الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

التعليم الديني.. إرث النهضة يراوح مكانه في تونس

بعث كتاتيب في بعض المحافظات قرار لوزير التعليم التونسي يثير الجدل وينذر بالخطر

كيوبوست

عادت المدارس القرآنية لتتصدر النقاشات في تونس، وتثير الجدل مجدداً حول مخاطرها الكبيرة ، بعد إعلان وزير الشؤون الدينية التونسي إبراهيم الشائبي عزم الوزارة بعث كتاتيب نموذجية في بعض المحافظات.

وأثارت تصريحات الوزير التونسي ردود فعل رافضة لهذا المقترح، بعد أن أدت تجربة المدارس القرآنية التي دعمتها حركة النهضة في العشرية الماضية لزرع أفكار متطرقة في عقول الأطفال والشباب والتي كانت ثمارها آلاف المنضمين إلى التنظيمات الإرهابية في بؤر التوتر.

وقال وزير الشؤون الدينية إبراهيم الشائبي، الأحد الثاني من أكتوبر، إن “الكتاتيب القرآنية بالمساجد التي تشرف عليها وزارة الشؤون الدينية تعرضت إلى هجومٍ كبير من قبل معارضين لها، بحجة تعارضها مع مدنية الدولة إلا أنها لها دور مهم، وعملية التعليم تخضع إلى رقابة، وتتضمن حقيبة بيداغوجية، كما توفر الكتاتيب تعليماً متنوعاً للأطفال في المناطق المعزولة التي لا توجد بها روضات ولا محاضن”.

اقرأ أيضاً: أصابع “النهضة” و”اتحاد القرضاوي” تعبث بقطاع التعليم في تونس

وقدم الشابي هذه التوضيحات بعد الانتقادات الكبيرة التي طالت وزارته لاسيما من مكونات المجتمع المدني التي تخشى أن تكون هذه الكتاتيب استمراراً لتخصيب المدارس القرآنية التي ظهرت في تونس، وانتشرت بشكلٍ كبير منذ تولي حركة النهضة للحكم، دون رقابة أو متابعة لطبيعة التعليم الذي تقدِّمه.

وكان المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة أبرز المنتقدين بشدة، إذ اعتبر، في بيانٍ أصدره بعد يومٍ من إعلان وزير الشؤون الدينية، أن “قرار وزارة الشؤون الدينية بعث كتاتيب نموذجية بعددٍ من الولايات، يمثل خطراً يهدد وحدة المنظومة التربوية، وضرباً لأسس الدولة المدنية”.

النهضة المسؤول الأول عن انتشار المدارس القرآنية العشوائية (صورة وكالات)

استقطاب الشباب

وكانت تونس قد عاشت خلال العشرية الماضية وضعاً خطيراً جداً في علاقة باستقطاب الأطفال والشباب وتوجيههم نحو التطرف والإرهاب والتكفير والسفر نحو بؤر التوتر، في ظلِّ توفير حركة النهضة، والحكومات الموالية لها، الحماية لتلك المؤسسات، والسماح لها بممارسة أنشطتها، دون مراقبة أو تتبعات تُذكر.

وفي يناير 2019 تصاعد الجدل في الأوساط التونسية إثر الكشف عن مدرسةٍ قرآنية عشوائية، في مدينة الرقاب التابعة لمحافظة سيدي بوزيد (وسط غرب)، تلقِّن الأطفال أفكاراً متطرفة، وتعاملهم معاملةً سيئة، في ظروفٍ صحية قاسية.

وكشفت التحقيقات التي أُجريت حينها، مع أطفال المدرسة القرآنية، أنهم تعرضوا لشتى أشكال الانتهاك الجسدي، والعنف المادي والمعنوي. وقد كان الأطفال يُجبرون على القيام بأعمالٍ شاقة تفوق قدرتهم البدنية لحساب صاحب المدرسة الذي كان يوفِّر لأبنائه كل متطلبات الحياة العصرية، ويحرم أطفال المدرسة منها، بل إن نتيجة الفحص الشرجي قد كشفت أنهم تعرضوا لاعتداءات جنسية.

اقرأ أيضاً: تونس.. محاضرة داعية سلفي تعيد جدل استضافة دعاة التطرف

وقد أظهرت الأبحاث الأولية أن صاحب المدرسة يفرض على التلاميذ سلوكاً طقوسياً صارماً يعاقب المخلون به عقاباً بدنياً قاسياً، ويربون على ثقافة العنف والكراهية.

وردت السلطات وقتها بالقيام بحملة أغلقت بموجبها عشرات المدارس القرآنية المشبوهة، وتم إيقاف عدة أشخاص بتهمة “الاتجار بالبشر، واستغلال الأطفال، والاعتداء بالعنف، والاشتباه في الانتماء إلى تنظيم إرهابي”، حسب بيان صدر عن وزارة الداخلية حينها.

ومدرسة الرقاب ليست الوحيدة  من نوعها التي ظهرت في ظلِّ حكم حركة النهضة، إذ شهدت المدارس القرآنية ارتفاعاً كبيراً في فترة حكم “الترويكا” بزعامة حركة النهضة الإسلامية (من سنة 2011 إلى 2014) حيث غابت الرقابة عمداً ما ساعد هذه المدارس على تلقين مواد تعليمية متطرفة للأطفال.

تعليم ديني أفرز شبابا متطرفا سهل الاستقطاب من الإرهابيين (صورة وكالات)

تقنين وتنظيم

المحلل السياسي المنذر ثابت، يقول لـ”كيوبوست”: “كما هو الشأن في بعض الدول الأوروبية على غرار في فرنسا يوجد التعليم الديني في تونس، لكن شرط أن تظلَّ هذه المؤسسات تحت رقابة الدولة. وهذا ما لا يحدث في تونس منذ سنة 2012، لأن الإجراء القانوني الصحيح يقضي بغلق أي مدرسة تقدم تعليماً دينياً دون الحصول على ترخيص رسمي من وزارة التربية، وهياكل الدولة الرسمية عموماً، علما بأن الرقابة لا بد أن تشمل كل البرامج والمناهج التي تقدمها هذه المدارس. وهذه الرقابة باتت ملحة في تونس خاصة بعد الانتشار الكبير للمدارس القرآنية بعد الثورة في إطار محاولات الإسلاميين في تونس أسلمة المجتمع وأدلجته، وكانت المراهنة مبنية أساساً على الأجيال الصاعدة لزرع أفكارهم مستقبلاً مستفيدين من تراجع المنظومة التربوية”.

المنذر ثابت

وأضاف ثابت “الأكيد أن التعليم الديني ليس ممنوعاً، ولكن يجب تنظيمه وتقنينه ومراقبته بشكلٍ دائم، وإخضاعه لمواصفاتٍ وصيغ، تضعها وتشرف عليها الدولة، عدا ذلك سنكون في مواجهة جيل متطرف لا يؤمن بمدنية الدولة، وقد يهدِّد ما تأسس من أفكار ومناخ اجتماعي معتدل منذ عقود في هذه البلاد”.

وحسب تقديرات بعض الباحثين يوجد في تونس حوالي 1800 كتاب تابعة لوزارة الشؤون الدينية، وقرابة الـ600 مدرسة قرآنية تتبع الرابطة التونسية للدفاع عن القرآن الكريم، و300 جمعية قرآنية إسلامية، و600 مدرسة قرآنية تابعة لجمعياتٍ خيرية، ومدارس قرآنية عشوائية.

اقرأ أيضاً: إسلاميو تونس يهاجمون أكاديمياً طالب بتقنين بناء المساجد!

ولا تخضع سوى الكتاتيب القرآنية الخاضعة لبرنامجٍ تعليمي، من وزارة الشؤون الدينية، للرقابةِ ولتراتيب بيداغوجية واضحة، أما البقية فتنشط دون أي متابعةٍ لما تقدمه للأطفال من مواد تعليمية.

وفي إحصائيات رسمية تم رصد 1000 فضاء فوضوي خلال السنة التربوية 2015-2016 و300 فضاء فوضوي في الثلاثية الأولى من السنة التربوية 2016-2017.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة