الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

التطلع لمستقبل أفضل في الخليج العربي

كيوبوست- منير بن وبر

تأتي قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية الـ42 لتؤكد أهم المبادئ التي أُنشئ المجلس من أجلها: تعزيز العلاقات بين الدول الأعضاء فيه، وتعزيز التعاون بين مواطني الدول، والتكامل الاقتصادي والدفاع المشترك. وفي ظل الأوضاع العالمية والإقليمية المتغيرة يصبح تأكيد هذه الأهداف المهمة أمراً لا مفر منه؛ وهو ما أكده البيان الختامي “إعلان الرياض” الصادر عن أعمال اجتماع الدورة الـ42 للمجلس الأعلى في الثلاثاء 14 ديسمبر 2021.  

يأتي تأكيد اتفاقية الدفاع المشترك معبراً عن التزام دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالعمل الجماعي لمواجهة جميع التهديدات والتحديات، والتكامل في صنع القرار لمواجهة الطوارئ وردعها، وتقديراً عالياً لمزايا العضوية، وأهمية التحالف كأداة لموازنة أو مواجهة التهديدات. كما يُعتبر التكامل الاقتصادي الذي تم التركيز عليه في البيان مهماً بشكل خاص؛ بحيث يتجاوز العلاقات التجارية رغم أهميتها ولا يقف عندها، فالتكامل الاقتصادي يكتسب طابعاً سياسياً كلما تم تحقيق مستويات أعلى منه، إذ يُنظر إليه كوسيلة للدول الإقليمية لمواجهة التهديدات الاقتصادية الدولية، وتجنب التوترات بينها نتيجة الاعتماد الاقتصادي المتبادل، كما أنه يحسن من القوة التفاوضية الجماعية.

اقرأ أيضاً: مع احتفال الاتحاد بالذكرى الـ50 لتأسيسه.. ما الذي تتطلع إليه الإمارات في نصف القرن المقبل؟

مخاوف أمنية واستراتيجيات جديدة

لا تزال إيران أحد أكبر الهواجس الأمنية لدول مجلس التعاون الخليجي؛ حيث أكد وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله، أن دول المجلس من “الدول الأكثر تهديداً من البرنامج النووي الإيراني”، وأن أخبار مفاوضات 5+1 “لا تدعو للتفاؤل”، ومع ذلك، أكد فرحان تطلعهم لنجاح المفاوضات والتأسيس لاتفاق أطول وأقوى لنزع فتيل الأزمة، والتحول إلى مسار مختلف للتعاون والتعايش، وبناء شراكات حقيقية مع الجانب الإيراني، حسب ما نقلته وكالة الأنباء السعودية.

يأتي الحديث حول بناء “شراكات حقيقية مع الجانب الإيراني” مع تغيُّر ملحوظ في التعامل مع الأطراف الإقليمية التي تُظهر عدائية مقلقة في المنطقة، إيران وتركيا على وجه التحديد؛ وهي مؤشرات على إمكان تحقيق الدبلوماسية مع هذه الدول. سبق أن أشار ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، إلى الرغبة في “علاقة جيدة” مع إيران، وهناك تحركات تقارب سعودي وإماراتي مع تركيا، ومحادثات سعودية مع إيران وُصفت بأنها “استكشافية”، وخطوات “لفتح صفحة جديدة” في العلاقات بين الإمارات وإيران، كما وصفها الدكتور أنور قرقاش، مستشار رئيس الدولة في الإمارات.

جانب من أحد تدريبات قوات درع الجزيرة بالسعودية عام 2019- SPA

وعلى الرغم من أهمية المفاوضات النووية مع إيران، والتي أكدت دول مجلس التعاون أهمية المشاركة فيها؛ فإنه من غير الواضح ما إذا كانت إعادة إحياء خطة العمل المشتركة مع إيران يمكن أن تكون مطمئنة بما فيه الكفاية لدول الخليج العربي؛ وهو ما تذهب إليه مجموعة الأزمات الدولية التي ترى أن الهاجس الرئيس لدول الخليج العربي هو فرض إيران قوتها في المنطقة من خلال شركائها المسلحين غير الحكوميين وصواريخها الباليستية، وتدعو مجموعة الأزمات إلى “دعم إطلاق حوار شامل بقيادة خليجية بشأن كيفية منع حدوث صراع غير مقصود مع إيران”.

في تصريح خاص أدلى به إلى “كيوبوست”، قال الكاتب والإعلامي الإماراتي، أ.محمد الصوافي: إن الملف النووي ليس الملف الخطير الوحيد مع الجار الإيراني؛ فهناك ملفات قد تكون أخطر، مثل التمدد السياسي والأمني في الدول العربية، والتدخل في الشأن العربي من خلال بعض “الأذرع الإيرانية”؛ مثل: (حزب الله) اللبناني، والحوثيين في اليمن، وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، وتصدير المخدرات. وهناك أيضاً ملف الصواريخ الباليستية وطائرات بلا طيار. ويرى الصوافي أن العودة إلى الاتفاقية النووية ينبغي أن تكون “بشروط جديدة وليس كما هي عندما وقعت في 2015”.

اقرأ أيضاً: السفير الأمريكي الأسبق في المملكة: السعودية تسير نحو الانفتاح.. وأصبحت مركزاً لجذب الاستثمار

تطلعات اقتصادية مهمة

أثبتت جائحة “كوفيد-19” أنها تحدٍّ قاسٍ لجميع الدول في مختلف الجوانب؛ فبالإضافة إلى التحديات الصحية، أدَّت إجراءات الإغلاق إلى تأثيرات خطيرة على الاقتصاد، وشهد العالم انكماشاً ملحوظاً في مختلف القطاعات الاقتصادية. بطبيعة الحال، تأثرت دول مجلس التعاون الخليجي بتبعات الجائحة، إلا أنها استطاعت مواكبة التحولات من خلال السياسات النقدية والمالية المناسبة. ومن بين أهم الدروس المستفادة من تأثيرات جائحة “كوفيد-19” هو أهمية التكامل الإقليمي والاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.

تراجعت الصادرات النفطية الخارجية لدول مجلس التعاون خلال عامَي 2019 و2020، وتراجعت أيضاً قيمة إجمالي الصادرات السلعية البينية، كما شكَّل رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد نحو 31% من الناتج المحلي في مجلس التعاون في عام 2019؛ وهي نسبة منخفضة نسبياً مقارنةً مع المتوسط العالمي البالغ 43%. وإجمالاً، انكمش الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون في عام 2020 بنحو -5.2%؛ لكن من المتوقع معاودة النمو بمعدل 2.7% و3.6% خلال عامي 2022 و2023 على التوالي، حسب بيانات المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

منشآت إنتاجية سعودية- البنك الدولي

سيُسهم تحقيق المزيد من التقدم في التكامل الاقتصادي بين دول الخليج في تحقيق إنجازات اقتصادية أكبر؛ ويمكن ملاحظة هذه التطلعات في البيان الختامي (إعلان الرياض)، حيث تم تأكيد أهمية متابعة إنجاز أهداف الرؤى الاقتصادية لدول مجلس التعاون لتحقيق التنوع الاقتصادي، وتعظيم الاستفادة من الإمكانات الاقتصادية والفرص المتميزة لمضاعفة الاستثمارات المشتركة بين دول المجلس، واستكمال ما تبقى من خطوات قيام الاتحاد الجمركي، والتنفيذ الكامل لمسارات السوق الخليجية المشتركة، وصولاً إلى الوحدة الاقتصادية بين دول المجلس بحلول عام 2025م.

مزيد من المكانة العالمية

عادة ما يشير تقدم الدول نحو التكامل الاقتصادي إلى سعي الدول لحماية مصالحها المشتركة من التهديدات الخارجية، كما أنه يُعد أسلوباً لتوفير الأسواق الداخلية الكبيرة اللازمة لدعم القطاعات الناشئة، ومؤشراً على زيادة تفاعل الدول مع بعضها لمواجهة التحديات الاقتصادية الدولية. ولهذا التكامل دور أساسي في تخفيف التوترات بين الدول الأعضاء، كما أن السوق الكبيرة والمستقرة تصبح جذابة للاستثمارات الأجنبية، وتحسين القوة التفاوضية الجماعية للدول الأعضاء مع الدول المهيمنة في الاقتصاد السياسي العالمي.

يمكن أن يكون التكتل الاقتصادي القوي أداة أساسية في تحسين العلاقات مع دول الجوار أيضاً؛ ففي حديثه -مثلاً- عن وفد دولة الإمارات إلى إيران مؤخراً، قال المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، أنور قرقاش، إن الحوار والتعاون الاقتصاديَّين يشكلان جزءاً من إجراءات بناء الثقة مع إيران.

اقرأ أيضاً: هل ستدفع الأزمة الاقتصادية في تركيا إلى تقارب مع السعودية والإمارات؟

تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي إمكانات اقتصادية هائلة وفريدة؛ وهي تمثل اعتبارات مهمة لتعاون الدول، وبالتالي فإن تعاضد دول الخليج يزيدها مكانة وقوة سياسية واقتصادية؛ يقول الكاتب محمد الصوافي، خلال حديثه مع “كيوبوست”: “بلا شك أن وجود موقف خليجي موحد، كما طالبت به القمة الأخيرة، يقوي من الموقف الخليجي؛ سواءً في التفاوض مع إيران التي ترفض دائماً التعامل مع الخليجيين ككتلة لإدراكها مدى فعالية ذلك، أو في إقناع الغرب على الأخذ بالرأي الخليجي. فالاثنان -الغرب وإيران- اعتادا على التلاعب بالمواقف الخليجية المنفردة”.

لقد جاء المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورته الثانية والأربعين ليؤكد مزيداً من الإصرار على اتباع سياسات تواكب التطورات الإقليمية والعالمية، ويؤكد توفر القدرة والإرادة اللازمتَين لاستمرار وازدهار التعاون، وانتهاج أساليب مختلفة للتعامل مع القضايا الساخنة مع التمسك بالمبادئ الأساسية القائمة على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والالتزام بالأعراف والقوانين الدولية؛ وهو ما يجعل الكثير من المطلعين على شؤون دول الخليج العربي يتوقع دخول المنطقة في مرحلة تاريخية مختلفة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة