الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

التوازن الدقيق بين “الأمننة” والجهود الإنسانية في سياق مكافحة الإرهاب

 كيوبوست-ترجمات

ليندا شليجل*

لطالما شكّل الإفراطُ في التركيز على البعد الأمني في التعامل مع الأفراد من ذوي الصلات المحتملة بالمنظمات الإرهابية أو القابلية المحتملة للتطرف، مشكلةً منذ فترةٍ طويلة، وحاليًا وفي ظلّ أن الدول الغربية تجد نفسَها وسط تحدٍ كبيرٍ، متمثلٍ في عملية إدارة عودة المقاتلين الأجانب من الأراضي التي سيطرت عليها داعش في سوريا والعراق إلى أوروبا، فإن هذا النقاش يصبح أكثرَ إلحاحًا.

وإضافةً إلى الاهتمام بعودة المقاتلين، من الرجال والسيدات، تواجه الدولُ صعوبةً في إيلاء الاهتمام الكافي بالأطفال، الذين ربما تم أو لم يتم تلقينُهم الأفكارَ الإرهابية، ومن جانبٍ آخر، فمن المحتمل أنهم يعانون صدماتٍ نفسية شديدة.

قضيةُ تحقيق التوازن بين البعد الأمني والجهود الإنسانية، لا تقتصر على الدولِ الغربية فحسب، ذلك أن الأفراد الذين تعرَّضوا لصدماتٍ نفسية، ويُحتمل انخراطُهم في التطرف والعنف، هي قضيةٌ أكثر إلحاحًا في المجتمعات المتعافية في الشرق الأوسط أيضًا.

تتجلى العلاقة بين مشكلات الصحة العقلية والعمل الإرهابي، في أوضح صورها، في دراساتِ الإرهاب الفردي. على سبيلِ المثال، توصلت ورقةُ سياسات نُشرت في عام 2016 أعدّها كلٌّ من فان زويدويدويجن وباكر أن الذئاب المنفردة يُحتمل أن يعانوا مشكلاتٍ في الصحة العقلية أكثر من السكان العاديين. وخلصَ الباحثان إلى أنه بالنسبة للذئاب المنفردة، من الأهمية بمكان تطوير نهجٍ متعددِ الأطراف لتقييم المخاطر، وتقليل العراقيل الاجتماعية والمؤسسية التي تحول دون علاج مشكلات الصحة العقلية.

ومع ذلك، فلا تحظى هذه الأساليبُ باهتمامٍ كبير، منذ سقوطِ تنظيم داعش، وتدفق المقاتلين العائدين إلى أوروبا. ومع الوضع الذي لا يزال مُترديًا في مناطق “الخلافة”، اشتد الخلافُ حول أولوية كل من “الأمننة” “والنزعة الإنسانية”.

اقرأ أيضًا: فطن وبرامج مكافحة التطرف في السعودية

الصحةُ العقلية ليست قضيةً في سياق الإرهاب الفردي في الغرب فحسب، ذلك أن الصدماتِ النفسيةَ، ومشكلاتِ الصحة العقلية، الطويلةَ الأجلِ، المترتبة على التعرضِ للعنف الشديد، قد أصبحت الآن قضيةً ملحّة بشكلٍ واضح بالنسبة لمجموعةٍ أكبر بكثير من الأفراد الذين يُحتمل أن يرتكبوا أعمالًا إرهابية. وفي حين أن تداعيات كل صراعٍ عنيف تنطوي على خطر الصدمات النفسية التي تُسبِّب دواماتٍ جديدة من العنف، فإن صعودَ تنظيم داعش وهجماته اللاحقة، في جميع أنحاء العالم، قد استحوذت على اهتمام الدول الغربية.

وبدلًا من أن يقتصرَ الخوفُ من وجود منطقةٍ تعاني عدمَ استقرارٍ في العراق وسوريا، مع سيناريوهاتٍ محتملة لحربٍ أهلية أو طائفية جديدة فقط، فإن “نجاح” تنظيم داعش يدلِّل على احتماليةٍ أكبر لتصاعد التهديد العالمي الذي يمكن أن تجلبه موجاتُ التطرف والعنف المتجددة.

يُعتبر إيان برادبري، العضو السابق في القوات المسلحة الكندية، ومؤسس منظمةٍ غير ربحية تشارك في دعم السلام والتنمية المدنية، أحدَ الأصوات التي تسلط الضوء على خطر موجةٍ جديدة من العنف التي قد يقوم بها أولئك الذين تعاملوا مع داعش. ويرى أن الضحايا قد يصبحون الجُناة المقبلين، لا سيما أولئك الذين يسميهم “الفتيان الضائعين”. ورغم وجود مساعداتٍ إنسانية وبرامج للصحة العقلية، وغيرها من البرامج، للنساء والفتيات، بما في ذلك الإيزيديات، فلا توجد برامج للأطفال الذكور، الذين غالبًا ما تم تلقينهم وإجبارهم على ارتكاب أعمال عنف. ويقول “إن العواقبَ المترتبة على عدم الاعتراف بحالة هؤلاء “الفتيان الضائعين” أو علاجهم ينبغي أن تكون واضحةً. وفي غضون من خمسِ إلى عشر سنوات، من المرجح أن ندخل في مواجهةٍ مع الكثير منهم، نظرًا لأنهم مُعرَّضون بشدة لأن يصبحوا الجيل القادم من مرتكبي العنف و/أو المتطرفين”. ورغم أنهم يشكِّلون مخاطر أمنية محتملة في المستقبل، فإن هؤلاء الضحايا يُعدّون حاليًا مصدر قلقٍ إنساني، مما يدل على الصلة الوثيقة بين الأمن والتنمية المدنية، عقب الصراعات العنيفة.

وعلى الرغمِ من أن إدراك أن ضحايا الصراعات العنيفة قد يصبحون مجرمين محتملين، في وقتٍ لاحق، ليس بالأمر الجديد، فإن الانتشار العالمي للمنظمات الإرهابية الآن يزيد من الخطر الذي يُشكّله المتطرفون، ليس على محيطهم المباشر فحسب، بل على الأمنِ العالمي ككل. الآن، يواجه المجتمع الدولي معضلة الاختيار بين “الأمننة” والجهود الإنسانية، محليًا وعالميًا، لا سيما في المناطق التي تعاني عواقب تدمير داعش.

اقرأ أيضًا:“منصة الخطاب البديل لمكافحة التطرف والإرهاب”

على الصعيدِ المحلي، تحتاجُ هذه الدول إلى استراتيجياتٍ ملائمة للتعامل مع المقاتلين الأجانب العائدين، وكذلك أطفالهم. ينبغي التأكيدُ على أن القاصرين الذين يعانون صدماتٍ نفسية، حتى وإن كان قد تم تلقينهم، يحتاجون إلى مساعدةٍ من المؤسسات الاجتماعية، وليس إلى المراقبة أو “القيود” من الشرطة. ولا بد من تحقيق توازن دقيق بين المخاوف الأمنية والجهود الإنسانية عمومًا، ولكن الأطفال والمراهقين يحتاجون إلى حمايةٍ خاصة بغض النظر عن المعتقدات الأيديولوجية لوالديهم. الشيء نفسه ينسحب على القاصرين في أراضي داعش السابقة. ذلك أن تجربة العنف والوحشية، فضلًا على التلقين المحتمل من جانب الآباء أو المقاتلين، قد تركت الأطفال عُرضةً للاستغلال.

اقرأ أيضًا: كيف يمكن لأفلام هوليوود أن تساعد في مكافحة المجموعات الإرهابية؟

وإذا اكتفت قواتُ التحالف الغربية بـ “هزيمة” التنظيم عسكريًا، أي محو السيطرة الواضحة لداعش على الأراضي، فإنها بذلك لا تلامس سوى سطحِ الحل الطويلِ الأجل. وكما يبين برادبري بوضوح، فإن الإفراط في الأمننة والتفريط في الجهود الإنسانية سيقود إلى دوامةٍ جديدة من العنف. ويتوقع أنّ الأطفالَ المحرومين من طفولتهم بسببِ الحربِ سيتحولون إلى متطرفين في الغد.

أما فيما يتعلق بالبالغين، فلا تزال المسألةُ أكثرَ تعقيدًا. ففي حين يجب بذلُ جهودٍ قوية في إطار القوة الناعمة من أجل منع أكبر عددٍ ممكن من عمليات التطرف والهجمات المحتملة قبل وقوعها، فيمكن، بل ينبغي، أن تكون المخاوفُ الأمنية جزءًا من المعادلة. إلى أي مدى ينبغي أن يكون هذا هو الحال، هو أمر يستحيل الادعاء بمعرفته. لكن الأمر المهم هو الحفاظ على التوازن بين “الأمننة” وجهود القوة الناعمة. فمن ناحيةٍ، قد يؤدي التركيز المفرط على الأمننة إلى خيبة أمل التيار الرئيس في المجتمع الذي يمكن أن يغذِّي “انفتاحًا معرفيًا” على الأفكار المتطرفة.

ومن ناحيةٍ أخرى، لا يمكن لأحدٍ أن يُنكر ضرورةَ وجودِ بعدٍ أمني في جهودِ مكافحة الإرهاب، ولا شك أن الشرطة وأجهزة الأمن هي أدواتٌ قوية لتقليلِ خطرِ أعمالِ العنف. وفي كلِّ مرحلةٍ من مراحل مكافحة الإرهاب، بدءًا من مكافحةِ التطرف العنيف، وجهود تأهيل المتطرفين إلى التهم القانونية، يجب الحفاظُ على هذا التوازن. وإلا فإنَّ جهودَ مكافحة الإرهاب ستغذِّي التطرفَ الذي تسعى إلى القضاءِ عليه.


 *مستشارة في مكافحة الإرهاب في مؤسسة كونراد أديناور ببرلين.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

رابط النص الأصلي للمقال باللغة الإنجليزية: 

The Delicate Balance Between Securitization and Humanitarianism in the Context of Counterterrorism

 

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة