الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

الترجمة.. مهارة أنقذت الإرث الحضاري والديني للشعوب

كان من أهم محطات الترجمة عندما ترجم العرب جزءاً كبيراً من الأعمال الإغريقية من اليونانية إلى العربية خلال العهد العباسي

كيوبوست  

كانت واحدة من أهم ما قدَّمه العرب، خلال العصور الوسطى، أن ترجموا نصوص الفلاسفة الإغريق وأنقذوها من الاندثار.. وبفضل الترجمة صار متاحاً الاطلاع على أخبار ومعلومات عن أكثر الأماكن بعداً عنا عبر الصحافة المترجمة، إضافة إلى قدرتنا على الاستماع إلى آراء وأفكار محللين وخبراء من جنسيات مختلفة عبر الدبلجة؛ الأمر الذي يُسهم في الانفتاح على الثقافات والشعوب والآراء المختلفة.

ولا تقف الترجمة عند حدّ الإعلام، إنما للتثقيف أيضاً؛ ولولاها لما تمكنا من قراءة العديد من روائع الأدب العالمي، فبفضلها تحقق الأعمال الأدبية انتشاراً واسعاً بين قراء يتحدثون لغات مختلفة، وهذا ينطبق على الأفلام والمسلسلات العالمية. بينما تعد الترجمة أداة أساسية للوصول إلى المصادر والكتب المهمة في عملية التدريس، والتي كانت ستبقى مقفلة لولا الترجمة.

اقرأ أيضاً: هل تكفي ترجمة الكلاسيكيات بين الأدبَين العربي والروسي؟

ومن غير المعلوم على وجه الدقة متى كانت أول ترجمة، إلا أن الحضارات القديمة عرفت الترجمة؛ فقد ترجم شعراء رومان نصوصاً يونانية قديمة، كالكاتب والخطيب الروماني “شيشرون”، الذي ترجم مفاهيم إغريقية.

ترجمة الكتاب المقدس

ومع أن الحضارات القديمة عرفت الترجمة، إلا أن بعض المؤرخين يعيد بداية الترجمة الفعلية إلى القرن الثالث الميلادي، عندما ترجم القديس جيروم الكتاب المقدس من العبرية إلى اللاتينية، ليعتبر بذلك شفيع المترجمين، وعليه عيِّن اليوم الدولي للترجمة بتاريخ 30 سبتمبر الذي يصادف ذكرى رحيل القديس جيروم.

لوحة جدارية تصور القديس جيروم للرسام “دومينيكو غيرلاندايو”.. 1480م، في كنيسة Ognissanti- فلورنسا.

وشرع القديس جيروم الذي ولد نحو 342م في ستريدون (كرواتيا حالياً)، بترجمة الكتاب المقدس خلال الفترة ما بين 383م- 404م، من العبرية إلى اللاتينية، بعد أن تعلَّم العبرية من يهودي اعتنق الإسلام، إضافةً إلى تعلمه اليونانية، وكانت نسخته سائدة في أوروبا خلال العصور الوسطى.

العباسيون يترجمون الأعمال الإغريقية

وكان من أهم محطات الترجمة عندما ترجم العرب جزءاً كبيراً من الأعمال الإغريقية من اليونانية إلى العربية، وذلك خلال العهد العباسي ابتداءً من منتصف القرن الثامن حتى القرن العاشر.

اقرأ أيضاً: اليوم الدولي لمحو الأمية بهدف خلق عالم خال من الجهل

واعتنى الخلفاء العباسيون؛ كالخليفة “أبو جعفر المنصور”، بترجمة الأعمال الإغريقية التي كانت على حافة الاندثار خلال العصور الوسطى في أوروبا؛ لأنها كانت غارقة بالخرافة، وشملت تلك الأعمال المترجمة عدة موضوعات؛ كالطب والفلك والهندسة، كما ترجم العباسيون مواد فلسفية؛ مثل “ميتافيزيقيا” أرسطو و”تاسوعات” أفلاطون.

واعتمد الخلفاء العباسيون، وأبرزهم الخليفة المأمون، منهجية علمية صارمة لترجمة الأعمال الإغريقية ضمن مهمة اتسمت بالصعوبة؛ لأن اليونانية تنتمي إلى مجموعة لغوية مختلفة عن العربية. كما دفعت الدولة العباسية رواتب مرتفعة للمترجمين؛ مثل الكندي وحنين بن إسحاق وثابت بن قرة وابن الفرخان الطبري، ما ضمن الحفاظ على الإرث الإغريقي، وتراكمية العلم في المجالات كافة؛ ما انعكس على تطور المشهد الثقافي للمجتمع العباسي المبكر.

صفحة مترجمة على يد العباسيين من مجلة “De materia medica” الطبيب اليوناني بيدانيوس ديوسكوريدس

الترجمة كمهنة

مع توسُّع التجارة ووصول الإنسان إلى أماكن جديدة من العالم، بدأ بالاصطدام بلغات مختلفة، وظهرت الحاجة إلى الترجمة بشكل أكبر؛ للتفاهم مع الآخرين وإبرام الاتفاقيات، وسرعان ما تم تطوير مراكز الترجمة في المدن الرئيسية في بعض الدول، كما كانت الأديرة تعنى بالترجمة وتخصص جزءاً من رجالها للترجمة.

وفي بداياتها كمهنة، افتقرت الترجمة إلى الدقة؛ فعندما كان المترجمون يواجهون كلمات لا يعرفونها كانوا ببساطة يتجاهلونها؛ ما كان يؤدي إلى تغير المعنى! وبمرور الوقت لم تعد الترجمة تقتصر على المسائل القانونية والمالية؛ بل شملت في ما بعد تلك المتعلقة بالثقافة والفن.

بينما كان لاختراع الطابعة في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، على يد المخترع الألماني “يوهانس غوتنبرغ”، الأثر الأبرز على توسع الترجمة، فبفضل الطباعة أصبح متاحاً تكثيف إنتاج المواد المطبوعة وبيعها؛ الأمر الذي خدم الترجمة.

اقرأ أيضاً: كيف تجعلك القراءة أكثر ذكاءً وتعاطفاً مع الآخرين؟

واحتضنت مهنة الترجمة مترجمين بارزين؛ أهمهم الهولندي “ويليام تندل”، الذي أُعدم في هولندا عام 1536؛ لأنه عمل على ترجمة الكتاب المقدس إلى الإنجليزية، إضافة إلى الراهب الصيني “إيكسوانزانغ-Xuanzang” الذي ترجم 74 مجلداً عن النصوص البوذية الهندية إلى الصينية عام 645م.

في حين ترجم البريطاني “كونستانس غارنيت”، أبرز الكلاسيكيات الروسية؛ بما في ذلك “ليو تولستوي” و”أنطوان تشيخوف” و”نيكولاي غوغول”، إلى اللغة الإنجليزية في أواخر القرن التاسع عشر.

مع تطور قطاعات مثل الاقتصاد والتجارة تحديداً بعد الثورة الصناعية؛ زادت الحاجة إلى الترجمة التي واكبت تطور الزمن، فبعد الطباعة اليدوية استفادت الترجمة من ظهور الكمبيوتر الذي سهَّل عمل المترجمين، في حين أصبحت الترجمة اليوم متاحة عبر تطبيقات إلكترونية ضمن ما يُعرف بالترجمة الآلية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة