الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

التغلغل التركي الناعم في إفريقيا بين الاقتصاد والمسلسلات المدبلجة

يرى مراقبون أن التأثير التركي بجانب الصيني أمر واقع في إفريقيا.. إلا أن الوجود التركي يعتبر الأكثر خطورة بحكم استهدافه الجوانب الثقافية والعسكرية

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

منذ وقتٍ مبكر يعود إلى بداية الألفية الثالثة، بدأت تركيا الأردوغانية تُولي عناية خاصة بإفريقيا، ومنذ ذلك الحين شرعت في إيجاد موطئ قدم لها في القارة عبر مسارَين؛ الأول ثقافي والثاني اقتصادي/ تنموي، فعلى المستوى الأول أطلقت حكومة العدالة والتنمية منصات إعلامية رسمية ناطقة باللغة العربية والصومالية، وقامت بعمليات دبلجة واسعة للمسلسلات التركية إلى اللغات الصومالية والأمهرية والسواحيلية؛ بما في ذلك المسلسلات التاريخية، بهدف تشكيل صورة ذهنية لدى الشعوب الإفريقية المستهدفة؛ خصوصاً تلك المنتمية إلى الدول المطلة على البحر الأحمر، والتي كانت في السابق مستعمرات عثمانية.

أما المسار الثاني، فقد أوكل تنفيذه إلى الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا)، عبر مشروعات التنمية والتبادل الاقتصادي، مُركزة على دول ساحل البحر الأحمر والمحيط الهندي؛ ليس فقط باعتبارها مستعمرات عثمانية سابقة، بل أيضاً بحكم أهميتها الجيوستراتيجية الكبرى؛ لذلك تسعى تركيا إلى تحقيق مزيد من التأثير في مجمل الأوضاع على الساحل الشرقي لإفريقيا المطل على البحر الأحمر وخليج عدن.

اقرأ أيضاً: الوجود التركي في الصومال.. مصالح متبادلة أم زواج كاثوليكي؟

يرى مراقبون للأوضاع في منطقة القرن الإفريقي وشرق القارة، أن التأثير التركي بجانب الصيني على الأوضاع الاقتصادية في المنطقة أصبح أمراً واقعاً، إلا أن الوجود التركي يعتبر الأكثر خطورة بحكم استهدافه الجوانب الثقافية والعسكرية، وهذا ما لا يحدث في التوجه الصيني الذي يسعى إلى تحقيق أهداف اقتصادية فقط.

التسلل “الخشن” عبر القوة الناعمة

وكالة “تيكا” التركية توزع أغطية ومساعدات على نازحين إثيوبيين بمعسكر جيجيجا شرقي البلاد 2018- وكالة الأنباء الإثيوبية

هذا ما يؤكده سليمان مختار، الصحفي والمحلل السياسي المهتم بشؤون القرن الإفريقي، لـ”كيوبوست”، قائلاً: إن المسلسلات التركية المدبلجة إلى اللغتَين الصومالية والأمهرية أصبحت الأعلى مشاهدة في إثيوبيا والصومال وجيبوتي، ثم كينيا وموزمبيق مؤخراً، وإن الشباب من الجنسَين في هذا النطاق الجغرافي الواسع أصبحوا أسرى لأوقات المسلسلات التركية، وهذا ما عبَّر عنه بطريقة أخرى إلياس شول، أحد مؤسسي قناة “كانا” الإثيوبية، التي تسهم في دبلجة وبث المسلسلات التركية، في إفادة صحفية سابقة؛ إذ قال: “إن نجاح المحتوى التركي مستمر في إثيوبيا”.

ويضيف: بطبيعة الحال، لا أتوقع أن يستمر التقارب بين أنقرة وأديس أبابا؛ فهو مهدد على الدوام، نتيجة لطبيعة أيديولوجيا وثقافة الحكم في البلدَين؛ فإثيوبيا تعتبر نفسها دولة مسيحية تستمد السلطة السياسية فيها من الكنيسة، حتى إن كان عدد المسلمين فيها أكبر أو يضاهي عدد المسيحيين؛ بينما تستوحي تركيا تجربتها السياسية الراهنة من فِكر الدولة العثمانية ذات الطابع الإسلامي الشكلي، وهذا ما يجعل العلاقة بين البلدَين تعاني حالتَي عدم الثقة والشك الدائمَين؛ بالنسبة إلى إثيوبيا فإن العلاقة مع تركيا لا تعدو كونها تجارية استثمارية، حيث ظلت حكومة الرئيس الإثيوبي الأسبق مليس زيناوي، تحافظ على مسافة حذرة من تركيا، بيد أن الأمور تغيَّرت نسبياً منذ تولي آبي أحمد علي رئاسة الوزراء في أديس أبابا، حسب مختار، الذي استطرد قائلاً: مع تصاعد الخلافات الإثيوبية- المصرية على سد النهضة الإثيوبي، بالتزامن مع خسارة تركيا الجزئية لحليفها الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير، تعززت العلاقات أكثر مع إثيوبيا بعد أن أبدت تركيا دعمها وتعاطفها مع “الشعب الإثيوبي الذي يريد البعض سلبه حقوقه في النماء والرخاء والازدهار”، وفقاً لتصريحات سابقة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

سليمان مختار

تهديد أكبر في الصومال

ويبدو الأمر مختلفاً في الصومال؛ حيث كانت أجزاء منها مستعمرات عثمانية، فضلاً عن أن كل سكان الصومال مسلمون، لذلك انتبهت حكومة أردوغان مُبكراً إلى أهمية الصومال، ويبدو الأمر الآن كما لو أنها تهيمن تماماً على القرارَين السياسي والعسكري في مقديشو.

اقرأ أيضاً: تركيا في الصومال.. وجود عسكري مثير للشكوك

كما تقدم تركيا العديد من المنح الدراسية الجامعية بشكل غير رسمي وعبر منظمات خيرية أو من خلال جماعة الإخوان المسلمين، إلى كل من الصومال والسودان وإريتريا وإثيوبيا وجيبوتي وكينيا وجنوب السودان، ودول أخرى في شمال وغرب وجنوب القارة؛ حيث يضطر الطلاب المبتعثون للدراسة الجامعية وفوق الجامعية إلى تعلم اللغة التركية أولاً، قبل الانخراط في البرامج التعليمية المقررة، وهذا ما سيخلق قاعدة مستقبلية من القادة الإفريقيين الموالين لتركيا بأمر الثقافة.

نفوذ اقتصادي وعسكري وثقافي

أردوغان والرئيس السوداني الأسبق عمر البشير في زيارة إلى جزيرة سواكن السودانية على البحر الأحمر – أرشيف

المحللة السياسية السودانية خالدة ود المدني، اعتبرت في إفادة خصَّت بها “كيوبوست”، أن الوجود الأبرز على المستويين الثقافي والاستراتيجي (الاقتصادي والعسكري) لتركيا في القارة الإفريقية، يتجلى واضحاً في الصومال أكثر من أية دولة أخرى؛ ولكن ما إن حاول أردوغان الذهاب بعيداً في تمدده على ساحل الإفريقي للبحر الأحمر، عندما عقد اتفاقاً مع حكومة الرئيس السوداني المطاح به عمر البشير، لإدارة وتنمية جزيرة سواكن، التي كان يخطط لإنشاء قاعدة عسكرية عليها، حتى تعرض إلى انتقاداتٍ عنيفة من قِبل حكومات كثيرة في المنطقة، وصلت ذروتها في تصريحات سابقة للرئيس الإريتري أسياسي أفورقي، نشرتها صحيفة “سودان تربيون” عام 2018؛ حيثُ ندد بما سماه “الوجود العسكري التركي المحتمل في سواكن السودانية، ووصفه بغير المقبول ولا يسهم في استقرار المنطقة”.

اقرأ أيضاً: مع استمرار أزمتها الاقتصادية: تركيا تتغلغل في إفريقيا

خالدة ود المدني

وتذهب المدني في تحليلها للنفوذ التركي في إفريقيا الشرقية، بقولها: “لقد قامت إدارة أردوغان عبر وكالة (تيكا) الحكومية، ببناء شبكة من الطرق وإنشاء قواعد عسكرية ومعسكرات للتدريب، ومطارات لأغراض مدنية وعسكرية، وحصلت على امتيازات للتنقيب عن البترول والمعادن، ووقعت شركة تركية عقداً لتشييد وتنمية وتشغيل ميناء في مقديشو تصل مدته إلى 14 عاماً، كما تولت أنقرة سداد نحو 2.4 مليون دولار لصندوق النقد الدولي من ديونه على الصومال، وضخت أكثر من مليار دولار في الاقتصاد الصومالي منذ عام 2011، وقامت ببناء الكثير من المستشفيات والمدارس، وقدمت منحاً دراسية، وتولت تطوير مطار مقديشو الدولي وتشغيله وإدارته”. وكشفت ود المدني عن أن “تركيا تسعى إلى زيادة حجم التجارة المتبادلة بينها وبين إفريقيا إلى 50 مليار دولار”.

اقرأ أيضاً: أطماع تركيا في الصومال: نشاطات تُغلّف بالمشاريع الخيرية!

إلى ذلك، أشارت تقارير صحفية متطابقة إلى تسارع وتيرة الوجود التركي في إفريقيا؛ خصوصاً في الدول الواقعة على ساحل البحر الأحمر والمحيط الهندي، وكذلك في ليبيا بشمال إفريقيا، وأن الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا) تقوم بهذا الدور؛ باعتبارها ذراعاً اقتصادية واستخبارية قوية لحكومة العدالة والتنمية في أنقرة، ومن خلال ما قدمته من جهود في كثير من الدول الإفريقية، تمكنت تركيا من الحصول على صفة مراقب بالاتحاد الإفريقي، ومقر العاصمة الإثيوبية أديس أبابا؛ الأمر الذي يتيح لها حضوراً دبلوماسياً كبيراً في القارة، وهذا ما حدث بالفعل؛ إذ تمتلك تركيا سفارات وقنصليات في نحو 43 دولة إفريقية من مجموع دول القارة البالغ عددها 54، تقيم علاقات تجارية واستثمارية مع أكثر من 28 منها، كما تُسيِّر الخطوط الجوية التركية رحلات منتظمة ومتقطعة إلى نحو 40 دولة إفريقية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة