الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

التلون والحربائية يهويان بإخوان المغرب من القصر إلى البئر

مؤشرات "التلون" السياسي لدى حزب العدالة والتنمية في المغرب تعد كثيرة ويمكن توزيعها على عدة محاور وسياقات رئيسية نحاول تلخيصها في هذا التحليل

المغرب- حسن الأشرف

يبدو أن حزب العدالة والتنمية المغربي، المحسوب على تيار الإسلام السياسي، والذي ينهل من مرجعية التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، حتى لو نفت قياداته ذلك، يتقن العمل بالمثل المغربي القائل “الراس اللي ما يدور كُدْيَة”، ومعناه الواسع هو “مَن لا يغيِّر مواقفه هو مثل التلة لا تتحرك”.

ولو كان الأمر يتعلق بتغيير أفكار أو مواقف معينة تبعاً لاختلاف السياقات والشروط السياسية المحيطة، لهان الأمر وكان مقبولاً ومستساغاً، لكن سلوكيات وقرارات حزب العدالة والتنمية الذي قاد الحكومة في المغرب مدة ولايتَين متتاليتَين (10 أعوام كاملة)، وخرج قبل أسابيع قليلة إلى صف المعارضة بعد أن مُني بهزيمة مدوية في انتخابات 8 سبتمبر الماضي، خرجت عن نطاق “التحولات السياسية التكتيكية” وتلونت بما يصفه الكثيرون بـ”الحربائية السياسية”.

 اقرأ أيضاً: حزب العدالة والتنمية بالمغرب وانتكاسة الثامن من سبتمبر

التلون السياسي

في السابع عشر من نوفمبر الجاري، قرر “الحزب الإخواني” مقاطعة الانتخابات الجزئية (التكميلية)، المقرر تنظيمها يوم الثاني من ديسمبر؛ من أجل ملء المقاعد الشاغرة.

مبرر “العدالة والتنمية” بشأن المقاطعة كان قانونياً، وقال إنه “غير معني بهذه الانتخابات”؛ لأن “الدعوة إلى انتخابات تكميلية في هذه الحالة لا يوجد لها أي سند قانوني ضمن القوانين الانتخابية الجاري بها العمل”.

ناخبون مغاربة يدلون بأصواتهم في الانتخابات الأخيرة- وكالات

رد الحكومة المغربية لم يتأخر على “القرار المفاجئ” للحزب الإسلامي؛ حيث أكدت أن “وزارة الداخلية أعلنت تنظيم انتخابات جماعية جزئية، وستتم وَفق القانون”.

التلون السياسي في هذا الصدد يكمن في أن هذا الحزب ما فتئ من قبل يدعو إلى المشاركة في الانتخابات؛ بل إنه شارك في انتخابات تكميلية لسنة 2015، عندما كان يقود الحكومة؛ ما يجعل التساؤل مطروحاً: ما الذي تغير بين 2015 و2021، رغم أن الموضوع واحد هو المشاركة في الانتخابات التكميلية؟

الجواب الذي يبدو جلياً أنه في سنة 2015 عندما وافق “العدالة والتنمية” وشارك في الانتخابات التكميلية حينها كان في دواليب السلطة؛ لكنه في 2021 عندما لفظته صناديق الاقتراع في 8 سبتمبر الماضي، قرر عدم المشاركة.

اقرأ أيضاً: أزمة “كورونا” تكشف عن ضعف حكومة العدالة والتنمية في المغرب

وأما تحجج الحزب بعدم وجود سند قانوني لإجراء الانتخابات التكميلية، فلم يكن سوى ذر للرماد في العيون، باعتبار أن المادة 139 من القانون التنظيمي لانتخاب أعضاء المجالس الجماعية تتحدث عن تنظيم اقتراع جديد في ظرف 3 أشهر موالية، مستعرضةً الأسباب الموجبة لذلك.

وهذا التحجج بكون تنظيم الانتخابات التكميلية لا سند قانوني له هو في واقع الأمر، وَفق محللين، مجرد هروب إلى الأمام من “الحزب الإخواني”؛ لخشيته تكرار النتائج السيئة التي عرضته إلى هزيمة وصفها الكثيرون بالتاريخية في الانتخابات التشريعية ليوم الثامن من سبتمبر 2021؛ فلم يكن أمام زعيم الحزب الجديد/ القديم، عبدالإله بنكيران، سوى اختلاق معركة جانبية اختار لها “زياً قانونياً”؛ حتى لا تزيد “العورة السياسية” للحزب في الانكشاف.

بنكيران في إحدى خطبه الشعبوية- وكالات

نفس التلون السياسي كشف عنه الحزب الذي قاد الحكومة لمدة 10 سنوات، عندما ظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية التي تذيل فيها الترتيب بـ13 مقعداً لم تخول له حتى تشكيل فريق داخل مجلس النواب (الفريق يتشكل من 20 عضواً)، إذ انبرى قياديون في “التنظيم الإخواني” إلى وصف الاقتراع بكونه غير نزيه؛ لكنهم قبل بضع سنوات فقط من ذلك، وصفوا الانتخابات بكونها “نزيهة وشفافة وتاريخية”، عندما تصدروا المشهد الحزبي والسياسي.

وتزيد جرعة التلون السياسي تلونات أخرى عندما تتبدل المواقف والآراء بين عشية وضحاها عند عدد من قيادات الصف الأول لحزب العدالة والتنمية المغربي، فبنكيران مثلاً في الخامس من سبتمبر الماضي، وقبيل 3 أيام من تنظيم الانتخابات البرلمانية، شن هجوماً ضارياً على عزيز أخنوش، رئيس حزب “الأحرار” ورئيس الحكومة الحالي، وقال -حينها لم ينتخب بعد أميناً عاماً لحزب العدالة والتنمية- إن أخنوش لا يمتلك أية شخصية ولا يستحق أن يكون رئيساً لحكومة المغرب، كما أن هناك شبهات تحوم حول ثروته الهائلة؛ لكن نفس بنكيران عاد قبل أيام (بعد أن تم انتخابه من طرف هياكل “العدالة والتنمية” أميناً عاماً جديداً خلفاً لسعد الدين العثماني) ليخفف الهجوم على أخنوش، ويطالب قيادات حزبه بعدم شن معارضة حادة ضد الحكومة ورئيسها أخنوش.

اقرأ أيضاً: خسارة إسلاميي المغرب في الانتخابات نتيجة متوقعة لسياسات خاطئة

التلون الاجتماعي

بسرعة البرق ودون مقدمات كثيرة، انتقل حزب العدالة والتنمية الذي كان يقود الحكومة السابقة بالمغرب إلى صفوف المعارضة للحكومة الجديدة، بعد أن قرر رفضه إجبارية جواز التلقيح للتنقلات وولوج الفضاءات والمرافق العمومية، والذي قررته الحكومة الجديدة في البلاد.

ويرى مراقبون أن “الحزب الإخواني” بدأ ممارسة المعارضة مبكراً، دون تسخينات كثيرة، بتغيير مواقفه وسياساته رأساً على عقب، تلك القرارات التي كان هو نفسه المسؤول عنها خلال الولاية الحكومية السابقة.

المؤتمر الاستثنائي لحزب العدالة والتنمية- “طنجة 24”

قد يقول قائل إنه من حق هذا الحزب أن يصطف في المعارضة؛ بل هو خياره الوحيد والمنطقي، بعد أن لفظه الشعب في الانتخابات الأخيرة، وطرده من “القصر” ليرميه في قاع البئر.

والجواب أن “العدالة والتنمية” مطالب بلعب دور المعارضة؛ فهذا ليس فيه أدنى إشكال، لكونها ممارسة ديمقراطية يكفلها له الدستور نفسه؛ لكن أن يعارض الحزب ما كان مشرفاً عليه ومواكباً له عندما كان يقود الدفة الحكومية، فذلك هو الإشكال.

وهكذا.. الحزب الإسلامي أعلن (مباشرةً بعدما صار في صفوف المعارضة) في 21 أكتوبر معارضته الصريحة قرارَ الحكومة الجديدة إجبارية الإدلاء بجواز التلقيح؛ لأنه “قرار يحد من حرية التنقل، وهو حق دستوري بموجب الفصل 24 من الدستور المغربي”.

اقرأ أيضاً: هل أسقط فشل “العدالة والتنمية” ورقة التوت عن باقي حركات الإسلام السياسي بالمغرب؟

ولكن قبل هذه “الخرجة” بأسابيع قليلة فقط، كان سعد الدين العثماني (رئيس الحكومة السابق وزعيم الحزب السابق أيضاً) يتحدث عن جواز التلقيح بكونه الوثيقة الضرورية للسماح للمواطنين بالتنقل بين المدن، وأن قرارات الحكومة المتعلقة بالجائحة تُقترح أولاً من طرف “اللجنة العلمية” (التي تصدر توصيات لتبت فيها الحكومة بعد ذلك).

وبالعودة إلى الوراء، وتحديداً قبل تولي “العدالة والتنمية” تدبير الشأن العام، وخلال حملته الانتخابية الشهيرة في سنة 2011، كان الحزب يوزع يميناً وشمالاً الوعود بمحاربة الريع والفساد في البلاد عندما يتسلم مفاتيح الحكومة. لكن بعد مرور عقدَين من الزمن (ولايتَين حكوميتَين)، اكتشف العديد من المغاربة عدم تحقيق هذه الوعود على أرض الواقع، ولعل هذا المعطى كان أحد الأسباب التي أدت إلى معاقبة الناخبين للحزب في الانتخابات الأخيرة.

مشهد من إجراءات فرز وإحصاء نتائج الانتخابات المغربية- “هسبريس”

 التلون الديني

وإذا كان “الحزب الإخواني” يعمد إلى التلون السياسي والاجتماعي لتحقيق مآرب سياسية وانتخابية بالأساس؛ فهو جرَّبَ قبل ذلك التلون الديني أيضاً بقصد دغدغة المشاعر الدينية للناس.

ويتذكر المغاربة حماسة الشعارات التي كان يرفعها “الإخوان” بخصوص محاربة الخمور والقمار، أيام المعارضة قبل ولوج الحكومة، وهي الشعارات التي لا يمكن إخفاء أنها استقطبت جزءاً لا يُستهان من الكتلة الناخبة؛ لكن بمجرد ما اعتلى الحزب كراسي الوزارات انقلبت الشعارات إلى تصريحات مناقضة تماماً، مثل قول القيادي في الحزب ووزير التشغيل الأسبق محمد يتيم: “لن تكون هناك أبداً شرطة أخلاق، ولن نمنع الناس من شرب الخمر”.

والأكثر من التصريحات أن “العدالة والتنمية”، وهو يقود الحكومة لولايتَين، جعل من مداخيل الخمور مورداً مالياً رئيسياً للبلاد، بدليل أنها تدر على خزينة الدولة أكثر من 132 مليون دولار، فضلاً عن كون المغرب -وفق تقارير عديدة- أضحى مصدراً للخمور في العالم العربي في عهد “الإخوان”.

اقرأ أيضاً: تناقض الجناحين السياسي والدعوي للإخوان المسلمين في المغرب بسبب التطبيع!

وفي الثاني والعشرين من ديسمبر الماضي، أعلن المغرب رسمياً تفعيل العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وهو ما كشف من جديد “الحربائية” التي ينتهجها “الحزب الإسلامي”؛ فهو ما انفك طيلة مساره منذ النشأة والتكوين يدافع عن فلسطين ويعتبر القضية الفلسطينية قضية وطنية، ويسمي إسرائيل بأقذع الأوصاف، ويجعل ذلك من “ثوابت الحزب الدينية” التي لا مندوحة عنها، غير أنه عند ممارسة السلطة انقلبت شعاراته المدغدغة للعواطف إلى نقيضها.

وظهر رئيس الحكومة حينها، سعد الدين العثماني (الأمين العام السابق للحزب الإسلامي)، وهو يوقع الاتفاق المغربي- الإسرائيلي. ولتبرير ما وقع حينها أمام القواعد الحزبية، قال بنكيران: “إن حزب العدالة والتنمية جزء من بنية الحكم في الدولة، ولا يمكنه بالتالي رفض التوقيع واتخاذ القرارات المصيرية” وَفق تعبيره، بينما أكد العثماني من جهته أن “التوقيع لن يمس ثوابت المملكة تجاه القضية الفلسطينية”.

وفي الوقت الذي اعتبر فيه البعض ذلك براغماتية وواقعية سياسية يُحمد عليها الحزب، اعتبر آخرون أن الأمر هو مجرد “تقية” تُعرف بها أحزاب “الإسلام السياسي”، فكيف يمكن القول إن الحزب يوافق الدولة على مسألة التوقيع مع إسرائيل، وفي نفس الوقت لا يعترف بإسرائيل؟

سعد الدين العثماني (الأمين العام السابق للحزب الإسلامي)، وهو يوقع الاتفاق المغربي- الإسرائيلي

تبادل الأدوار

ووسط كل هذه التلونات السياسية والاجتماعية والدينية، يحرص حزب العدالة والتنمية على توطيد علاقته بحركة التوحيد والإصلاح، التي يسميها الكثيرون الذراع الدعوية للحزب السياسي؛ حيث يتبادل الطرفان الأدوار السياسية والدعوية بينهما.

ومنذ تأسيس حركة التوحيد والإصلاح في أغسطس 1996، اختلط الدعوي بالسياسي في علاقتها مع الحزب، حيث تمد الحركة الحزب بكوادر وأطر، والعكس أيضاً، واستمر هذا التلاقح حتى في الولاية الحكومية الأولى التي قادها الحزب (من 2011 إلى 2016)؛ حيث دعمت الحركة علانية قرارات الحزب.

وتمثَّل تبادل الأدوار بين الحزب السياسي والحركة الدعوية في كون الحزب إذا ما انخرط في قرار حكومي يوصف بكونه “غير شعبي” ولم يحظَ بقبول المجتمع، كانت الحركة تحاول إخماد “غضب القواعد” من خلال إبراز مواقف مهادنة تساير المزاج العام للمجتمع..

وعلى الرغم من تطليق الحركة للسياسة في أغسطس 2018 من خلال ميثاق معدل صادقت عليه ينص على التخلي عن “العمل السياسي”؛ فإن العلاقة بين الطرفَين لم تنقطع، واستمر تبادل الأدوار، ففي الوقت الذي “تورط” فيه الحزب في قرارات أثارت امتعاض المجتمع، من قبيل التطبيع مع إسرائيل أو تقنين القنب الهندي (الذي كان يرفضه الحزب)؛ فإن الحركة أبدت رفضها مثل هذه القرارات، في محاولة يراها مراقبون أنها تروم استرجاع “الكتلة الغاضبة” من شباب وقواعد الحزب الذين يعدون وقوده في الاستحقاقات الانتخابية.

اقرأ أيضاً: حكومة “العدالة والتنمية” المغربية ترضخ للمقاطعين: أخيراً فهمتكم!

تبادل الأدوار لم يكن فقط بين “العدالة والتنمية” كحزب و”التوحيد والإصلاح” كحركة دعوية؛ بل كان أيضاً حتى داخل الحزب نفسه، حيث نجح (من حيث يدري أو لا يدري) في إقامة توزان سياسي بين جناحَين اثنين كانا يتبادلان الأدوار في ذات الحزب دون أن يصل الأمر إلى انشقاق داخلي؛ وهو ما عدَّه البعض “ديمقراطية داخلية تحسب لهذا التنظيم”، وبين من يعتبرها “لعباً على الحبال” لمواصلة استدرار عطف الناخبين والحفاظ على أصواتهم المحتملة في الانتخابات.

وهكذا انقسم الحزب إلى “صقور” يتزعمه عبدالإله بنكيران (عندما خرج من الحكومة وفضَّل الابتعاد عن السياسة)، و”حمائم” يمثله العثماني ومَن يدور في فلكه. وفي الوقت الذي يوقع فيه العثماني (كرئيس للحكومة) على قرار يثير غضب المغاربة، كان “الصقور” يهدئون من روع الشارع بتصريحات تنتقد هذه القرارات، ليستمر “اللعب على الحبلَين” إلى أن قال الشعب المغربي كلمته في الثامن من سبتمبر، والذي قرر لفظ “الإخوان” من القصر إلى البئر.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة