الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

التصدي للتضليل الإعلامي: دروس من ليتوانيا

كيوبوست- ترجمات

أصدر “مركز التميز الأوروبي لمكافحة التهديدات الهجينة”، في شهر إبريل، ورقة بعنوان “ردع التضليل الإعلامي؟ دروس من التدابير المضادة في ليتوانيا منذ عام 2014″، بقلم فيتاوتاس كيرسانسكاس. وفي ضوء التركيز على التحدي المتمثل في التضليل الإعلامي الروسي، وغيره من التهديدات الهجينة، يقيّم كيرسانسكاس “تطبيق مبادئ الردع على التهديدات غير العسكرية”، وباختصار “محاولات تحدي فكرة أنه لا يمكن ردع التضليل الإعلامي”. ويخلص إلى أن ثني الجهات الفاعلة المعادية تمامًا عن الانخراط في هذه الأنشطة الخبيثة هو استراتيجية أكثر فعالية وكفاءة من محاولة التصدي لها بمجرد حدوثها أو إصلاح الضرر بعد ذلك.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن احتواء “روسيا بوتين”؟

الجدير بالذكر أن لدى ليتوانيا ذاكرة ممتدة من التضليل الروسي فبين عامي 1940 و1990، اُحتلَّت ليتوانيا من قبل الاتحاد السوفييتي، مع انقطاعٍ قصير فقط في أوائل الأربعينيات، عندما انقلب حلفاء السوفييت النازيون عليهم، وغزوا عبر دول البلطيق. وحتى خلال الفترة الشيوعية، كما يوضح كيرسانسكاس، لم يصدق معظم الليتوانيين “الرواية السوفييتية”، ولكن كان على الجميع التصرف كما لو أنهم يصدقونها، لكن هناك أقلية صدقتها حقًا. وفي أعقاب الاحتلال السوفييتي، لا يزال يصدق نحو 20% من الليتوانيين، ومعظمهم من كبار السن، “الرواية السوفييتية”، على الأقل إلى حدِّ الاعتقاد بأن الحياة كانت أفضل في ظلِّ الحكم السوفييتي مما كانت عليه منذ الاستقلال.

توجد أقلية روسية تبلغ حوالي 5% في ليتوانيا؛ أي قرابة 150,000 شخص من إجمالي عدد السكان البالغ ثلاثة ملايين نسمة، وأكثر من نصفهم يشاهدون القنوات التلفزيونية الروسية يوميًا، ويتلقون المعلومات بهذه الطريقة. ومع أن هذا الأمر يثير القلق، فإن سكان ليتوانيا قادرين على الصمود في وجه المعلومات المضللة الروسية، كما يقول كيرسانسكاس:

“ردع التضليل الإعلامي؟ دروس من التدابير المضادة في ليتوانيا منذ عام 2014″

على سبيلِ المثال، رفضتِ الأغلبية في ليتوانيا، بما في ذلك الجيل الأكبر سنًا، الدعاية التي أطلقها الكرملين حول أن ثورة ميدان “فاشية”، وذلك لأن هذه الروايات بنيت وفقًا للأنماط ذاتها التي استخدمها السوفييت ضد حركة الاستقلال الوطني في ليتوانيا، عندما كانت لا تزال محتلة. ومن ثم، فإن هذه الذكرى الحيّة، إلى جانب التضامن الواسع النطاق مع الأمة الأوكرانية ذات الصلة والأهمية التاريخية بين الليتوانيين، حشدت المجتمع وجعلت إدراك خطورة التهديد الذي تشكله المعلومات المضللة أسهل بكثير.

وهكذا، كانت ليتوانيا في وضعٍ جيد للغاية في عام 2014، عندما تعرَّضت لموجةٍ “غير مسبوقة” من الدعاية الروسية، بعد غزو روسيا لشرق أوكرانيا، وضم شبه جزيرة القرم. لكن التضليل الإعلامي الروسي ظلَّ يشكِّل تحديًا.

اقرأ أيضًا: إعادة دمج تتار القرم المسلمين أمر مهم بالنسبة لأوكرانيا

لقد كانت حرب المعلومات الروسية ضد ليتوانيا معقدة للغاية: فقد استهدفتِ المجتمعات المحلية داخل الدولة برسائل محددة ومتنوعة، في محاولةٍ لكسب التعاطف مع وجهة نظر روسيا أو على الأقل لتشويه وجهة النظر الغربية؛ حيث سعى الروس لخلق الانقسامات بين السكان الأقلية والأغلبية في ليتوانيا، وبين السكان والدولة؛ وتشويه صورة ليتوانيا بين الحلفاء، وفصل الدولة الليتوانية في نهاية المطاف عن الغرب الأوسع، من خلال التركيز على المسائل التاريخية المثيرة للجدل مثل “الإبادة الجماعية المزدوجة” لليهود خلال الحرب العالمية الثانية، والترويج لفكرة ليتوانيا كدولةٍ معادية للسامية.

لكن ليتوانيا اتخذت إجراءاتٍ سريعة. بعدما صنّفت التضليل الإعلامي الروسي على أنه “تحدٍ”، انتقلت ليتوانيا الآن إلى الاعتراف بالتهديدات الهجينة التي يشكلها الكرملين “كتهديد ملِّح للأمن القومي”. ويمضي كيرسانسكاس إلى القول بأن ليتوانيا “لم تحشد الحكومة فحسب، بل حشدت أيضًا المجتمع المدني والقطاع الخاص”. وعلى الرغم من أن الحكومة هي الفاعل الرئيس في مكافحة التضليل الإعلامي، فإن الأخيرين لعبا أيضًا دورًا داعمًا مهمًا في تمكين الاستجابة القوية للتحدي الصعب”.

الرئيس الروسي خلال اجتماع مع قادة الجيش بعد توسعات انتشار قوات الناتو في منطقة البحر الأسود.. 2019- “رويترز”

ويتابع كيرسانسكاس بقوله:

عادة ما تكون تدابير بناء القدرة على الصمود في صميم أي مناقشات بشأن مكافحة المعلومات المضللة، ولكن عندما يتعلق الأمر بالاستجابة الفعلية، فقد استخدمت طائفة أوسع بكثير من الأدوات والتدابير في الحالة الليتوانية. وقد أدركت بالفعل في مرحلة مبكرة من الاستجابة بأن إحداث أثر فوري يتطلب اتخاذ تدابير إما لحرمان ]الخصم[ من الفوائد أو فرض تكاليف على السلوك غير اللائق. ومع مرورِ الوقت، تبلورت استراتيجية مكافحة التضليل الإعلامي، وتضمنت عناصر من المرونة والردع، على حد سواء.

اقرأ أيضاً: ترامب يمنح موسكو فرصة الاستيلاء على البلطيق في أقل من 60 ساعة

ويؤكد كيرسانسكاس أنه على الرغم من الاستراتيجيات الكميّة المختلفة المعتمدة لقياس أثر المعلومات المضللة والتدابير المضادة، فإنه من الصعب جدًا في الواقع التأكد بدقة. ومع ذلك، فالأمر الذي لا يخلو من دلالةٍ هو أن الإقبال على وسائل الإعلام الروسية المنشأ في ليتوانيا كان في ازدياد بين عامي 2007 و2017، لكن هذا الاتجاه انعكس بعد ذلك.

وقد تحوّلت المواقف الاجتماعية بشكلٍ حاد إلى رفض الأشخاص الذين يظهرون على شبكات التلفزيون التي يعتقد أنها تبث معلومات مضللة روسية أو تُروّج لها. وفي هذا الصدد، يقول كيرسانسكاس: “يجب تحليل هذه المؤشرات معًا، فالتقييمات المنتظمة تساعد حقًا مخططي السياسات على التوصل إلى استراتيجية أكثر فعالية من حيث التكلفة لمكافحة التضليل الإعلامي”.

مبنى سفارة الاتحاد الروسي مع الشعار الروسي في العاصمة الليتوانية فيلنيوس- AFP

ويخلص كيرسانسكاس إلى أن “التدابير التي اتخذتها السلطات الليتوانية، ودعمتها مبادرات مختلفة أطلقتها وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية، والمجتمع المدني، قد حققت نتائج معتبرة”. لقد أدَّى ارتفاع مستوى الوعي بشأن خطورة المعلومات المضللة بين سكان ليتوانيا، وموقف الحكومة الصارم تجاه القضاء على المنافذ التخريبية، والتغيرات في الممارسة المؤسسية، على مستوى الدولة والمجتمع، إلى إجهاض محاولةٍ روسية أخرى لبثِّ الفتنة في إبريل 2020، حيث قوبلت برفضٍ تام من وسائل الإعلام في ليتوانيا.

اقرأ أيضًا: ليتوانيا تتخذ خطوة مهمة وتصنف “حزب الله” جماعة إرهابية

وختامًا، يقول كيرسانسكاس إن المبادئ التي تتبعها ليتوانيا، وبعض التدابير العملية -مثل التنظيم، وتعريف ماهية “المعلومات المضللة” على نطاقٍ واسع بما فيه الكفاية، والرسائل الاستراتيجية الوقائية- يمكن أن تكون مفيدة في عصرٍ تتعرض فيه العديد من الدول لتهديد التضليل الإعلامي، من الداخل ومن الخارج.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة