الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

التطورات العسكرية في الشمال السوري وانهيار التفاهمات الروسية- التركية

كيوبوست

بدأ الجيش السوري بدعم روسي هجومًا واسعًا في ديسمبر الماضي في مناطق بإدلب وجوارها، والتي تخضع لسيطرة هيئة تحرير الشام، الموالية لـ”القاعدة”، وفصائل أخرى أقل نفوذًا، كما واصل النظام السوري تقدمه خلال شهرَي يناير وفبراير 2020؛ بحيث بات الآن يسيطر على أقل من نصف محافظة إدلب بقليل.

تقدم ميداني سوري:

تمكن الجيش العربي السوري من تحقيق تقدم ميداني في محافظة إدلب بدعم من الطيران الروسي، والذي نفَّذ ضربات جوية ضد معاقل المعارضة المسلحة في محافظة إدلب السورية؛ حيث تمكن الجيش السوري من استعادة عشرات المدن والقرى في المحافظة[1]، ليتمكن بذلك من استعادة السيطرة على أقل من نصف المحافظة بقليل.

اقرأ أيضًا: سوريا.. تنسيق عسكري سري بين الجيش التركي وجبهة النصرة في إدلب

والأهم من ذلك، أن الجيش السوري تمكن من السيطرة على معرة النعمان الاستراتيجية وثانية كبرى مدن محافظة إدلب[2]، وأجزاء كبيرة من مدينة سراقب، والتي تتمتع بأهمية كبيرة بالنظر إلى أن المدينة تشكل نقطة التقاء بين الطريقَين الدوليَّين “إم 5″ و”إم 4”.

ويتمتع هذان الطريقان بأهمية كبيرة؛ إذ إن “إم 4” يربط محافظة حلب بإدلب، ثم اللاذقية غربًا[3]، بينما يصل الطريق الدولي “إم 5” مدينة حلب بالعاصمة دمشق، ويعبر مدنًا رئيسية عدة من حماة وحمص وصولًا إلى الحدود الجنوبية مع الأردن[4].

ويتمتع هذان الطريقان بأهمية اقتصادية كبيرة؛ إذ إن الطريقَين المذكورَين “إم 4″ و”إم 5” بالإضافة إلى “إم 1″، تعد أحد أهم ممرات النقل البري؛ حيث إن الطرق الثلاثة تربط شرق البلاد بغربها وشمالها بجنوبها. وكانت هذه الطرق تمثل ممرًّا للبضائع التركية واللبنانية، وأيضًا الأوروبية والآسيوية والروسية إلى سوريا وإلى دول الخليج. أي أن دمشق وموسكو بدأتا تسعيان إلى تأمين سيطرة الحكومة السورية على الطرق الدولية الرئيسية داخل البلاد استعدادًا للمرحلة المقبلة، والتي سيتم فيها التركيز على إعادة إعمار البلاد، واستعادة حركة التجارة بين دمشق والدول المجاورة لها.

أعصاب للمواصلات في سوريا – المصدر: روسيا اليوم

ويلاحظ أن تأمين هذين الطريقَين كان منصوصًا عليه صراحةً ضمن بنود اتفاق سوتشي في سبتمبر 2018 بين تركيا وموسكو؛ حيث ورِد بند ينص على “استعادة حركة الترانزيت عبر الطريقَين “إم 4″ (اتستراد حلب- اللاذقية)، و”إم 5″ (اتستراد حلب- حماة) بحلول نهاية 2018”[5].

أما عسكريًّا، فإن كلًّا من الحكومتَين الروسية والسورية تمكن من تحقيق أهداف عسكرية مهمة من وراء هذا التقدم، فبالنسبة إلى روسيا فإن موسكو تسعى لتأمين طريق “إم 4” (اتستراد حلب- اللاذقية)؛ وذلك بهدف السيطرة على جسر الشغور، ومن ثَمَّ إبعاد “الحزب التركستاني” و”أجناد القوقاز” عن استهداف مناطق تمركز القوات الروسية في سوريا؛ خصوصًا في مطار حميميم وقاعدة طرطوس، بالطائرات والصواريخ[6].

اقرأ أيضًا: بسبب سوريا.. أمريكا توقف برنامجًا استخباراتيًّا سريًّا مع تركيا

أما بالنسبة إلى النظام السوري، فقد تمكن من تحقيق أهداف عسكرية مهمة؛ إذ إن مدينة سراقب تربط معظم بلدات ريف إدلب بعضها مع بعض، كما أن السيطرة عليها سوف تمكن الجيش السوري من قطع خطوط إمداد التنظيمات الإرهابية بين ريفَي إدلب الجنوبي وحلب الغربي.

تحركات تركية “مترددة”:

عانى الموقف التركي ارتباكًا واضحًا؛ خصوصًا بعدما انتهى اجتماع مسؤولين أتراك وروس، في 8 فبراير الجاري بأنقرة، من دون التوصل إلى اتفاق أو تفاهمات بشأن الأوضاع في محافظة إدلب بشمال غربي سوريا[7]. فقد أطلقت تركيا، إزاء هذه التطورات الميدانية، تهديدات غامضة في 9 فبراير الجاري؛ حيث أشار وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، في مقابلة مع صحيفة “حرييت” إلى أنه “إذا تواصل خرق الاتفاق، لدينا خطة ثانية، وخطة ثالثة”، مضيفًا: “نقول في كل مناسبة ألا تضغطوا علينا، وإلا فخطتنا الثانية وخطتنا الثالثة جاهزتان”[8]. بينما أمهلت تركيا نظام الأسد حتى نهاية فبراير الجاري للانسحاب خلف نقاط المراقبة بإدلب.

اقرأ أيضًا: مسلحو أردوغان العرب يحولون شمال سوريا إلى منطقة غير آمنة

وبخلاف المتوقع، لم تشكل هذه النقاط أي تهديد كبير لتقدم الجيش السوري؛ إذ إنه قام بتطويق وحصار نحو 8 نقاط من إجمالي 12 نقطة مراقبة تركية[9]، أي نحو ثُلثي إجمالي نقاط المراقبة التركية في الأراضي السورية. وتكشف التصريحات التركية عن وجود بديل ثانٍ وثالث عن تفكير الجيش التركي في التدخل عسكريًّا في إدلب؛ خصوصًا بعد تراجع تعويلها على أن تقوم موسكو بضبط تحركات الجيش السوري، وإرسالها مزيدًا من الحشود العسكرية إلى الأراضي السورية.

فقد أرسلت أنقرة نحو 300 مدرعة برفقة قوات خاصة وذخيرة[10]، ليصل ما رُصد من حشود تركية متواصلة إلى الأراضي السورية خلال فبراير الجاري وحده إلى 1450 آلية عسكرية، كما بلغ عدد الجنود الأتراك الذين انتشروا في إدلب وحلب خلال الفترة ذاتها نحو 6 آلاف جندي[11].

عناصر إرهابية تابعة لجبهة النصرة تدعمها تركيا في سوريا – وكالات

وفي الواقع العملي، لم يعد أمام أردوغان سوى خيارَين؛ يتمثل أولهما في التسليم باستعادة الحكومة السورية سيطرتها على أجزاء من محافظة إدلب، خصوصًا أن الدول الغربية، وتحديدًا الولايات المتحدة وأوروبا، اكتفت بالتصريحات الدبلوماسية، ولم تقم بممارسة أي ضغوط أو حتى تهديدات؛ سواء تجاه الحكومة السورية أو الروسية. ومن ثَمَّ، فإن الحشود التي سوف ترسلها أنقرة تهدف إلى تأمين مدينة إدلب، ومنع الجيش السوري من استعادة مزيد من الأراضي السورية.

أما الخيار الثاني أمام أنقرة، فيتمثل في أن تدخل في معركة عسكرية ضد قوات الجيش السوري؛ لطرده من المناطق التي استعاد السيطرة عليها، وهو أمر تبدو تكلفته مرتفعة، بالنظر إلى تراجع كفاءة القوات التركية؛ بسبب عمليات الإقالة التي طالت عديدًا من جنوده؛ بما أدى إلى خفض حجم الجيش التركي مما يزيد على نصف مليون جندي إلى أقل من 400 ألف جندي، بل إن عديدًا من أفرع الجيش؛ بما في ذلك القوات الخاصة، تعاني أزمة حقيقية؛ خصوصًا بعد تصفية أغلب عناصرها، نظرًا لتورط بعضها في محاولة الانقلاب الفاشل ضد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في عام 2016، كما أن الأداء المتواضع نسبيًّا للجيش التركي خلال عمليتَي “درع الفرات” و”غصن الزيتون” سيجعل الجيش التركي يفكر مرارًا قبل المغامرة بمهاجمة القوات السورية المدعومة من روسيا و”حزب الله” وإيران؛ لاستعادة المناطق التي سيطر عليها الجيش السوري في إدلب.

اقرأ أيضًا: الغزو التركي لسوريا: نعمة لداعش

انتهاء التوافق الروسي- التركي:

تؤشر العمليات العسكرية في محافظة إدلب إلى تطور مهم، وهو انتهاء اتفاق سوتشي؛ فقد اتفق كلٌّ من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، في سوتشي في سبتمبر 2018، على إنشاء منطقة منزوعة السلاح، على طول خط الاتصال في إدلب، على عمق 15- 20 كيلومترًا؛ لتنظيم دوريات مشتركة، ورصد الامتثال إلى وقف إطلاق النار هناك. ووَفقًا لتلك الاتفاقات أنشأت تركيا 12 مركز مراقبة، يوجد فيها الجيش التركي. وتضمنت بنود الاتفاق مواد تنص على تحمل تركيا مسؤولية نزع سلاح الفصائل المعارضة للأسد في المنطقة، في حين يمتنع كلٌّ من روسيا وقوات الأسد، عن القيام بعمل عسكري شامل في إدلب؛ لتجنب النزوح الجماعي لثلاثة ملايين مدني في المنطقة باتجاه الحدود التركية[12].

واتجهت أنقرة إلى انتهاك الاتفاق؛ حيث إنها لم تقُم فقط بتكوين ميليشيات مسلحة في شمال سوريا، تحت مسمى “الجيش الوطني”؛ ولكنها سمحت لجبهة النصرة بالهيمنة على محافظة إدلب، وإقصاء فصائل المعارضة المسلحة الأخرى؛ وهو ما مثَّل انتهاكًا للاتفاق مع روسيا.

معسكر تدريب في شمال سوريا للمقاتلين السوريين المدعومين من تركيا – وكالات

ويلاحظ أن طرد القوات التركية من الأراضي السورية يأتي في إطار السياسة المعلنة للكرملين تجاه سوريا؛ فقد صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مايو 2018، بضرورة “انسحاب القوات المسلحة الأجنبية من أراضي الجمهورية العربية السورية” في النهاية، وقد أوضح المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون التسوية السورية، ألكسندر لافرينتييف، أن تصريح بوتين يخص كل “المجموعات العسكرية الأجنبية، التي توجد على أراضي سوريا، بما فيها الأمريكيون والأتراك و(حزب الله) والإيرانيون”[13].

ويبدو أن موسكو استغلت اتجاه أنقرة إلى نقل كميات كبيرة من المرتزقة السوريين من سوريا إلى ليبيا؛ بما في ذلك العناصر الإرهابية؛ من أجل التعجيل بعملية عسكرية هناك، لاستعادة المحافظة من سيطرة تركيا؛ خصوصًا أن انشغال الدول الأوروبية بإمكانية استغلال التنظيمات الإرهابية لأية عمليات عسكرية في محافظة إدلب للهروب ضمن اللاجئين إلى تركيا، ومن ثَمَّ إلى أوروبا، قد تراجع؛ خصوصًا بعدما قامت أنقرة بنقل بعضهم إلى الأراضي الليبية، ولذلك فإن حجم الإدانات الأوروبية والأمريكية لهذه العمليات العسكرية قد تراجع هذه المرة مقارنةً بالمرات السابقة.

اقرأ أيضًا: المصالح المشتركة بين تركيا وروسيا تمنع الصدام في ليبيا

فبعد أن كانت ألمانيا تهدد في سبتمبر 2018 بشنّ عمل عسكري ضد النظام السوري “بشكل منفرد” إذا ما هاجم إدلب باستخدام الأسلحة الكيماوية، فإن البيان الأخير الصادر عن الاتحاد الأوروبي قد اختلف بدرجة كبيرة؛ إذ دعا مفوضا الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والأمن ولإدارة الأزمات، في 6 فبراير 2020، إلى وقف استهداف المدنيين شمال غربي سوريا، وحثّ جميع أطراف النزاع على السماح بإيصال المساعدات الإنسانية إلى المنطقة؛ أي أنه في التحليل الأخير لم ينتقد العمليات العسكرية نفسها، بل دعا إلى تجنب استهداف المدنيين في أثناء سير العمليات العسكرية، بينما ناشدت فرنسا، في بيان منفصل، بوقف الأعمال القتالية في إدلب[14].

وتدرك الدول الأوروبية الخطط الروسية جيدًا، فقد أكد مصدر رفيع في المخابرات الغربية لـ”رويترز” أنه يبدو أن روسيا تعتزم “استقطاع” أجزاء من الأراضي التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة بشكل تدريجي، كما أن ذات المصدر أكد أن موسكو هي التي ستقرر ما إذا كان سيتم دخول مدينة إدلب في مرحلة ما وموعد ذلك[15]؛ وهو ما يعد تسليمًا من هذه الدول أن موسكو باتت هي الأكثر نفوذًا وتأثيرًا في سوريا، مقارنةً بالعواصم الغربية.

الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين يغادران بعد مؤتمر صحفي مشترك – أرشيف رويترز

وفي الختام، يمكن القول إن أنقرة ماطلت في تنفيذ اتفاقاتها مع موسكو، سواء في ما يتعلق بنزع سلاح الجماعات الإرهابية في إدلب، أو في استعادة حركة الترانزيت في طريقَي “إم 4” و”إم 5″؛ غير أن موسكو عمدت إلى تنفيذ الاتفاق، ولو بأسلوب آخر، عبر القوة العسكرية، وتبقى أنقرة أمام خيارَين؛ لكل منهما تكلفته المرتفعة، إذ إن التسليم بسيطرة النظام على مناطق في إدلب سوف يمثل انتكاسة كبيرة لنفوذها الإقليمي، أما التدخل عسكريًّا فقد يكبدها خسائر لا تقوى عليها؛ خصوصًا في ظل تراجع أوضاعها الاقتصادية.

المراجع:

[1]) https://bit.ly/2UDMHJK

[2]) https://bit.ly/2vYxuZe

[3]) https://bit.ly/37e8YjU

[4]) https://www.albayan.ae/one-world/arabs/2020-02-09-1.3773484

[5]) https://bit.ly/2vhlWQG

[6]) https://bit.ly/2UEl2bn

[7]) https://bit.ly/2OEqRC0

[8]) https://www.afp.com/ar/news/1274/doc-1ot9sq1

[9]) https://bit.ly/2UFgstn

[10]) https://bit.ly/2HaMcik

[11]) https://bit.ly/2OGNaqI

[12]) https://www.bbc.com/arabic/interactivity-51436520

[13]) https://bit.ly/2SfbbaA

[14]) https://bit.ly/2SB0BcC

[15]) https://bit.ly/31Irz6v

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة