الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

التعليم: الاستجابة لطبيعة العصر وتطوّره

كيوبوست 

ضمن خطتها للتنمية المستدامة لعام 2030م، وعدت منظمة الأمم المتحدة بـ”ضمان توفير تعليم جيد وشامل وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع” بحلول عام 2030م. وتأكيدًا على دوره الأساسي في بناء المجتمعات، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة حددت المنظمة يوماً دولياً للتعليم منذ عام 2018م، يصادف 24 كانون الثاني/ يناير من كل عام للاحتفال بالتعليم.

وبالرجوع إلى الماضي، كوْن التعليم مثل غيره تراكمياً؛ يدرك المرء أن المنظومة التعليمة هي انعكاس لمرحلتها، وذلك على مدى قرون طويلة منذ البدائية وحتى يومنا هذا…

اقرأ أيضاً: اليوم الدولي لمحو الأمية بهدف خلق عالم خال من الجهل

اكتساب مهارات

من خلال الملاحظة والتقليد، اكتسب الإنسان ما قبل التاريخ المهارات التي يحتاجها، كالصيد والجمع واستخدام الأدوات، ثم في مرحلة مفصليّة من عمر البشرية، تعلّم الزراعة وكيفية بناء المنازل،  مكتسباً ممن سبقوه.

ومع ظهور أولى الحضارات، أخذ التعليم طابعاً في كل حضارة. في مصر القديمة، كان نظام التعليم طبقياً، فقد اقتصر على الذكور من أبناء الأغنياء، وابتداء من سن السابعة كان الأولاد يتعلمون قراءة الهيروغليفية إلى الكتابة على ورق البردى والرياضيات.

المكتبات أهم إرث العرب في الأندلس– مواقع التواصل

ومثل مصر القديمة، كان التعليم في الهند طبقيًّا أيضاً؛ وتعلّم الطلاب بالاعتمادِ على نصوصٍ مقدّسة مكتوبة باللغة السنسكريتية، إلى جانب القواعد والأدب والقانون وعلم الفلك والطب والرياضيات. وفي الصين القديمة، تعلّم الطلاب الذين سُمح لهم بدخول أكاديمية الإمبراطورية.. الأدبَ وتاريخ الأسرة الحاكمة والحساب والبلاغة.

وفي بلاد فارس، كانت الدولة تنظِّم التعليم، وكان يركز على الجانب العسكري والأخلاقي، شبيهاً بمواضيع التعليم لدى الإغريق، الذين اهتموا ببناء جنود شجعان، عبر التدريبات البدنية والعسكرية في إسبارطة، أما في أثينا فقد ركّزت العملية التعليمية على التناغم بين الجسد والفن والروح.

التعليم تحت راية الدين

وفي مرحلةٍ متقدّمة، في روما تحديداً، كان التعليم عسكرياً، وبعدما تبنت الإمبراطورية الرومانية الديانة المسيحية، أخذت الأسقفيات، خلال العصور الوسطى في أوروبا، على عاتقها مهمة التعليم، لذلك ارتبطت المدارس بدور العبادة، فقد شجع الإمبراطور الروماني “شارلمان” (حكم 800-814م) الأديرة على إنشاء مدارس وتوفير تدريب أفضل لرجال الدين.

اقرأ أيضاً: طريقة بريل للكتابة.. مكَّنت المكفوفين من حق الوصول إلى المعلومة

 وتميز التعليم الذي اشتمل على القراءة والكتابة والحساب، وأساسيات اللغة اللاتينية، وقراءة النصوص المقدسة، بأنه أصبح متاحاً لطبقات المجتمع كافة. وفي الكليات، تعلم الطلاب اللغة اللاتينية، والشعر والعلوم، والخطابة والقانون.

فيما قامت الجامعات، التي بدأت بالظهور في أوروبا خلال القرن الحادي عشر، بتفويضٍ من البابا أو الملك، بتدريس اللاهوت بشكل أساسي، والفنون الليبرالية السبعة: “الثلاثية” (القواعد، والبلاغة، والمنطق) و”الرباعية” (الحساب، والموسيقى، والهندسة، وعلم الفلك)، وكان التعليم يتم ضمن فصول، عبر الملاحظة والنسخ والتدريس العملي.

مارتن لوثر لوحة للرسام لوكاس كرانش- أرشيف

من جانبهم، أبدى المسلمون خلال العصر الأموي والعباسي اهتماماً كبيراً بالتعليم، وبحلول منتصف القرن التاسع، تم تقسيم المعرفة إلى ثلاث فئات: العلوم الإسلامية (دراسة القرآن والسنة وتفسيرهما)، والعلوم الفلسفية والطبيعية، والفنون الأدبية. وركز التعليم الإسلامي المبكر على الجانب العملي كتطبيق الخبرة التكنولوجية لتطوير أنظمة الري والابتكارات المعمارية والمنسوجات وغيرها.

واستخدمت المساجد كأماكن للتعليم، ضمن حلقات تضم مجموعة طلاب، ثم بدأت المدارس الابتدائية بالظهور وكانت تدرس نفس المواد، كما انتشرت المكتبات والصالونات الأدبية، ودُشِّنت كليات وجامعات أولها جامعة الأزهر في القاهرة عام 970م.

اقرأ أيضاً: كيف تجعلك القراءة أكثر ذكاءً وتعاطفاً مع الآخرين؟

وأبرز ما خلفه المسلمون، وترك تأثيره العميق على التجربة التعليمية الأوروبية، المكتبات الضخمة، التي شيدوها في مدن الأندلس كغرناطة وإشبيلية وطليطلة، والتي ضمَّت الترجمات اليونانية واللاتينية، ما جعل تلك المدن مراكز علم خلال عصر النهضة الأوروبية.

ما بعد العصور الوسطى

مع اقتراب نهاية العصور الوسطى في أوروبا خلال القرن الخامس عشر، ظهر ما عرف بالدراسات الإنسانية، التي أكدت على أهمية الإنسان، ورفضت “اختزال كل شيء في الحجة اللاهوتية”.

وافتتحت مؤسسات تعليمية أكثر مرونة، كالكليات اليسوعية التي أسسها الفارس الإسباني “إغناطيوس دي لويولا”، والتي قدمت تعليماً مجانياً ولكنه نخبوي، والذي كان يهدف إلى تدريب رجال الكنيسة الكاثوليكية، وتمكين ممثلي البرجوازية من الوصول إلى مناصب أعلى.

مدام دو مانتينون مؤسسة أول دار لتعليم البنات في فرنسا- أرشيف

فيما ساهم الإصلاح الديني الذي قاده رجال دين على رأسهم مارتن لوثر في تغير المنظومة التعليمية، فبعد تحرر البلدان الأوروبية من سلطة الكنيسة الكاثوليكية، دعمت دول مثل ألمانيا التعليم في بعض مقاطعاتها، بينما أنشأت الكنيسة مدارس في إنجلترا.

وبحلول القرن السابع عشر، طرأ تطور مهم، إذ تمكنت الفتيات من التعلم، بدعم من زوجة الملك الفرنسي لويس الرابع عشر “مدام دي مينتينون” ورئيس أساقفة باريس “فرانسوا فنلون”، إذ أسست الأولى دار ” “Saint-Cyr للفتيات.

تنظيم المدارس

مع ظهور حركات تنويرية، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، اكتشفت الدول أنه من غير الممكن أن يبقى التعليم حكراً على الأثرياء، وأدركت أن مسؤولية إنشاء المدارس وصيانتها مهمتها.

وخلال القرن الثامن عشر، على وجه التحديد، بدأت أفكار علمانية حول التعليم بالظهور، قادت إلى ثلاثة إصلاحات رائدة في أوروبا على حساب الطابع التعليمي الديني السابق، فقد بدأ التدريس باللغة الأم بدلا من اللغة اللاتينية التي سيطرت على لغة المدارس لفترة طويلة، إلى جانب إدخال العلوم المتنوعة في المناهج الدراسية، والاهتمام بطبيعة طرق التدريس على اعتبار أنها مسألة تربوية.

اقرأ أيضاً: مدرسة CR hope foundation في إحدى قرى زنجبار.. أمل في تعليم جيل جديد

وفي أوائل القرن التاسع عشر، بدأت الدول بإنشاء أنظمة تعليم متكاملة، كما حدث في فرنسا وألمانيا، فيما تأخرت كل من  بريطانيا والولايات المتحدة، بإدراج الشؤون التعليمية ضمن مهام الحكومة.

وفي مطلع القرن العشرين تأثر التعليم بالحروب، فبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى لم يعد ربع المعلمين المحاربين إلى ديارهم، مما أدى إلى تأنيث مهنة التدريس، فيما أدت السيادة الرأسمالية على العالم إلى تخصيص التعليم في معظم الدول الكبرى، ما أدى إلى ظهور المدارس والجامعات الخاصة.

وبمرور الوقت أصبح التعليم متاحاً أكثر للجميع، على اختلاف الجنس والعرق والطبقة الاجتماعية، مع ذلك فإن ما يقرب من 265 مليون طفل ومراهق في العالم لا تتاح لهم الفرصة للدراسة أو حتى إكمالها في يومنا هذا، و617 مليون طفل ومراهق لا يستطيعون القراءة أو إجراء العمليات الحسابية الأساسية، وفقا للأمم المتحدة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة