافظة مدنين (جنوب شرقي)، فيعتبر أن “النهضة” تدفع ثمن خياراتها الخاطئة تجاه تونس وسعيها المحموم وراء الكرسي الذي كلَّف البلاد الكثير وجعلها في مرمى النقد ثم الاستهداف المباشر.

ويقول لـ”كيوبوست”: “عندما قام الشعب التونسي بالانتفاض على نظام ابن علي، كان طموحه هو التأسيس لوطن بمواصفاتٍ جديدة تقطع مع الفساد واستئثار فئة أو جماعة أو عائلة بالثورة، و(النهضة) كانت تدَّعي أنها ستدافع عن تلك الأهداف؛ لذلك منحها الشعب ثقته.

حتى الأنصار اختفوا ولم يقفوا إلى جانب الحركة- (صورة وكالات)

تدريجياً بدأت تظهر سياسات تتعارض مع وعودها، حتى طبعت مع الفساد والفاسدين وباتوا حلفاءها؛ سواء كأحزاب أو رجال أعمال يضخون لها الأموال؛ لقادتها وبعض قواعدها أيضاً. عوقبت في مناسبات عديدة؛ منها المحطات الانتخابية التي فقدت فيها الآلاف من قاعدتها الشعبية، ولكنها لم تتعظ وواصلت في غيِّها وانتهازيتها، وعوقبت مجدداً عندما خرج الشعب ضدها في احتجاجات متتالية؛ ولكنها كابرت وواجهته بالعصا الغليظة.. جدَّد الكَرَّة، ومع ذلك لم تفهم وواصلت إصرارها على أن تغمض عينَيها عن واقع التونسيين، حتى أتت الأحداث الأخيرة، ورأت كيف يندفع الشباب الذين كان بعضهم أطفالاً أو مراهقاً لدى تولِّيها الحكم لحرق مقراتها في حركة تترجم كم أن النقمة على هذا الحزب قد استفحلت؛ ولكنها مجدداً أَبَت أن تفهم الدرس فجاءتها الإجابة من قِبل سعيّد الذي استجاب لنداء هؤلاء الشباب، وفهم أن صبرهم قد نفد، ولم يعُد بوسعهم تحمل وجود هذه الطبقة السياسية؛ خصوصاً حركة النهضة”.

وسيم (29 سنة، رئيس نادٍ فني)، من محافظة قفصة (جنوب غربي)، يرى أن خروج “النهضة” من الحكم أفضل مسار تصحيحي يحدث في البلاد منذ عشر سنوات.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي التونسي يحرق “النهضة”

ويقول وسيم لـ”كيوبوست”: “كان نظام ابن علي قمعياً جداً، وكانت فرصة التحرر منه صعبة وأشبه بالمستحيلة؛ ولكن إصرار الشعب، خصوصاً الشباب، كسر هذه الديكتاتورية وفتح المجال أمام الجميع ليتنفس الحرية؛ خصوصاً ساسة (النهضة) الذين كان بعضهم مهجراً أو في السجون.

كنت، وكل أبناء جيلي على الأقل، نظن أن هؤلاء سيبحثون عن إرساء دولة عادلة، وتسير خطواتٍ إلى الأمام؛ لكن يحدث أن يتغير كل شيء بعد الوصول إلى السلطة، ويتحول حلمنا ببلد مستقر على الأقل اقتصادياً واجتماعياً إلى كابوس. بدأ يتضح أن الحركة التي لجأت إلى القتل والحرق من أجل السلطة ستفعل كل ما من شأنه أن يبقيها في الحكم. ولهذا أهملت مصلحة البلاد، ولم تبالِ بالمؤشرات الكارثية في كل القطاعات؛ ولكن نسيت الحركة أن الشباب الذي أوصلها إلى الحكم قادر على أن يسلبها إياه، وأن القبضة الأمنية لن تثنيه؛ ولهذا كانت صدمتها كبيرة عندما أُحرقت مقراتها تماماً كما حدث مع مقرات نظام ابن علي، ثم كانت الفاجعة عندما استجاب سعيّد لرغبة الشباب وإزاحتها عن السلطة. أشعر أننا بدأنا اليوم وتنتظرنا رحلة صعبة؛ ولكن أملي كبير في أن سعيّد سيحدث الفارق في قادم الأيام والسنوات”.

يأمل التونسيون في مسار سياسي جديد- وكالات

ويُذكر أنه بعد ثورة 2011 عادت قيادات “النهضة” من مهاجرها الاختيارية، وغادر بعضها الآخر السجون، حينها ادَّعى الجميع أنهم قادمون من أجل بناء وطنٍ يتسع للجميع. وأكد الغنوشي، آنذاك، أنه عائد ليتمتع برائحة البلاد، وأن لا مطامع سياسية له، وأنه سيترك الفرصة للشباب الذي قام بثورته ليقول كلمته؛ ولكن قُلبت الموازين بمجرد الوصول إلى السلطة، وأُتلفت الوعود ونُسيت عمداً، وتمسك الغنوشي بالكرسي لآخر لحظة.

انتهازية الأحزاب

شادية (28 سنة، عاطلة عن العمل)، من محافظة القيروان (وسط غربي)، تعتقد أن ما حدث هو نتيجة حتمية لانتهازية الأحزاب؛ وعلى رأسها حركة النهضة، مشددةً على أن الإصلاح لن يحدث في حال عاد هؤلاء إلى السلطة.

وتقول شادية لـ”كيوبوست”: “كانت رائحة الموت تفوح من كل شارع في مدينتي قبل أيام ليست بالبعيدة، كنا نواجه أزمة لا شبيه لها بمفردنا.. تركتنا الحكومة التي تديرها وتحركها حركة النهضة نواجه الوباء بصفر إمكانات، وظلَّت تراقب دون حركة حتى بلغ صدى مصيبتنا كل العالم. حينها تحركت ببطء حتى توهم الرأي العام أنها تبذل جهداً من أجلنا. الحقيقة أن هذا ليس معطًى جديداً؛ فمؤشرات التنمية في محافظتي في أدنى مستوياتها، حتى معدلات الانتحار تتصدرها، علماً بأن أغلبها شباب وحتى أطفال، حدث هذا طيلة عشر سنوات من حكم الإسلاميين تجار الدين، دون أن يشعروا بالذنب أو مجرد أن يعترفوا بما اقترفوه في حق مدينة كبيرة وعريقة كالقيروان.

اقرأ أيضاً: بعد التعدي على برلمانية.. إسلاميو تونس يلطخون الحياة السياسية

لقد كانت سنوات حكمهم عجافاً جداً؛ سنتذكرها دائماً كأسوأ فترة مررنا بها، ولن نأسف أبداً على رحيلهم، بل إنني أرجو أن لا يُقدِم الرئيس قيس سعيّد على أية مصالحة أو حوار معهم.. ستكون تونس أجمل من دونهم”.

وتجدر الإشارة إلى أن محافظة القيروان كانت الأكثر تأثراً بجائحة “كوفيد-19” في تونس، وقد تأخرتِ الحكومة المدعومة من “النهضة” وحلفائها في التدخل لإنقاذ الأهالي رغم إدراكهم ضعف البنية الصحية هناك؛ وهي من المحافظات الأشد فقراً في تونس، كما تتصدر عدد حالات الانتحار في تونس، والتي حدث أغلبها بسبب الفقر والتهميش.

حتى في الأزمة الصحية لم تلتفت الحركة إلى التونسيين- (صورة وكالات)

رحمة (22 سنة، طالبة)، من محافظة سيدي بوزيد (وسط غربي)، لا تخفي سعادتها بدخول تونس في مرحلة دون حركة النهضة، متوقعةً أن ينجح سعيّد في إصلاح البوصلة التي فُقدت، برأيها، منذ صعود الإسلاميين إلى الحكم.

وتقول رحمة لـ”كيوبوست”: “كان والدي يقول دائماً لا تصدقي أولئك الذين يحضرون الدين والله والرسول في كل شيء.. احذري هؤلاء؛ فهم الأكثر كذباً ونفاقاً، كبرت هذه الأفكار في داخلي وآمنت بها في البداية؛ لأنني أثق في أبي، وصرت على يقين منها بعد تجربتنا مع حكم الإسلاميين. لقد استفادوا من سذاجة الكثيرين الذين يبحثون عن ملاذاتٍ دينية يفقدونها في داخلهم، لتروج لكونها الحزب الحامي لقيم الإسلام في تونس.

اقرأ أيضًا: بدرة قعلول لـ”كيوبوست”: الأمن التونسي أحبط محاولات خلق “رابعة” جديدة من الإخوان

كانت الشعارات مغرية للكثيرين؛ ولكن سنوات من الحكم كانت كافية لتفنِّد ذلك، وليكتشف الذين اندفعوا وراء خطاباتها وكذبها الذي لا يتوقف، أنهم خُدعوا؛ فالسرقة ونهب أموال الشعب وتوجيهها إلى قياداتها وقواعدها المقربين وحصر الفائدة لصالح هؤلاء وترك بقية الشعب يواجه الفقر والبطالة والمرض، إلى جانب التحالف مع الفاسدين وتعبيد الطريق أمامهم ليتحكموا في البلاد.. هذه الخصال وغيرها كفيلة بأن تجيب بأن هؤلاء مجرد تجار دين ومرتزقة لدى مَن يدفع أكثر ومَن يدفعها للبقاء في الحكم لمواصلة التمتع بهذا النفوذ.

أعتقد أننا تنفسنا فجراً جديداً من دونها، وسيكون الغد أجمل وأفضل من دونها حتماً.. فقط نحتاج إلى أن نلتف جميعاً وراء مشروع وفكرة صادقة أرى أن سعيّد يأخذنا إليها”.

يتظاهر التونسيون تأييداً لقرارات الرئيس قيس بن سعيد- وكالات

أبدى محمد (29 سنة، تقني سامٍ)، من ساكني حي التضامن الشعبي بالعاصمة، ابتهاجه بما سماه إنقاذ تونس، معتبراً أن مرحلة سوداء أرهقت كلَّ التونسيين؛ خصوصاً أبناء الأحياء في العاصمة، بصدد الاندثار، متوقعاً أن تحدث نقلة جديدة في البلاد بعد الإعلان رسمياً عن خروجهم الكامل من المشهد السياسي.

ويقول لـ”كيوبوست”: “قبل 2011 كنا نحن أبناء الأحياء الشعبية نعاني وضعنا جميعاً في سلة الإجرام والسرقة وغيرها دون تمييز، وكان ذلك يؤثر على جميع نواحي حياتنا؛ بما في ذلك فرص العمل.

توقعنا أن تُحررنا الثورة من هذا القيد؛ ولكن ما حدث أن (النهضة) التي كانت عازمة على تحويل تونس إلى دولة إسلامية يرتع فيها السلفيون والمتطرفون والإرهابيون، فتحت المجال أمامهم؛ خصوصاً في السنوات الأولى التي تَلَت الثورة للعبث كما يشاءون؛ لكن تدريجياً واجهت ضغطاً قوياً من المجتمع المدني ومن الشارع الذي انتفض ضدها؛ خصوصاً بعد أن حدثت الاغتيالات، حينها تراجع هؤلاء المتطرفون في الأحياء الشعبية.

اقرأ أيضًا: 25 يوليو.. هل يكون موعداً لطرد حركة النهضة من الحكم؟

ورغم تقلص عددهم في السنوات الأخيرة، وسفر الكثيرين منهم إلى بؤر التوتر، ورغم رفض غالبية أهالي الأحياء الشعبية وجود بعضهم بينهم؛ فإن ذلك لم يمنع من إضافة مشكلة جديدة لأبناء الأحياء الشعبية في العاصمة.. أصبحنا عنواناً للإرهاب أيضاً وفاقم هذا من شقائنا. هذا فضلاً عن الفقر والتهميش اللذين نعانيهما في هذه الأحياء المنسية المصنفة سلفاً على القوائم السوداء محلياً.

ولهذا كان غضب أبناء هذه الأحياء دائماً موجهاً؛ خصوصاً إلى حركة النهضة؛ ففي جانفي مثلاً أُحرقت مقرات مغازات تابعة لأحد قيادات الحركة في حيِّنَا، ونُهبت ومحلات أخرى يُعرف أصحابها بالولاء للحركة، في حين لم يتم الاعتداء على بقية المحلات التي لا تمتلكها الحركة.

وفي الاحتجاجات الأخيرة، أحرق الشباب المتظاهر مقراتها؛ تعبيراً عن رفضهم وجودها بينهم في الحكم. وكانت لحظة إعلان سعيّد قراراته مفرحةً لنا؛ لأنها قد تخلصنا من إحدى الصفات التي تنهكنا على الأقل، وربما يلتفت سعيّد، الذي يدرك فقرنا، إلينا؛ خصوصاً أننا نعي جيداً أنه لا ينتمي إلى هذه الطبقة السياسية الانتهازية”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة