الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

التغير الاجتماعي الخليجي والذائقة الفنية!

عبدالله الحمد الزيد

مما تفيض به ذاكرتي المنهكة والمزدحمة؛ موقف حدث لي في أحد الأزقة الضيقة الهابط من حي “السادة” من أحياء مدينة بريدة العتيقة، ذاك الشارع المنحدر من مسجد الشيخ فهد الزمام باتجاه الجنوب ناحية برحة مليئة بأشجار الأثل؛ هناك حيث كُنت أبحث عن ريشة نعامة؛ إذ كانت توضع في الواجهات الأمامية للشاحنات في ذلك الوقت؛ لأسباب سبق وتحدثت عنها بالتفصيل في كتابي “بالتسعين”، وليس هنا مقام بسطها، المهم هو أن هذه الشاحنة من نوع “قلاب” (سيكس ويل) كُتب على بابه الخشبي الأخضر شطرٌ من أغنية لأم كلثوم “حسيبك للزمن لا عتاب ولا شجن”، والشاهد من سرد هذه الحكاية هو أن أم كلثوم في ذلك الوقت كانت جزءاً من ذائقة العربجية، أو كما نسميهم في مشتركنا اللفظي لمجتمع نجد في ذلك الوقت “سواقي السقوس”؛ وهم طبقة اجتماعية منخفضة بمعيار التصنيف الطبقي!

بينما اليوم الاستماع إلى أغاني أم كلثوم أو غيرها من كلاسيكيات الأغنية العربية بات مثقلاً برمزيات اجتماعية يمكن من خلالها تصنيف المستمع بأنه جزء من “الثقافة العليا”! في حين أن أم كلثوم -مثلاً- ولدت من رحم الأغنية الريفية، وكانت في أربعينيات القرن الماضي تمثل صوت الشباب أمام جمود الأغنية السائدة لأصوات من سبقوها؛ أمثال منيرة المهدية، ونجاة علي، وفتحية أحمد. وجزء كبير من تفوق أم كلثوم بالإضافة إلى قدراتها الفنية، هو أنها كانت نتيجة فنية حتمية للتغير الاجتماعي الذي أصاب المجتمع المصري والعربي؛ بسبب الثورة الاتصالية والتواصلية التي اجتاحت العالم بعد الحرب العالمية الأولى، وما أنتجته هذه الثورة الموسيقية من تغييرات لدى ملحنين أمثال القصبجي والسنباطي، ولاحقاً عبدالوهاب، رحمهم الله جميعاً.

اقرأ أيضًا: أم كلثوم والتجلِّي…مع مصطفى سعيد

فيلسوف الكينونة والوجود هايدغر، بعد أن نقد سلبية العلم والحداثة في الكشف عن تفسير حقيقي للكينونة البشرية؛ بسبب تعامله الموضوعي والجامد مع الحقائق، وابتعاده عن الذاتي الإنساني المتغير، قال في مقالة له عن أصل العمل الفني: إن الأعمال الفنية تكشف كينونة الكائنات؛ أي أن الفن يخلق اتفاقات اجتماعية رمزية أو ظاهرية، وبالتالي يعبر عن مزاج المجتمعات وخياراتها.

اقرأ أيضًا: مثالب الفلاسفة 4: هايدجر.. الفيلسوف النازي

مؤخراً يُفتح الكثير من الجدل عبر وسائط التواصل الاجتماعي حول معيار ذوقية العمل الفني في السعودية ومنطقة الخليج العربي، وأصبحنا نتحدث مثلاً عن إسفاف نماذج فنية كـ”الشيلات” أو “المسرح التجاري” أو عن فشل المسلسل الفلاني.. إلخ. بينما نجد مثل هذه الألوان -على عكس نظرتنا لها- مستمرة وناجحة! ولذا المسألة هنا يجب أن لا تخضع لمعيارية فلسفة الجمال “الاستاطيقا”، فالحقيقة أن للسلطة الاجتماعية دورها في إبراز موضة فنية أو إخفاء أخرى! وبالتالي يجب أن يكون لبروز ظاهرة الشيلات -مثلاً- في فترة من الفترات قراءته السوسيو- سيميائية عبر تفسير الرمز الثقافي والعلامة الاجتماعية خلف بروز مثل هذا الفن، ويجب أيضاً أن لا نسلم ونحكم -بالضرورة- بأن هناك فناً محدداً هابطاً وآخر راقياً، بل يجب قبل ذلك التمعن ودراسة الظاهرة الاجتماعية لبروز شكل من الفنون مقابل شكل آخر.

مشهد من الفيلم السعودي “آخر زيارة” الفائز بجائزة لجنة التحكيم في النسخة الأخيرة من مهرجان مراكش السينمائي

إن سلطة المؤسسة الثقافية والتي لا يشترط أن تكون حكومية، بل ربما تكون مجموعة من النقاد والكتاب والقنوات الإذاعية والتليفزيونية أو التغيرات العولمية والتقنية، قد تسهم بشكل أو بآخر في بروز شكل فني أو فنان ما؛ بينما يتم تجاهل ظاهرة وشكل فني آخر، وعلى سبيل المثال يمكن لي قراءة مستقبل الإنتاج الدرامي السعودي، حسب المتغيرات التي تحدث من حولنا، بأنه سيتحول إلى مجموعة من أعمال الإثارة والغموض والجريمة المنظمة التي لا تعكس واقع المجتمعات الخليجية، وإنما هي نتيجة لمعيار النجاح الدرامي كما فرضه النموذج الغربي السائد من جهة، وكذلك لتأثر جيل من الشباب الخليجي تربى على مثل هذا الشكل من الدراما العالمية من جهة أخرى، أنا هنا لا أطلق أحكاماً وإنما أحلل الظاهرة فقط.

اقرأ أيضًا: فهد الأسطا لـ”كيوبوست”: المجتمع السعودي يعيش مرحلة تغيُّر جذري.. والانفتاح لصالح صناعة السينما

ختاماً، بروز أي لون فني على سطح مجتمع ما لا يجب أن يتوقف على السخرية والتندر؛ بل يجب أن يفصح عن عناية نقدية لقراءة المزاج والتفاعل الاجتماعي الذي دعا إلى بروز مثل هذا اللون الفني، كما أن معيار الحكم بـ”التفاهة أو القيمة” ليس خياراً يجب التسليم به على علاته؛ بل يجب أن يحفز الوعي الفني للحذر من إطلاق وتعميم الأحكام التي تأتي -بالضرورة- من تفوق سلطة فنية على مزاج فني آخر، وهذا ما قد يؤثر على اختيارات وقرارات المؤسسة الثقافية الرسمية عبر تبني أعمال، وإهمال مجالات فنية أخرى، لا تقل قيمة ثقافية وفنية عنها!

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة