الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دوليةشؤون عربية

التهديد المتنامي لذراع إيران “المفضلة” في العراق (1- 2)

من الممكن القول إن كتائب "حزب الله" قد أصبحت أقوى أذرع إيران في العراق.. وشاركت في أنشطة لا تعد ولا تحصى لحماية النفوذ الإيراني وزيادته في المنطقة بشكل عام

كيوبوست – ترجمات

حمدي مالك♦

“لقد توسل إلينا الأمريكيون أن نتوقف عن قصف قواعدهم بصواريخ عشـتار”، قالها جعفـر الحسيني؛ المتحدث العسكري باسم الميليشيا الشيعية العراقية (كتائب حزب الله)، في معرض حديثه عن مهاجمة القوات الأمريكية في العراق قبل انسحابها عام 2011.

قال ذلك، في مقابلةٍ تليفزيونية أجراها عام 2018، بينما كان ينظر مباشرة إلى الكاميرا كي يبدو أكثر حزماً. وتكرر تهديده للقوات الأمريكية مرات عدة. وقد ازدادت الهجمات العسكرية على القوت الأمريكية، منذئذ، على الرغم من أنها أصبحت تنفذ بأسلحةٍ أقل فتكاً بكثير من صواريخ عشتار. ومع ذلك فقد قيَّمتِ الولايات المتحدة هذه الهجمات من قبل بأنها خطيرة، إلى درجة أن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، قد هدد بإغلاق السفارة الأمريكية في بغداد إذا فشلت الحكومة العراقية في وقف هذه الهجمات.

من الممكن القول إن كتائب “حزب الله” قد أصبحت أقوى أذرع إيران في العراق، وشاركت في أنشطة لا تعد ولا تحصى لحماية النفوذ الإيراني وزيادته في العراق، وفي المنطقة بشكل عام. كما أنها أسهمت في قمع حركة الاحتجاجات الوطنية العراقية المناهضة لإيران. وانطلقت كتائب “حزب الله” من الأراضي العراقية لشن هجمات على دولة مجاورة، وقامت علناً بترهيب وتهديد رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة العراقي. لقد توسع نفوذ المجموعة بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية، وأصبحت هذه الميليشيا الوكيل الأكثر اعتمادية لإيران لتحقيق طموحاتها في العراق، ويلعب “حزب الله” في لبنان أيضاً الدور نفسه، بينما تساعد ميليشيات “أنصار الله” الحوثية، إيران على بسط نفوذها في اليمن.

في مقابلةٍ تليفزيونية أجراها في 26 أغسطس الماضي، أكد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، مرة أخرى، ضرورة إخضاع السلاح لسلطة الدولة. وفي حديثٍ له حول الهجمات شبه اليومية على المنطقة الخضراء في بغداد، قال الكاظمي لجريدة “ناشيونال” الإماراتية: “إننا نستمر في اعتقال مَن يقفون وراء هذه الهجمات، هدفهم واضح، وهو إحراج الحكومة”.

اقرأ أيضاً: مخاوف عراقية شعبية ورسمية من تنامي نفوذ الميليشيات الشيعية

يُشتبه في أن تكون كتائب “حزب الله” وراء معظم هذه الهجمات الصاروخية. هنالك العديد من الميليشيات التي تدعمها إيران اعتادت على عصيان أوامر رئيس الوزراء، إلا أن كتائب “حزب الله” كانت أكثرها جرأة في تقويض سلطة الدولة العراقية. وفي اليوم نفسه الذي نشرت فيه مقابلة لكاظمي، قام أبو علي العسكري، رئيس الجهاز الأمني لكتائب “حزب الله”، بنشر رسالة على حسابه في تطبيق “تيليغرام”، يهدد فيها الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة العربية السعودية. وجاء في رسالته: “إن كتائب حزب الله وحلفاءها.. سوف تحاربكم جميعاً، وفي كل مكان”. وعلى الرغم من أن كتائب “حزب الله” تقع نظرياً تحت إدارة مكتب القائد العام، كونها جزءاً من قوات الحشد الشعبي؛ فإنها دائماً ما تنتقد بشدة رئيس الوزراء وسياساته.

عناصر تابعة لحزب الله – رويترز

قوات الحشد الشعبي هي مظلة لتنظيمات مسلحة تتألف من عشرات الميليشيات يرتبط العديد منها بإيران. ويعرِّف قانون الحشد الشعبي، الذي أقر في عام 2016، قوات الحشد الشعبي بأنها “تشكيلات عسكرية مستقلة وجزء من القوات المسلحة العراقية، تخضع لقيادة القائد العام للقوات المسلحة”. لكن في الواقع، فإن هيئة قوات الحشد الشعبي وقعت تحت سيطرة شخصيات موالية لإيران رفضت الامتثال لأوامر القائد العام في العديد من المناسبات؛ خصوصاً عندما تكون هذه الأوامر ضد مصالح إيران في العراق. وتميل الهيئة مع عدد من التشكيلات الموالية لإيران في قوات الحشد الشعبي؛ مثل كتائب “حزب الله”، إلى اتباع سياسات الجمهورية الإسلامية أكثر من اتباعها سياسات الحكومة العراقية. فبعد أيام قليلة من زيارة الكاظمي للولايات المتحدة الأمريكية بين 19 و22 يوليو، أصدر المكتب السياسي لكتائب “حزب الله” بياناً ينتقد هذه الزيارة بشدة، ويهدد الكاظمي لمحاولته تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية. وجاء في البيان: “إن كل مَن يتواطأ مع المحتلين والمتآمرين سوف يُحاسب”.

اقرأ أيضاً: هل يرد الكاظمي على تهديد كتائب “حزب الله”؟

الفيلق السري

في عام 2007، وفي أوْج حملة الجمهورية الإسلامية على القوات الأمريكية في العراق، وصل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، إلى قناعة بأن وجود ميليشيات أكثر مرونة أصبح ضرورياً لإيقاع أقصى الأضرار بالقوات الأمريكية. وقد رأى سليماني أن اثنتين من الميليشيات الموالية لإيران؛ وهما “منظمة بدر” و”جيش المهدي”، وكذلك الجماعات المنشقة عنها، لم تعد مفيدة. قررت قوات القدس أنها أصبحت بحاجة إلى نخب مقاتلة جديدة أفضل تدريباً وتجهيزاً وتحت سيطرتها المباشرة؛ من أجل التصعيد ضد القوات الأمريكية. وقد تمكن سليماني، بمساعدة بعض زعماء الميليشيات العراقية واللبنانية (بمَن فيهم أبو مهدي المهندس؛ القائد الأعلى لقوات الحشد الشعبي الذي اغتيل مع قاسم سليماني بضربة أمريكية في يناير الماضي)، من تجميع خمس ميليشيات أصغر؛ لتشكيل ما يُسمى “كتائب حزب الله”. فقد انضم كل من لواء أبو الفضل العباس، وكتائب كربلاء، وكتائب زيد بن علي، وكتائب علي الأكبر، وكتائب السجاد، تحت راية واحدة، وتلقت أسلحة إيرانية متطورة وتدريباً مكثفاً من “حزب الله” اللبناني.

قاسم سليماني- المصدر: BBC

منذ تأسيسها، حافظت كتائب “حزب الله” على علاقة وثيقة مع “حزب الله” اللبناني. منذ عقودٍ مضت أسَّس المهندس علاقته مع “حزب الله” اللبناني، وعمل مع نشطائه على تنفيذ “أعمال جهادية”، حسب تعبيره. وقد استفاد المهندس من هذه العلاقة بعد سنوات عديدة. كان عماد مغنية؛ القائد العسكري لـ”حزب لله” اللبناني، شخصية رئيسية في تأسيس تنظيم كتائب “حزب الله” في مراحله المبكرة. كان مغنية على قائمة الأجانب الذين أرادت إسرائيل اغتيالهم أو اعتقالهم. وبعد اغتياله بعبوة ناسفة وضعت في سيارته في دمشق عام 2008، قالت كتائب “حزب الله” إنها هاجمت خمس قواعد أمريكية في العراق؛ انتقاماً لمقتله.

ومنذ ذلك الحين، نمت كتائب “حزب الله” من مجموعة نخبوية صغيرة من بضع مئات من المقاتلين إلى واحدةٍ من أقوى الميليشيات العراقية. وتشير التقديرات إلى أن هذه الميليشيا تضم الآن ما مجموعه عشرة آلاف مقاتل، معظمهم في العراق؛ ولكن بعضهم يعمل في سوريا أيضاً. ولا تنحصر نشاطات تنظيم كتائب “حزب الله” في العمليات العسكرية والأمنية؛ فالتنظيم المتشدد يدير قنوات إعلامية، ومراكز ثقافية، وأسس مراكز أبحاث للترويج للإسلام الشيعي، وغيرها من المؤسسات. وأصبحت كتائب “حزب الله” فرعاً مؤثراً جداً في قوات الحشد الشعبي.

وقد استغلتِ الكتائب موقع المهندس بصفته نائب رئيس أركان قوات الحشد الشعبي؛ للحصول على معاملة خاصة من المنظمة. وبعد مقتل المهندس أصرت كتائب “حزب الله” على أن يخلفه قائد آخر منها. ورغم معارضة العديد من مجموعات الحشد الشعبي؛ فإن كتائب “حزب الله” تمكنت من فرض أحد قادتها؛ هو أبو فدك المحمداوي؛ ليصبح رئيس أركان بالإنابة لقوات الحشد الشعبي.

أبو فدك المحمداوي- وكالات

كما تسيطر كتائب “حزب الله” أيضاً على إدارات مهمة ضمن قوات الحشد الشعبي؛ فهي تدير مديرية الأمن التي تتطور بسرعة لتصبح قوة شؤون داخلية فاعلة تضم جهاز استخبارات وقواتٍ خاصة. وهذه المديرية تدعم توطيد سيطرة كتائب “حزب الله”. كما تسيطر المجموعة على مديرية الصواريخ. وهذا أمر في غاية الأهمية بحد ذاته؛ فقد قامت إيران بإرسال صواريخ باليستية إلى كتائب “حزب الله“، وتعمل على نقل تكنولوجيا الصواريخ إلى المجموعة، وهذا امتياز لم يعطَ إلى أية ميليشيا أخرى موالية لإيران. وهذا يبرهن على أن “فيلق القدس” قد صنف كتائب “حزب الله” بين الميليشيات الأكثر جدارة بالثقة. وللتوسع في خططها دون رقابة من الحكومة، حوَّلت كتائب “حزب الله” منطقة استراتيجية جنوب بغداد تُسمى جرف الصخر إلى منطقة محظورة. كانت هذه المنطقة حتى عام 2014 مأهولة بالمواطنين العرب السُّنة، وبعد تحرير المنطقة من تنظيم الدولة الإسلامية منعت كتائب “حزب الله” سكانها من العودة إليها. وقد أخبرتني مصادر من الحشد الشعبي أن كتائب “حزب الله” حصلت على عقد إيجار من الحكومة لمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وحولت المنطقة إلى منطقة خاصة. وقد أكدت مصادر عراقية هذه المعلومة لباحثين آخرين. ولا يسمح لأية قوات عراقية أخرى بالدخول إلى هذه المنطقة. لقد أصبحت منطقة جرف الصخر ملاذاً آمناً لنشاطات كتائب “حزب الله”؛ بما في ذلك تطوير الصواريخ. لم يذهب أي من الميليشيات العراقية التي تدعمها إيران إلى هذا الحد من انتهاك سيادة الدولة.

اقرأ أيضاً: نائب عراقي يكشف لـ”كيوبوست” كيف حولت ميليشيا “حزب الله” العراقي “جرف الصخر” إلى قواعد عسكرية وسجون سرية

وقد تبنت كتائب “حزب الله” تنظيماً هرمياً تسلسلياً فريداً؛ لضمان الحد الأقصى من السرية لنشاطاتها. وقد أخبرني أعضاء سابقون من الكتائب أن الميليشيا تقسم مقاتليها إلى مجموعتَين رئيسيتَين. يُطلق على أعضاء المجموعة الأولى اسم “الأجسام”، وهم المقاتلون الذين كسبوا ثقة قادتهم بعد اختبارهم. أما أعضاء المجموعة الثانية، وهم يشكلون غالبية المقاتلين، فيطلق عليهم اسم “الأرقام”؛ وهؤلاء لا يطَّلعون إلا على معلومات قليلة عن نشاطات كتائب “حزب الله” وتسلسل قياداتها، إلى درجة أنهم غالباً لا يعرفون اسم قائدهم الحقيقي، وينادونه باسمه الحركي بدلاً من ذلك.

“الأجسام” و”الأرقام”

ابتكرت كتائب “حزب الله” أيضاً نظاماً خاصاً للإرشاد لأعضائها؛ فـ”الأجسام” لهم مرشدوهم، ويُطلق عليهم “المعلمون”، وهم ليسوا مجرد قادة عسكريين؛ إذ يفترض أنهم قد اكتسبوا حكمة خاصة أثناء نشاطاتهم الجهادية، ويفترض بهم أن ينقلوها بدورهم إلى عناصرهم. عندما يقتبس مقاتلو كتائب “حزب الله” عبارة ما عن مرشدهم، فهم عادة ما ينهونها بقولهم: “إن معلمي رجل لا يكذب أبداً”. غرد حسين أبو خميني؛ أحد مقاتلي كتائب “حزب الله”، على حسابه في “تويتر”، في السابع عشر من يونيو: “ألم أخبركم بأن معلمي يمتلك تعويذة الإنس والجن”. (أوقف موقع “تويتر” حساب حسين أبو خميني، لاحقاً).

المنصب الآخر في التسلسل الهرمي لكتائب “حزب الله” يحمل اسماً مستعاراً؛ هو “الخال”. وقد أخبرتني مصادر من الحشد الشعبي أن هذا اللقب مكرس لعددٍ قليل من كبار القادة. وقال آخرون إن الشخص الوحيد الذي يُطلق عليه هذا اللقب هو أبو فدك. وقد أثبت البحث في مواقع التواصل الاجتماعي المرتبطة بكتائب “حزب الله” أن أبا فدك يُدعى “الخال”، بينما كان المهندس يُلقب بـ”الشايب”.

ولنظام الإرشاد هذا مدلولات ثقافية كبيرة عند الشباب العراقي؛ فعندما يجتمع مع التسلسل الهرمي العسكري، فهو يولِّد إحساساً قوياً بالانتماء والولاء المطلق بين الأعضاء، كما أنه يخلق بيئة صوفية ترفع من شأن القادة إلى مرتبة تكاد تكون فوق البشر؛ تصنع من القادة أمثال المهندس ما يشبه الأسطورة. وقد تمكنت كتائب “حزب الله” من استغلال هذا النظام بطريقة تظهر القوة والسيطرة. عندما تظاهر أعضاء كتائب “حزب الله” أمام السفارة الأمريكية في بغداد نهاية ديسمبر 2019، لفتت إحدى الصور المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي أنظار العراقيين. كانت الصورة لكتابات على جدار السفارة تقول “الخال مرَّ من هنا”. واستخدام هذه اللغة يدل على أن كل ما يحتاج إليه قائد كبير في كتائب “حزب الله” لإظهار مدى نفوذه هو أن يمرّ من مكان ما. كان الاحتجاج أمام السفارة عملاً غير مسبوق؛ حيث قام المحتجون برمي الحجارة على مبنى السفارة وحاولوا اقتحامها وأشعلوا النار في جزء من أسوارها. وقد قدمت كتائب “حزب الله” هذا العمل على أنه إهانة للولايات المتحدة. ذكرت العبارة على جدار السفارة مرور الخال فقط، وليس المشاركة في قيادة المظاهرة في إشارة إلى قوته الهائلة. فلكي يهين قائد كبير في كتائب “حزب الله” الولايات المتحدة، فإن كل ما يحتاج إليه هو المرور بالمكان الذي يوجدون فيه. هذا المزيج من التسلسل القيادي والسرية والصوفية (الروحانيات) والقوة، هو التوليفة المثالية لتجنيد المقاتلين الشباب، وبناء قوة مطيعة جاهزة لتولِّي أية مهمة تكلَّف بها.

♦محلل متخصص في شئون الشرق الأوسط

المصدر: وور أون ذي روكس

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة