الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دوليةمقالات

التعامل مع الفراغ الأمني الجديد في الخليج

تواجه دول الخليج مجدداً احتمال حدوث فراغ أمني مع تقليص الولايات المتحدة وجودها في المنطقة.. ويجري البحث في الخيارات البديلة

خاص- كيوبوست

د.دينيس ساموت

عندما يتولى إبراهيم رئيسي منصبه في أغسطس المقبل رئيساً للجمهورية الإسلامية في إيران، فإنه سيفعل ذلك في وقت تدور فيه النقاشات حول مستقبل أمن الخليج، بالنظر إلى أن الأمريكيين أشاروا إلى تحولات في موقفهم العسكري تعكس مخاوفهم المستجدة في آسيا ودول المحيط الهادئ. ويقارن البعض هذه اللحظة بعام 1971 عندما أعلن البريطانيون فجأة عن نيتهم بالانسحاب من مناطق “شرق السويس”؛ ولكن مثل هذه المقارنات قليلة الأهمية.

فجميع دول المنطقة هي الآن في وضع يختلف كثيراً عما كانت عليه عام 1971. ففي ذلك الوقت كانت دول الخليج ضعيفة وهشة، وكانت قد اعتادت على “الحماية البريطانية”، ولم تكن تفكر حقاً في الاستعداد لما سيأتي. وكانت إيران بقيادة الشاه الذي كانت له أطماع إقليمية في الخليج؛ ولكنه كان يفتقد العزم للعمل على تحقيق أطماعه. وكان العالم بشكل عام عالقاً في حرب باردة كانت هي ما يحدد القرارات الأمنية التي تتخذها الدول.

اقرأ أيضاً: أردوغان يتبجح في الدوحة بحماية أمن الخليج.. والهدف أموال القطريين

وبعد مرور خمسين عاماً، وفي عام 2021 فإن الواقع قد اختلف كثيراً؛ فقد نضجت دول الخليج العربية، وأصبحت لديها دبلوماسية نشطة، واستثمرت مليارات الدولارات في قدراتها الدفاعية. وقامت هذه الدول بطرقها المختلفة ببناء علاقات مع دول قريبة وبعيدة، ولم يعد من الممكن النظر إليها كلقمة سائغة للطامعين. وعلى الجانب الآخر، فإيران الآن هي جمهورية إسلامية يقودها نظام ديني شيعي، لا يزال يستقي إلهامه من الحماسة الثورية لعام 1979، وأفضل ما يمكن أن توصف به سياستها الخارجية هو أنها سياسات تخريبية. ويمكن القول إن سياسة احتوائها من خلال العقوبات لم تلاقِ إلا نجاحاً جزئياً فقط كما يبدو واضحاً من تدخلاتها في اليمن ولبنان وسوريا وغيرها من الدول. وقد ورثت من الشاه طموحات بتحويل الخليج إلى بحيرة فارسية؛ ولكن الرادع الأمريكي كان العقبة الكبرى في وجهها حتى الآن.

دول الخليج العربي استثمرت مليارات الدولارات في بناء قدراتها الدفاعية-  صورة أرشيفية

لذلك، تبقى إيران بالنسبة إلى دول الخليج جاراً خطيراً؛ ولكن ليس متهوراً، على الرغم من أن تصرفاتها غالباً ما تكون شاذة؛ حيث يتم كبح جماح المتعصبين المتحمسين للثورة، وتحركات إيران الدبلوماسية والعسكرية محسوبة بدقة وتؤخذ قراراتها من خلال سلسلة تراتبية تصل مباشرة إلى المرشد الأعلى آية الله خامنئي، والمجلس الأعلى للأمن القومي.  رئيسي ستكون له كلمة في سياسة البلاد الخارجية وفي قراراتها الأمنية؛ ولكن ليست الكلمة الأخيرة، وربما سيكون لصوت الآخرين وزنٌ أكبر من صوته، ولكنه سيكون وجه السياسة الإيرانية أمام العالم عندما تلوح القرارات الكبرى بشأن مستقبل الأمن في منطقة الخليج.

استنساخ حلف شمال الأطلسي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي في الخليج

منذ فترة يشتد النقاش في الدوائر الدبلوماسية حول كيفية إدارة أمن الخليج بعد تراجع الوجود الأمريكي فيه. وتمت مناقشة نماذج أوروبية؛ ولكن حتى الآن لم يتم إحراز تقدم كبير. ولتبسيط الصورة يمكن جمع الخيارات المطروحة في فئتين لا تستبعد إحداهما الأخرى.

الأولى هي إنشاء ما يشبه حلف شمال الأطلسي؛ حيث لن تكون إيران عضواً فيه، بل ستكون التهديد المحتمل. وهنا يجب إيجاد هيكل عسكري متكامل يمكن أن يضم إلى جانب دول مجلس التعاون الخليجي دولاً من خارج المنطقة؛ مثل الولايات المتحدة وأوروبا، وربما الهند أيضاً. ولنجاح مثل هذا التحالف يجب أن يكون لديه ضمانات قوية بأن أي تهديد لأي من أعضائه سيعتبر تهديداً للجميع، وهو ما يعادل المادة الخامسة الشهيرة في ميثاق حلف شمال الأطلسي. يرى كثيرون أن هذا الخيار طموح أكثر مما ينبغي. يمكن البحث في نسخة مخففة؛ ولكن إذا كانت مخففة جداً فلن تخدم الغرض منها.

اقرأ أيضاً: هل يتحول الخليج إلى ساحة مواجهة وشيكة بين إسرائيل وإيران؟

الخيار الثاني هو محاولة تنظيم إطار أمني تعاوني في الخليج -شبيه بمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا- وقد شجع الروس على هذا الخيار دون إعطاء الكثير من التفاصيل؛ ولكن يمكن للمرء أن يفترض أن هذا الإطار سوف يضم إيران والعراق إلى جانب دول مجلس التعاون وآخرين، مثل روسيا والولايات المتحدة أيضاً. وفي حين يبدو هذا الخيار جذاباً، فإن تجربة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي ليست مشجعة؛ ففي حين أسهمت المنظمة وقبلها سابقتها (مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي) بشكل كبير في إنهاء الحرب الباردة وفي التحول عن الشيوعية في أوروبا الشرقية، فإن سجلها الحالي في ضمان أمن دولها قد تعرض إلى الاهتزاز بسبب التلاعب الروسي في أوكرانيا وجورجيا، وتجاهل روسيا بشكل عام قواعد النظام الدولي؛ ولكن البعض يرى أنه على الرغم من بعض أوجه القصور فيها، فإن منظمة الأمن والتعاون الأوروبي تبقى إطاراً مهماً ومفيداً في التعاطي مع مسألة الأمن الأوروبي، واستنساخ أفضل ما فيها يمكن أن يكون أمراً إيجابياً بالنسبة إلى دول الخليج.

نموذج منظمة الأمن والتعاون الأوروبي قد يكون الإطار المناسب لضمان أمن الخليج في المستقبل- أرشيف

ومع ذلك، هنالك طريقة أخرى للنظر في الأمر؛ فكما احتضنت أوروبا كلاً من حلف شمال الأطلسي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي -على الرغم من أن البعض، لا سيما الروس يرون في ذلك تناقضاً- فإن دول الخليج يمكنها تبني هيكلَين بدلاً من هيكل واحد للمستقبل؛ أحدهما للدول ذات النهج المتشابه في تفكيرها، والتي تعد بدعم بعضها بعضاً عند الحاجة، والآخر هو إطار أوسع وأكثر شمولاً يمكنه أن يوفر مساحة للبحث في المشكلات على أمل إيجاد حل لها، وحيث يمكن أن تنشأ مع الوقت عملية بناء الثقة بين دول هذا الإطار.

اقرأ أيضاً: عهد بايدن.. تحديات جديدة للسياسات الخارجية والأمنية في أوروبا والشرق الأوسط

وبينما يستمر هذا النقاش تظهر هنا وهناك مقتطفات من الأخبار حول الحوار الذي ربما تجريه إيران مع المملكة العربية السعودية، وربما بعض دول الخليج الأخرى. كانت الأيام الأولى للحديث عن التقارب؛ ولكن حتى لو حدث ذلك، فالنتائج من المرجح أن تكون متواضعة. إلا أن أي شيء ينزع فتيل التوتر واحتمال حدوث تصعيد قد يؤدي إلى حرب، يجب أن يكون موضع ترحيب.

ويجري هذا النشاط الدبلوماسي في ظل فضاء آخر؛ حيث يتسبب الانسحاب الأمريكي بالفعل في الفوضى في أفغانستان. ليس هنالك من وجه للمقارنة بين الوضع في أفغانستان والوضع في دول الخليج؛ ولكن السهولة التي يبدو أن “طالبان” تملأ بها الفراغ الذي تركه الانسحاب الأمريكي يجب أن تساعد الجميع على تركيز تفكيرهم؛ فالفراغ لا يمكن أن يكون أمراً جيداً على الإطلاق، وهذا ينطبق على دول الخليج أيضاً.

♦مدير مركز “لينكس يوروب”، ومقره لاهاي في هولندا، ومدير تحرير موقع commonspace.eu. ويكتب بانتظام في قضايا الأمن الأوروبي، وعلاقات الاتحاد الأوروبي مع جيرانه في الشرق والجنوب. ([email protected])

لقراءة الأصل الإنكليزي

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة