الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

التهديد المستمر للتطرف الإسلاموي في جنوب شرق آسيا

كيوبوست- ترجمات

أنيميش رول

الإرهاب الإسلاموي ليس ظاهرة جديدة في منطقة جنوب شرق آسيا، ويعود إلى عددٍ لا يحصى من العوامل المحلية والعابرة للحدود الوطنية. من تفجير بالي (2002) في إندونيسيا بواسطة تنظيم القاعدة والجماعة الإسلامية التابعة له إقليميًا، إلى حصار ماراوي (2017) بواسطة الجماعات المحلية المرتبطة بتنظيم داعش في الفلبين، قطع العنف الإسلاموي في جنوب شرق آسيا شوطًا طويلًا في العقدين الماضيين.

في هذا الصدد، غالبًا ما يهيمن تصنيفان أوسع نطاقًا على الخطاب الأكاديمي والسياسي. الأول يقوم على التطلعات والمظالم المحلية ضد الأنظمة القمعية، والآخر يقوم على طموح بناء خلافة إسلامية إقليمية أو عالمية. سخَّرت الحركات الجهادية العابرة للحدود الوطنية، مثل القاعدة وتنظيم داعش، الحركات العرقية الانفصالية والإسلاموية القائمة، وأثّرت فيها، وإلى حد كبير، استقطبت الحركات الإسلامية المتشددة المحلية التي أثّرت بدورها على دول جنوب شرق آسيا. في ظل وجود أهداف متشابهة نسبيًا، قادت كلتا المجموعتين الحركات الجهادية في جميع أنحاء العالم لتأسيس سيادة الإسلام (الخلافة) من خلال معارضة التأثيرات الحديثة والعلمانية في الدول الإسلامية.

اقرأ أيضاً: ماذا تعلمنا بعد 20 عاماً من هجمات بالي؟

يسلّط كتاب كومار راماكريشنا «التهديد المستمر للتطرف الإسلاموي في جنوب شرق آسيا» الضوء على العامل الثاني والأكثر خطورة: الظاهرة المتنامية للتطرف الديني (الإسلاموي) ومنظومته الأيديولوجية التي ترعى الحركة في جنوب شرق آسيا منذ عقود. وعلى حد تعبير المؤلف، فإن الكتاب “يتحدى المفاهيم المضللة والمثيرة للجدل التي تصوِّر الإسلام على أنه دين عنيف بطبيعته، بحجة أن المزيج الديني الأيديولوجي لما يُسمى السلفية-الوهابية هو المنظور الأكثر فائدة لمعرفة التيارات المتطرفة المنغلقة الذهن”.

غلاف كتاب «التهديد المستمر للتطرف الإسلاموي في جنوب شرق آسيا»

ظاهرة السلفية

دفع التأثير المنتشر للإسلام المتزمّت قطاعات متشددة وقابلة للتأثُّر من المجتمع إلى عالم التطرف العنيف. يستند الكتاب إلى مفهوم راسخ، وإن كان قابلًا للنقاش، أطلق عليه المؤلف اسم “السلفية-الوهابية”، مصطلح هجين يضم تيارين مهيمنين من الإسلام المتزمّت، الوهابية والسلفية. إن الترابط بين هذين التيارين المهيمنين اللذين أنتجا هذا التوجه المعاصر يأخذ كل شيء “إسلامي” إلى أقصى الحدود. وقد صيغ هذا المصطلح الهجين في الأصل وتطور وعُمم في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من قِبل العالم الإسلامي خالد أبو الفضل. وفي وقتٍ لاحق، خضع لتدقيق وتمحيص من قبل علماء الاجتماع مثل رياض حسن، على سبيل المثال، الذي بدأ دراسة الظاهرة في الدول التي يهيمن عليها المسلمون في وسط وجنوب آسيا.

وفقًا لأبو الفضل، لم يعد أتباع السلفية مهتمين باستمالة المؤسسات الغربية أو ادّعاء أنها مؤسساتهم. وتحت ستار استعادة الإسلام الصحيح والحقيقي، يعرِّفون الإسلام بأنه نقيض الغرب تمامًا”. وأشار إلى كيف تبنى السلفيون مقارباتٍ جامدة وغير عقلانية. ومع ذلك، ينتقد البعض ما توصل إليه أبو الفضل نظرًا لعدم وجود أدلة تجريبية توثِّق انتشار السلفية في العالم الإسلامي المعاصر.

اقرأ أيضاً: تنامي خطر الإرهاب الجهادي في آسيا

المشاعر المناهضة للغرب

على غرار بحوث حسن الاستقصائية الاجتماعية حول هذا الموضوع، فإن محاولة كومار استكشاف ودراسة السلفية-الوهابية “المناهضة للغرب” و”المناهضة للحداثة”، داخل الوسط الجهادي والمتطرف في جنوب شرق آسيا، من شأنها أن تساعد في إعادة النقاش حول كيفية استغلال هذا المزيج السلفي-الوهابي للإسلام، وما إذا كانت المؤسسات الإسلامية التقليدية المتبقية قادرةً على الوقوف في وجه المنظومة الإسلاموية المتعصبة “العنيدة”. ومع ذلك، يوثِّق الكتاب ويثبت الوجود القوي للسلفية-الوهابية في المنطقة، وكيف ينجح في التأثير على الوعي الديني للمسلمين في جنوب شرق آسيا.

يتألف الكتاب من سبعة فصول، ويناقش بين الروايات المفاهيمية للتطرف الإسلاموي في ماليزيا وسنغافورة وجنوب الفلبين وإندونيسيا، وأربعة مُنظرين “سلفيين-وهابيين”، من الجهات الفاعلة اللا عنيفة والعنيفة على حد سواء. ويبحث كيف أن التشدد والتطرف جزء من القضية الأكثر أهمية للأصولية الدينية. ووفقًا للمؤلف، يمكن استيعاب التطرف المنفتح، أما التطرف المنغلق الذهن بطبيعته أكثر استعدادًا للعنف والخطر.

خلال استكشاف المنظومة “السلفية-الوهابية” الموجودة في دول جنوب شرق آسيا، يتناول المؤلف أربعة منظرين إسلامويين يشكِّلون جزءًا من هذه المنظومة، ويلتزمون بهذا التوجه الهجين: ذو الفقار محمد شريف (مؤيد لداعش، سنغافورة)، وان مين وان مات (الجماعة الإسلامية، ماليزيا)، أبو حمدي (جماعة أبو سيّاف، الفلبين)، أمان عبد الرحمن (جماعة أنشاروت دوله، إندونيسيا). في إطار هذه المنظومة، يستعرض المؤلف ثلاث منظومات محددة تضم أشخاصًا (مؤثرين)، وأماكن (واجهات مادية وافتراضية)، ومنصات (دور نشر ومواقع إلكترونية) يقترب فيها التوجه السلفي-الوهابي من الذروة. 

عمر باتك أحد مرتكبي تفجيرات بالي- وكالات

سرد بديل

في النهاية، يقدم كومار استراتيجية لسرد بديل لمواجهة المنظومة المتطرفة بفعالية من خلال أربعة طرق: محتوى الرسالة، وتأطير الرسالة، ونشر الرسالة، واستقبال الرسائل، بهدف التغلب على الروايات السلفية المتنافسة. ولتحقيق ذلك، يرى المؤلف أنه من أجل النشر الفعّال لهذه الاستراتيجية، يجب أن تظل حاضرة في صميم نهج “المجتمع بأكمله” الذي يستهدف السكان المسلمين القابلين للتأثُّر للابتعاد عن المنظومة المتزمّتة الجامدة نحو القيم والممارسات الإسلامية المتسامحة.

في حين نجح المؤلف إلى حد ما في حياكة أفكاره وأبحاثه التي استمرت عقودًا باستخدام علم الاجتماع وعلم النفس واللاهوت والفلسفة في كتابٍ واحد، فإن محاولته لشرح مفهوم السلفية-الوهابية مُربكة إلى حد ما. بالنسبة لأي شخص غير خبير، فإن فهم مصطلحات مثل السلفية الناعمة أو غير العنيفة مقابل السلفية-الوهابية العنيفة أو الجامدة يمثِّل تحديًا لعامة القراء، وقد لا يكون مفيدًا للمؤسسات الأمنية أو السياسية، خاصة في التمييز بين الأتباع “الناعمين والمتشددين”. تبدو هذه وكأنها المصيدة نفسها: “الجيد مقابل السيئ” أو المعتدل مقابل المتطرف التي وقع العالم فيها عند مناقشة حركة طالبان، وحركات الإخوان المسلمين. ومع ذلك، يتناول الكتاب، ويوضح، غالبية المفاهيم المألوفة ولكن غير الواضحة والمصطلحات المستخدمة -بشكلٍ فضفاض- المرتبطة بالإرهاب الإسلاموي والعنف.

اقرأ أيضاً: العملات المشفرة وتمويل الإرهاب في آسيا

بحوث رصينة

بالنسبة لأولئك المطلعين على أعمال المؤلف حول هذا الموضوع، يبدو أن هذا الكتاب يأتي تتويجًا منطقيًا لأبحاث كومار الرصينة التي استمرت لسنوات عن الأيديولوجية الإسلاموية ومنظريها. تركز أعمال كومار السابقة، ولا سيّما في مجال مكافحة الإرهاب، في المقام الأول على الأيديولوجية الإسلاموية التي تكمن وراء الإرهاب في المنطقة (وخارجها)، والشبكات الجهادية التي يقودها مُنظِّروها في جنوب شرق آسيا.

المثير للاهتمام أن كومار تفاعل لفترة وجيزة مع أحد مواضيعه، ذو الفقار، في مارس 2003، في جامعة موناش في ملبورن. ومع ذلك، أثناء التعامل مع الجماعات الإسلاموية والعنف في سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا و(جنوب) الفلبين، يتخطى المؤلف التمرد الإسلاموي المستعص في جنوب تايلاند.

أجبرت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبها جيش ميانمار بذريعة الأمن القومي ومكافحة التمرد أكثر من 730 ألفاً من الروهينجا على الفرار من البلاد- وكالات

ربما يمكن للحركة الانفصالية المستمرة منذ عقود في تايلاند أن تظل متميزة بطابعها المحلي، وحتى الآن، كانت مُحصّنة ضد التسلل من الأيديولوجيات الجهادية العالمية. ويمكن أن يُعزى ذلك إلى غيابِ مُنظِّر ذي عقلية سلفية-وهابية في التمرد التايلاندي، يمكن أن يلهم العنف باسم الجهاد أو إقامة الخلافة، مثل دراسات الحالة الأخرى المذكورة في كتابه.

إضافة إلى ما سبق، يُلقي الكتاب الضوءَ على اهتمام المؤلف باستكشاف ألوان أخرى من التطرف الديني وملامحه (على سبيل المثال، يناقش بإيجاز التطرف البوذي الناشئ في ميانمار) حيث يستكشف سبعًا من سماته الأساسية (بما في ذلك تفوق الهوية، وخطاب الكراهية، والطموح السياسي، إلخ) للمتطرفين في هذا السياق.

وهكذا، يدمج المؤلف التطرف الديني البوذي في الكتاب الذي يركز جيدًا على السلفية-الوهابية الإسلاموية في جنوب شرق آسيا، الأمر الذي ربما يكون غير واضح بعض الشيء ويبدو في غير محله.

اقرأ أيضًا: دراسات الإرهاب: ما هي؟ وكيف تُدرَّس؟ ولمن؟

الخلاصة

علاوةً على تناوله المتعمق للأسباب الجذرية للإرهاب الإسلاموي في جنوب شرق آسيا، فإنه يقدِّم استراتيجية فعّالة لمكافحة الإرهاب، من خلال التعامل مع الديناميات الإقليمية والثقافية. ويخصِّص الصفحات القليلة الأخيرة من الكتاب لمناقشة نموذج حزب العدالة المزدهرة (الإسلاموي)، حزب سياسي إسلاموي في إندونيسيا تأثّر بشدة بحركة الإخوان المسلمين في وقتٍ سابق، وتحوَّل الآن إلى حزب إسلاموي قومي.

إجمالًا، يُعد الكتاب مطالعة أساسية لأي شخص مهتم بفهم ديناميات المشهد الإسلاموي في جنوب شرق آسيا والمنظومة الأيديولوجية الهجينة التي تُحرِّض على الجهاد والعنف في المنطقة وخارجها.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة