الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون عربية

الترجمة الكاملة لحوار وزير الخارجية السعودي مع معهد واشنطن

كيوبوست – ترجمات

استضاف معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان بن عبدالله آل سعود، في لقاء تحدث فيه عن عدة قضايا مهمة في المنطقة، وذلك بعد انعقاد الحوار الاستراتيجي الأمريكي- السعودي وبالتزامن مع قرب مرور عام على توليه منصبه. “كيوبوست” قام بترجمة النص الكامل للحوار، وإلى نص الحوار..

♦يسعدني أن أرحب بضيفي صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، وزير الخارجية السعودي. صاحب السمو، علمت أن الغرض من زيارتكم للولايات المتحدة هو إطلاق الحوار الاستراتيجي الأمريكي- السعودي. سأفسح لك المجال لتفتتح حوارنا.

– شكراً لك روب، في هذه الأوقات بينما المجتمع الدولي يركز جهوده على محاربة وباء “كوفيد-19″، فإن علاقاتنا الثنائية والدولية وتعاوننا تصبح أهم من أي وقتٍ مضى، وإحدى وسائل الاستمرار في تعزيز تعاوننا الثنائي هي الحوار الاستراتيجي الذي يوفر مساهمة مهمة لشراكتنا التي نشأت قبل خمسة وسبعين عاماً بالاجتماع التاريخي بين الرئيس فرانكلين روزفلت، والملك عبدالعزيز آل سعود، في عام 1945.

الحوار الاستراتيجي يسمح بالمناقشة البناءة لمجموعةٍ واسعة من القضايا ذات الأهمية الاستراتيجية للدولتَين، ويساعد في المحافظة على علاقاتنا المؤسساتية المتينة، وتطوير التعاون الأمني والاقتصادي والعلاقات الشخصية التي توطد شراكتنا.

وزير الخارجية السعودي خلال الحوار

تتولى المملكة العربية السعودية رئاسة مجموعة العشرين لهذا العام، وسوف تستضيف الشهر المقبل مؤتمر قمة مجموعة العشرين الذي سوف يُعقد للمرة الأولى بشكل افتراضي؛ مثل العديد من لقاءاتنا واجتماعاتنا بسبب الظروف الاستثنائية التي تواجهنا جميعاً، ولكنه يبقى اجتماعاً حيوياً في غاية الأهمية.

منذ تفشي الوباء حافظت المملكة على تركيز مجموعة العشرين على مواجهة هذه الأزمة العالمية. ففي شهر مارس الماضي، ترأس الملك سلمان الاجتماع الافتراضي الأول لمجموعة العشرين؛ من أجل تنسيق الاستجابة الدولية الصحية والاقتصادية في مواجهة الوباء، وللتأكد من توفر الموارد الضرورية للعمل على تطوير العلاج واللقاح لهذا الوباء.

وخلال قمة الشهر المقبل لمجموعة العشرين، سوف نحافظ على التركيز على مواجهة الوباء، ليس للمحافظة على صحة وسلامة شعوب دول مجموعة العشرين فحسب، بل كما قال الملك سلمان في لقاء قادة دول مجموعة العشرين في مارس الماضي، إننا نتحمل المسؤولية في مد يد العون إلى الدول النامية والفقيرة في بناء قدراتها وتحسين بناها التحتية لتجاوز الأزمة.

صورة تذكارية لقادة قمة العشرين العام الماضي – وكالات

وقد تم تحقيق بعض التقدم، فقد تعهدت دول مجموعة العشرين بتقديم أكثر من 21 مليار دولار لمواجهة الفيروس وتطوير اللقاحات والأدوية العلاجية. وأكثر من 11 تريليون دولار كأموال محفزة لترميم الاقتصاد العالمي. إن التحدي الذي نواجهه هو تحد عالمي مشترك، فمع أن “كوفيد-19” قد أجبرنا على الالتزام بالتباعد الاجتماعي، وأحياناً على عزل دولنا، فإن طريق الخروج من هذه الأزمة العالمية يكمن في تعاوننا. وعندما نتخطى هذه الأزمة ونفتح دولنا وتعود الأمور إلى سابق عهدها، فإن ذلك سيكون بفضل تعاوننا وعملنا المشترك. ومن هنا تأتي أهمية الشراكة والعلاقات الثنائية القوية، التي ميزت العلاقة والصداقة القديمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية.

في هذا العام، نحتفل بالذكرى الخامسة والسبعين للاجتماع التاريخي بين الملك السعودي عبدالعزيز والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، الذي أرسى دعائم هذه الشراكة. لم تكن هذه العلاقة مفيدة للدولتَين فحسب، بل للعالم بأسره أيضاً. نحن معاً تمكنا من هزيمة الشيوعية، ومعاً قضينا على تهديد “القاعدة” وتنظيم داعش، ومعاً نستمر في محاربة الإرهاب والتطرف من خلال ملاحقة الأشخاص والأموال والعقلية التي يتغذى عليها التطرف العنيف. لكن ليس هذا كل شيء، فقد أسهم تعاوننا كثيراً، ولا يزال يُسهم، في تحقيق الاستقرار والنمو الإقليميَّين، وفي الازدهار الاقتصادي العالمي.

صحيح أن علاقتنا قد مرت ببعض الصعوبات، وكان علينا مواجهة بعض الرياح غير المواتية؛ ولكن الأمر الأهم أننا دائماً تمكنا من إيجاد طريقنا للمضي قدماً؛ لأن عملنا المشترك هو في غاية الأهمية لدولتَينا وللعالم، فعندما نعمل معاً فنحن نبني عالماً أفضل وأكثر أماناً. لقد شهدت منطقتنا حصة كبيرة من الفوضى وعدم الاستقرار، واختبرت عقوداً من التوتر والصراعات، وشهدت تقويض حكومات شرعية وزعزعة استقرارها، وفي أماكن مثل سوريا، فإن ملايين من النساء والأطفال والرجال وقعوا ضحايا الموت والإرهاب وحُرموا من حقوقهم واحتياجاتهم الأساسية؛ ولكن لا ينبغي للأمور أن تسير بهذه الطريقة. فالمملكة العربية السعودية تتبنى سياسة خارجية ملتزمة بالحلول السياسية للتوترات الإقليمية، وخفض التوتر في النزاعات، وإعادة بناء الروابط بين الدول، والعمل المشترك للقضاء على الإرهاب والتطرف، والاستثمار في التنمية الاقتصادية والبشرية.

نحن نريد تحقيق الأمن والاستقرار في شبه الجزيرة العربية والشرق الأوسط؛ كي نتمكن مع جيراننا من الاستثمار في بناء دولنا بدلاً من تمزيقها، لبناء مستقبل أفضل لأجيالنا القادمة. إن هدفنا هو تحقيق تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية في المملكة العربية السعودية بوتيرة ونطاق غير مسبوقَين في تاريخنا الحديث. فمن خلال مبادرة 2030 التي أطلقتها قيادتنا، استثمرت المملكة العربية السعودية مئات المليارات في تنويع اقتصادنا، بينما نتحول إلى قاطرة إقليمية ودولية للنمو الاقتصادي، ونقوم ببناء اقتصاد الجيل القادم، والمدن المستدامة للمستقبل، ونفتح أبوابنا للسياحة، ونخلق الفرص لتمكين النساء والشباب في المملكة. نحن نؤمن بأن نجاح مبادرة 2030 لن يحسن نوعية حياة وفرص المواطنين في المملكة فحسب؛ بل سيسهم أيضاً في ازدهار المنطقة، وسيكون نموذجاً واعداً للتنمية في منطقة من العالم تسعى فيها أيديولوجيات الإرهاب والفوضى إلى المنافسة على مستقبل أبنائها.

تشهد السعودية نهضة في التخطيط

كان بإمكاننا أن نفعل المزيد لو أن منطقتنا كانت مستقرة وآمنة، ولو أن جيراننا كانوا ملتزمين مثلنا بخفض التوترات وحل النزاعات بالطرق السياسية، وبالاستثمار في شعوبنا بدلاً من تغذية الطموحات التوسعية. إن نهجنا نحو المنطقة والعالم يتلخص في بناء الاستقرار والفرص والنمو الاقتصادي من خلال التعاون والعمل المشترك. فعلى سبيل المثال، لعبت المملكة العربية السعودية دوراً مركزياً في التوصل إلى اتفاقيات سلام بين دول القرن الإفريقي، ودعمنا ونستمر في دعم التحول الديمقراطي في السودان؛ ولكن على النقيض من ذلك، تستمر إيران في تركيزها على تقويض صحة وسلامة الدول والمجتمعات، وتدعم علانية مجموعاتٍ وأذرعاً إرهابية، وميليشيات مسلحة وأنظمة قاتلة، وتتدخل حيثما تمكنت لخلق الفوضى وعدم الاستقرار كما فعلت في العديد من البلدان؛ كلبنان والعراق واليمن، وصولاً إلى أمريكا الجنوبية. ويبدو أنه حيثما وجدت الإضرابات في المنطقة تكون إيران حاضرة. لقد أدت سياسات النظام الإيراني ووكلائه إلى الأزمات السياسية والإنسانية التي تحدق بجيراننا في اليمن؛ حيث كانت الأزمة نتاجاً خالصاً لتعنت الحوثيين وتدخل الإيرانيين وأعمالهم العدوانية، فقد قوَّضت إيران وعميلها الحوثي السلم والاستقرار في اليمن؛ ما أدى إلى تفتت مجتمعه المدني، وتفشي اليأس بين أبنائه. لقد ضحت إيران بمصالح اليمنيين من أجل خلق منطقة تعمها الفوضى وانعدام القانون؛ كي تستعملها منصة لإطلاق تطرفها الذي لا يستهدف المملكة العربية السعودية فحسب، بل المنطقة بأسرها والعالم.

يداً بيد مع إخوتنا في التحالف العربي وشركائنا في العالم، نحن ملتزمون باستعادة الحكومة الشرعية في اليمن، وبالسعي بالتعاون مع الأمم المتحدة للتفاوض على تسوية تقود إلى حل سلمي؛ ولكنَّ إيران والحوثيين غير مهتمين على الإطلاق، فهم ينسحبون كلما اقتربنا من تحقيق تقدم محتمل، وكلما اتخذ التحالف خطوات للأمام مثل وقف إطلاق النار أحادي الجانب الذي أعلنّا عنه مؤخراً، يتم رفض هذه الخطوات. فقد استجابت إيران والحوثيون لوقف إطلاق النار الذي أردناه أن يوفر مساحة للحوار السلمي، بالطائرات المسيرة والهجمات الصاروخية. إن المملكة العربية السعودية ودول التحالف لن تتخلى عن شعب اليمن، وفي الوقت نفسه لا يمكننا تجاهل أمننا والدفاع عن دولنا وشعوبنا التي تم استهدافها بأكثر من 300 هجوم صاروخي على أراضينا، كما لا يمكننا تجاهل التهديد المستقبلي المحتمل، والمتمثل في امتلاك إيران الأسلحة النووية واستمرارها في تصدير أجندتها الثورية من خلال سلوكها العدواني والإرهابي.

مقاتلون من الجيش اليمني يرفعون علامة النصر – رويترز

إن شراكتنا مع الولايات المتحدة جوهرية لردع سلوك إيران، ونحن ملتزمون بالعمل معها من أجل منع إيران من امتلاك القنبلة النووية، وكذلك لإنهاء سياسات النظام الإيراني وممارساته في التدخل وزعزعة استقرار دول المنطقة. لطالما مددنا يد السلم لإيران، وكانت لدينا اتفاقيات أمنية معها في الماضي، ودعونا سابقاً الرئيس الإيراني إلى الرياض، ولكن إيران رأت هذه الخطوات فرصة للتمادي في سياساتها التوسعية. ولهذه الأسباب نحن نعتقد أن الاستمرار في تطبيق أقصى الضغوط عليها هو السبيل الوحيد للوصول إلى اتفاق مستدام يضمن تخلي إيران الدائم عن طموحاتها النووية، وتوقفها عن التدخل في شؤون الدول الأخرى، سواء من خلال تقويض استقرارها أو من خلال الأعمال الإرهابية.

هذا جزء من رؤيتنا للسلام والاستقرار في المنطقة التي تضم الشرق الأوسط الكبير أيضاً.

لقد كانت المملكة على الدوام في طليعة الجهود الرامية لتحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، ولتأمين حل عادل وشامل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وقد قدمت المملكة عبر السنين مبادرات سلام من أجل تحقيق والمحافظة على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وعلى أمن الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي. كان هذا هو هدفنا وسيبقى. وسنتابع العمل مع شركائنا للوصول إلى حل سلمي دائم، ونرحب بالجهود المبذولة مؤخراً للتقريب بين الفرقاء للوصول إلى خطة سلام شاملة؛ لأن الخطوة الأساسية في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر اتفاقية سلام بين إسرائيل والفلسطينيين. وهذا أمر ممكن إذا تابعنا الحوار للوصول إلى أهداف مشتركة وتسوية تناسب جميع الأطراف. إلا أن المفاوضات تتطلب وجود شركاء على جانبَي الطاولة، ويمكن للتسوية أن تتم فقط عند وجود أطراف مستعدة للتحاور بنيَّات صادقة، وملتزمة بما يحقق أمن ومصلحة جميع الأطراف.

إن ما حافظ على قوة الشراكة المستمرة منذ ثمانية عقود بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية هو المهمة المشتركة في التقريب بين الأمم والشعوب، وحرصهما قبل كل شيء على السلم والأمن، واعتماد الحوار والدبلوماسية والتفاوض لحل الأزمات.

صحيح أننا ننظر إلى بعض الأمور بشكل مختلف، وهذا أمر طبيعي؛ ولكن على الرغم من هذه الاختلافات الآنية؛ فإن ما هو أكثر أهمية هو أن علاقاتنا قد بقيت قوية، وأننا نستمر بالبناء على الأسس التي أرساها قائدان لم يعرفا بعضهما بعضاً جيداً في حينه، ولكنهما أدركا أن هذه الشراكة يمكن أن تكون مهمة بالنسبة إلى العالم في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. أما الآن فإن تحالفنا أعمق بكثير من مجرد ملك أو رئيس، فهو ليس مجرد تحالف سياسي؛ بل تحالف يخدم مصلحة الدولتَين العليا.

في كل عام يلتحق أكثر من أربعين ألف طالب سعودي بالجامعات الأمريكية، ويسهمون في تقريب مجتمعاتنا وشعوبنا من بعضها بعضاً، ويساعدون على بناء الجسور التي تزيد من قوة صداقتنا بعيداً عن ممرات وقاعات الدبلوماسية في العاصمة واشنطن..

وأثناء انتشار الوباء، قرر العديد من الطلاب السعوديين البقاء هنا بدلاً من العودة إلى المملكة، ووقف طلاب العلوم الطبية في الصفوف الأولى في مواجهة الوباء. فالأمر الأكثر أهمية في نهاية المطاف هو وقوفنا معاً في الأوقات الصعبة في وجه التحديات الكبرى وعدم الاستسلام، والالتزام الدائم بالوصل إلى العالم الآمن الذي تخيله قادتنا الأوائل.

أود أن أشكرك مرة ثانية على إتاحة الفرصة لي للكلام، وأتطلع إلى استكمال الحوار.

♦شكراً جزيلاً، أنا أقدر ملاحظاتك الافتتاحية؛ حيث وضعت على الطاولة العديد من المسائل التي يمكننا مناقشتها في حوارنا. دعنا نبدأ بالمسألة الإقليمية الأولى التي أثرتها في ملاحظاتك، وهي الوضع في شبه الجزيرة العربية في ما يتعلق بالحرب في اليمن. لقد قُلتَ في ختام ملاحظاتك إن المملكة العربية السعودية سوف تسعى دائماً إلى الحلول الدبلوماسية، وقُلت إنكم تبحثون عن حل سياسي لإنهاء الحرب، فما هي خطتكم الآن لإنهاء الحرب؟ هل تطلبون من الحوثيين أن يقطعوا علاقتهم بإيران أم أن هنالك مسائل أساسية أخرى يمكن أن تدفع بهذه الحرب نحو نهايتها؟

– أظن أن الخطوة الأولى هي أن يوقِّع الحوثيون على إعلان مشترك لوقف إطلاق النار؛ فالمبعوث الأممي يحاول منذ عدة أشهر إقناع الحوثيين بالانضمام إلى ما أعلنه التحالف من تعليق لنشاطاته العسكرية. وإذا حدث ذلك، فإنه سيمهد الطريق أمام العملية السياسية، فنحن لطالما قُلنا إن الحوثيين لهم مكان في إطار العمل السياسي في اليمن، وما نطلبه منهم هو أن يلقوا سلاحهم، وأن يركزوا على بناء اليمن من خلال المشاركة في العملية السياسية بدلاً من محاولة فرض إرادتهم بالقوة. آمل أنهم سيغتنمون فرصة الانضمام إلى إعلان مشترك لوقف إطلاق النار، والانضمام إلى العملية السياسية، والمشاركة مع الحكومة اليمنية والأطراف الأخرى المهتمة بالشأن اليمني، ونحن سوف ندعم كل الجهود التي تقود إلى الحل السياسي.

 شاهد: فيديوغراف.. جهود السعودية في مكافحة الفساد

♦هل تعتقد أن هذا ممكن بينما يحافظ الحوثيون على علاقتهم مع إيران، أم أنه يجب على إيران أن تغير من نظرتها إلى ماهية مصالحها في اليمن؟

– أعتقد أن إيران تريد للصراع أن يستمر؛ ولذلك فهي تستمر في تزويد الحوثيين بالسلاح المتطور، بما في ذلك الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة التي لا تمكنهم من استهداف قوات الحكومة اليمنية فحسب؛ بل الأهداف المدنية في المملكة العربية السعودية. ما نريد قوله للحوثيين هو أنه يجب عليهم التركيز على أن يكونوا جزءاً من اليمن، وأن يعملوا لما فيه مصلحة الشعب اليمني، بدلاً من أن يكونوا أداة في يد إيران ويعملوا لتحقيق مصالحها. وعندها سيكون من السهل إيجاد مخرج للأزمة.

الحرائق الناجمة عن الهجمات الأخيرة على منشآت “أرامكو”

♦أعتقد أنك على حق في الإشارة إلى الهجمات الصاروخية ضد أهداف مدنية سعودية، مؤخراً جاء في تقرير لخبراء الأمم المتحدة حول اليمن اتهام لجميع الأطراف بشن هجمات عشوائية، وجاء في التقرير أيضاً أن الضربات الجوية التي تقودها السعودية تستمر في تجاهل إجراءات حماية المدنيين، والآن وبعد خمس سنوات من الحرب سمعنا كثيراً عبارات مثل “يمكن أن تحدث أخطاء”. لماذا تستمر هذه التقارير حول الهجمات العشوائية حتى من جانبكم؟

في الواقع، أنا لم أشاهد التقرير الذي أشرت إليه؛ ولكني أقول إننا نأخذ أي اتهامات بإحداث أضرار أو استهداف مدنيين بجدية بالغة، ونحن لدينا آليات لتحري هذه الاتهامات، وعندما نجد أسباباً تدفعنا للاعتقاد بصحتها فإننا نعترف بها علانية، ونقوم من خلال إجراءاتنا الداخلية بتحميل المسؤولية للمتسببين فيها ومحاسبتهم. نحن نأخذ هذا الأمر بجدية مطلقة، ونلتزم تماماً بعدم تعريض المدنيين في ساحة المعارك للخطر.

اقرأ أيضًا: القيادة القوية ضرورية الآن أكثر من أي وقت مضى

♦هل عثرتم على أي أدلة على هجمات عشوائية أو غير متناسبة؟

لم تحدث أية هجمات عشوائية متعمدة من قِبل التحالف على الإطلاق؛ ولكن هنالك، كما أشرت، بعض الأخطاء التي تقع في الحروب، والتي نشاهدها في حروب أخرى؛ خصوصاً في البيئات المعقدة للمعارك كما في اليمن. ونحن نبذل ما في وسعنا للحد من هذه الأخطاء، وأعتقد أن الأرقام تؤكد ما أقوله.

♦سأنتقل إلى موضوع آخر، أعرف أنك هنا في وسط موسم سياسي، أصدر المرشح الديمقراطي نائب الرئيس السابق جو بايدن، بياناً مؤخراً بمناسبة الذكرى السنوية لمقتل جمال خاشقجي، وأود أن أقرأ عليك بضع جمل من هذا البيان.. “جمال خاشقجي وعائلته يستحقون أن يتحمل أحد المسؤولية، وتحت إدارة بايدن وهاريس، سوف نقوم بإعادة تقييم لعلاقاتنا مع المملكة ولدعمنا لها في الحرب في اليمن؛ كي نتأكد من أن الولايات المتحدة لا تتخلى عن قيمها من أجل أن تبيع الأسلحة أو تشتري النفط”. لن أطلب منك التعليق على المرشحين الرئاسيين؛ ولكن هذا البيان يثير سؤالَين أود أن أطرحهما عليك: أولاً، في مفهوم تحميل المسؤولية، قال متحدثون باسم حكومتك إن الإجراءات القضائية بشأن مقتل خاشقجي قد انتهت، إلا أن الكثير من الأمريكيين، جمهوريين وديمقراطيين، لا يزالون ينتظرون تحميل المسؤولية عن مقتل جمال خاشقجي؛ كيف ستقابل حكومتك هذه المطالبات بالمحاسبة؟ وما المطالبات المشروعة برأيك وما المطالبات غير المشروعة؟

– معك حق، أنا لن أعلق على الشأن السياسي؛ فهذا ليس من شأني، ولكني أقول إنني أتفق مع المرشح ونائب الرئيس بايدن بأن قتل جمال خاشقجي كان عملاً مريعاً وجريمة بشعة، وقد عبَّرنا عن ذلك بقوة. لقد اتخذنا كل الإجراءات الضرورية لمحاسبة المسؤولين. وأنت تحدثت عن تحميل المسؤولية، إن تحميل المسؤولية على مستوى الدولة هو ضمان عدم تكرار الأمر مرة أخرى؛ وهذا الأمر عبَّرت القيادة السياسية مراراً عن التزامها به، وعن التزامها باتخاذ الإجراءات اللازمة ضمن أجهزتها الأمنية لضمان عدم تكرار حوادث كهذه؛ وهذه هي المسؤولية الأساسية للدولة.

جمال خاشقجي

♦هل تعتقد أنه من العدل أن نقول إن الحكومة السعودية أبدتِ التزامها بالمحاسبة، وأنها الآن انتهت من هذه القضية؟

لقد قال ولي العهد نفسه إن الدولة تتحمل مسؤولية سياسية؛ ولكن هذه ليست نهاية القضية، فهنالك عملية إعادة بناء منظومتنا الأمنية، وإيجاد الضمانات اللازمة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث؛ هي عملية مستمرة وتحتاج إلى مراقبة مستمرة، ونحن ملتزمون بذلك تماماً.

♦الأمر الآخر الذي تحدث عنه نائب الرئيس هو إثارة مسألة “إعادة التقييم”، وهذا مصطلح له تاريخ دبلوماسي طويل في علاقات الولايات المتحدة، والعديد من الأمريكيين -ليس بالضرورة من الديمقراطيين فقط- قد وصلوا إلى نتيجة مفادها أن العلاقات الأمريكية- السعودية التي نمت خلال السنوات الخمس والسبعين الماضية لم تعد مقبولة في وضعها الحالي، كيف ترد حكومتك على الآراء التي تقول بالحاجة إلى إعادة النظر في هذه العلاقات، أو إعادة تقييمها، ما طبيعة العلاقة التي ستكون ملائمة من وجهة نظرك؟

أنا هنا الآن للمشاركة في الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، وما رأيته من خلال هذا الحوار هو أن هذه العلاقات لا تزال قوية جداً، والقضايا ذات الاهتمام المشترك والمصالح المشتركة كثيرة جداً؛ وهي تتجاوز كثيراً القضايا التقليدية مثل مكافحة الإرهاب، فهنالك الكثير من القضايا التي نعمل عليها بشكل مشترك، ولدينا تحالفات قوية على مستوى السياسات الإقليمية ومستوى نظرتنا للنظام العالمي متعدد الأطراف. وأنا أعتقد أن أية مراجعة أو إعادة تقييم لهذه العلاقات ستُظهر أنها لا تزال قيِّمة ومفيدة للغاية بالنسبة إلى البلدين وشعبيهما، وأنا واثق بأن أية إدارة سوف تدرك أهمية هذه العلاقات، ونحن سنعمل مع أية إدارة لتعزيزها.

اقرأ أيضًا: إصلاحات السعودية.. رؤية متكاملة نحو التنمية المستدامة

♦لماذا تبدأون حواراً استراتيجياً قبل أسبوعَين من الانتخابات الرئاسية.. وبعد ثلاث سنوات من زيارة الرئيس ترامب إلى الرياض؟

إن الحوار الاستراتيجي هو حوار مؤسساتي؛ إنه حوار مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك أعتقد أنه من الضروري تحييده عن أي محتوى سياسي. نحن ننظر إلى هذه العلاقة على أنها مستدامة؛ لقد استمرت 75 عاماً، ومرت ببعض الأوقات الصعبة؛ ولكنها استمرت في تقديم الكثير من القيم النبيلة. وأنا أعتقد أن الحوار الاستراتيجي الذي يجري اليوم سوف يبرهن على أن تلك القيم سوف تستمر في المستقبل.

ترامب مستقبلاً ولي العهد السعودي – أرشيف

♦دعني أتطرق إلى قضية محلية أخرى؛ ولكنها تثير الكثير من الاهتمام في مختلف الأوساط السياسية في واشنطن، إنها قضية حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية. أعتقد أن من المسائل القليلة التي يتفق بشأنها الحزبان هنا هي مسألة الحاجة إلى إصلاحات في السعودية في ما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان. اسمح لي أن أسألك بشكل مباشر عن الاستمرار في اعتقال لجين الهذلول، وكذلك اعتقال عدد آخر من النساء الناشطات قبل أسابيع من رفع القيود على قيادة النساء للسيارات قبل عامَين. يصعب كثيراً على الأمريكيين أن يفهموا سبب الاستمرار في اعتقال أولئك النسوة.

– نحن متفقون جميعاً على أهمية حقوق الإنسان، وكذلك الأمر بالنسبة إلى القيادة السياسية في المملكة، ونحن نعمل دائماً على تحسين أوضاع حقوق الإنسان في المملكة، وقد أدتِ الإصلاحات الجارية في المملكة إلى تقدم ملموس في هذا المجال، وأعتقد أن الكثيرين يمكن أن يشهدوا على التقدم الحاصل في مجالات عدة؛ مثل قضايا الجلد وتطبيق عقوبة الإعدام، أو القضايا المتعلقة بدور المرأة في المجتمع، وقضايا أخرى عديدة. العمل مستمر؛ هذا الأمر يحدث لأن القيادة السياسية مقتنعة بأن هذه الإصلاحات تخدم مصلحة شعبنا. أما بالنسبة إلى المعتقلات اللواتي ذكرتهن؛ فهنّ لسنَ معتقلات بسبب نشاطهن في مجالات حقوق الإنسان، أو حقوق المرأة، بل هنّ يواجهن اتهامات بجرائم خطيرة، وجميع المواطنين متساوون أمام القانون في المملكة العربية السعودية، وكل مَن يخرق القانون يتعرَّض إلى عواقب. وقد قال الادعاء العام إنه يرى أن هناك جرائم خطيرة، والقضاء المستقل سيقول كلمته، وستصدر المحاكم الأحكام الملائمة. وموضوع إطلاق سراح أي معتقل يرجع إلى القضاء وليس إلى الحكومة.

♦هل تعتقد أن الناس حول العالم الذين يرون في هذه القضايا انتهاكاً لحقوق الإنسان مخطئون؟

– أعتقد أنهم لا يمتلكون كل المعلومات، وربما نكون قد أخفقنا في توضيح الأمر بشكل كافٍ؛ ولكن الأمر لا يرجع لنا؛ إنه بيد المحاكم، فهي التي تبتّ بهذه التهم. أما بالنسبة إلى الطريقة التي يرى بها الآخرون الأمر، فأنا أعتقد أن لكل شخص الحق في أن يرى الأمور كما يفهمها.

♦أنا أصر على إثارة هذه القضية، إنني أعرف مدى أهميتها بالنسبة إلى تطور العلاقات الأمريكية- السعودية، وأنا أدعو بقدر ما أستطيع إلى إنهاء هذه القضية. ما أسباب التأخير في إقفال هذه القضية؟

– أعتقد أنك يجب أن تسأل المحاكم عن هذا الأمر؛ فأنا لا أملك جواباً. أعتقد أن المحاكم تأخذ وقتها كما أعتقد أنه من المهم جداً أن تراجع هذه المحاكم كل الأدلة التي تقدم بطريقة عادلة وصحيحة.

اقرأ أيضاً: استراتيجيات السعودية الجديدة.. صناعات استثمارية تطويرية وعسكرية

يهدد النشاط العسكري الإيراني استقرار المنطقة – رويترز

♦لننتقل إلى القضايا الإقليمية التي ذكرتها في ملاحظاتك الافتتاحية؛ لقد أدليتَ بعباراتٍ قاسية حول إيران ووصفتها بمثيرة المشكلات الإقليمية، أود أن أسألك عن رأيك في السياسة الأمريكية تجاه إيران. بشكل عام هنالك سياستان أمريكيتان خلال العقدَين الماضيَين؛ فإدارة أوباما ركزت على القضايا النووية، الأمر الذي أفضى إلى الوصول إلى ما يُعرف بالاتفاق النووي مع إيران، الذي قُلتَ إن السعودية رحَّبت به، والذي خلق نوعاً من التوازن الإقليمي بين المملكة العربية السعودية وإيران، ثم جاءت إدارة الرئيس ترامب بسياسة الضغط الأقصى التي أفضت إلى زيادة العقوبات؛ ولكنها لم تحقق صفقة أفضل مع إيران. وباستثناء قتل قاسم سليماني، لم نشهد أي تأثير على نشاطات إيران الإقليمية التخريبية التي تجسدت بالهجمات على منشآت النفط السعودية في العام الماضي، والتي لم نشهد رداً مباشراً عليها. يبدو لي أن المملكة ليست سعيدة بأي من هاتين المقاربتَين؛ حيث إن أياً منهما لم تحقق الاستقرار الإقليمي أو تنجح في تجميد البرنامج النووي الإيراني، أو تعزيز الأمن الإقليمي، ماذا تأمل من الإدارة القادمة أن تفعله حيث فشلت الإدارتان السابقتان؟

– يمكنني القول إن حملة الضغط الأقصى تعمل بشكل جيد على الرغم من أن نتائجها النهائية لم تظهر بعد؛ فقد تراجعت قدرات النظام الإيراني على دعم وكلائه في العراق ولبنان وسوريا، وبالتأكيد هم يشعرون بالضغط على المستوى المحلي، كما أنه جرى استنزافهم واحتواؤهم أكثر من ذي قبل. المشكلة في الاتفاق النووي كما فهمت من سؤالك، هي أنه لم يعالج أياً من نشاطات إيران الضارة في المنطقة، سواء من ناحية طموحها الإقليمي، أو دعمها عملاءَها في تقويض مؤسسات دولهم، أو ناحية التهديد المباشر لبرنامج الصواريخ البالستية الإيراني والنشاطات العسكرية الأخرى. ما نأمله هو أن تقبل إيران بالجلوس للحوار مع المجتمع الدولي وبحضور الولايات المتحدة، وكما نعلم، فإن هذه الإدارة كانت مستعدة للجلوس مع الإيرانيين، وهذا أمر رحَّبنا به ودعمناه. ويمكن تلخيص رؤيتنا في توسيع الاتفاق؛ بحيث يغطي الثغرات الموجودة في الاتفاق الحالي كالبرنامج الصاروخي والنشاطات الإقليمية التخريبية. فحسب الاتفاق الحالي، سينتهي حظر توريد السلاح هذا الشهر، وهذا أمرٌ مثير للدهشة، كيف يمكننا أن نرى أن هذا الأمر منطقيٌّ إذا أخذنا ما يجري بعين الاعتبار وليس أقله تصرفات إيران في سوريا ودعمها “حزب الله” والحوثيين، والتفكير في أن إيران ستكون قريباً قادرة على الحصول على أسلحة أكثر تطوراً؛ بما في ذلك معدات يمكنها أن تساعد في زيادة دقة صواريخها البالستية، هو أمرٌ خطير.

نحن بالطبع لا نرغب في مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، أو بيننا وبين إيران؛ بل إيران هي مَن ينثر بذور المواجهة العسكرية. نحن نريد تطبيق الضغط الذي يؤدي إلى المحادثات، ونأمل أن يأخذ الإيرانيون هذ الخيار بدلاً من التلويح بقوتهم العسكرية أو بمنظومتهم الصاروخية، أو بوكلائهم في المنطقة. أعتقد أن الطريق للسلام مفتوح، وكل ما عليهم هو السير فيه.

♦هل ترى أن إدارة ترامب قد مهَّدت الطريق أمام صفقة أفضل مع الإيرانيين؟

– أعتقد ذلك، فكما قلتُ قبل قليل، إذا واصلنا الضغط على النظام الإيراني فإن ذلك سيجبرهم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وأعتقد أنه أصبح واضحاً للجميع أن أي اتفاق لا يغطي الثغرات الموجودة في الاتفاق الحالي سوف يهيئ الأرضية للمزيد من عدم الاستقرار في المنطقة، وسيفشل في توفير الأمن والاستقرار الذي نرغبه ونأمل به في المنطقة.

♦في الوقت الراهن يرى العديد من المراقبين أن الإيرانيين يقومون بعمليات تخصيب اليورانيوم بمعدلات تخرق الاتفاق؛ مما يجعلهم قريبين إلى حدٍّ مخيف من التوصل إلى امتلاك قدرات نووية، فهل يُقلقكم هذا الأمر، وكيف ترون أنه يجب التعامل معه؟

– بالطبع هذا الأمر يثير مخاوفنا إلى درجة كبيرة، ونحن لطالما كانت لدينا شكوكنا بهذا الخصوص، ونحن بالطبع دعمنا هذا الاتفاق مع أننا لم نكن جزءاً منه، وإن كانت لدينا خشيتنا من أن إيران فور استعادة بناء قدراتها الاقتصادية فإنها ستعود إلى خرق الاتفاق في جميع الأحوال. ولأننا نعرف مخاطر سلوك النظام الإيراني الحالي ندرك أنه علينا مواجهة هذه المخاطر بشكل مباشر بدلاً من التظاهر بأن النظام قد تخلى عن طموحه النووي لمجرد أنه وقع على الاتفاق.

♦كمراقب، هل ترى أن مقدار الضغط الذي يمارس على الإيرانيين كافٍ لأن يصل بهم إلى أن يقبلوا بالتفاوض من جديد؟ وهل تعتقد أن الوضع الراهن سيستمر لبعض الوقت؟

– يبدو لنا أنهم يرزحون تحت ضغط هائل، أما بالنسبة إلى المدة التي يستطيعون خلالها الاستمرار في تحمل هذا الضغط فهذا أمر لا أستطيع تخمينه، وما نأمله هو أن يقوموا بتغيير وجهة تركيزهم؛ فهم يجب أن يركزوا على ترسيخ السلم والازدهار والتنمية للشعب الإيراني، وبمجرد تغيير تركيزه فإن كل شيء سيتغير تبعاً لذلك. وإلا فإن الخيار الوحيد لضمان استقرار المنطقة هو الإبقاء على هذا الضغط.

اقرأ أيضاً: التحيز الغربي ضد السعودية.. الاستراتيجية الغربية في الشرق الأوسط واستغلالنا للفرص

♦سأنتقل إلى قضيةٍ أخرى أثرتها في بداية كلامك، وهي عملية السلام العربي- الإسرائيلي. من خلال قراءتي لما بين سطور ملاحظاتك أفهم أنك قُلت إن كل الكلام حول تحقيق أي تقدم سوف يكون عقب التوصل إلى اتفاق فلسطيني- إسرائيلي. يبدو لي ذلك إعادة تأكيد على مبادرة السلام العربية التي تستند إلى أن كل الدول العربية والإسلامية سوف تقيم سلاماً كاملاً مع إسرائيل في اليوم التالي لوصولها إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين. وقد رأينا أن الأحداث الأخيرة قد تحدَّت هذا النموذج، أقصد اتفاقيات التطبيع التي عقدتها كل من الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين مع إسرائيل؛ حكومتك رحَّبت وهنَّأت هذه الدول على خطواتها، وفتحت مجالها الجوي بين هاتين الدولتَين وإسرائيل. هل تتوقع المزيد من الخطوات بهذا الاتجاه كمرحلة انتقالية قبل الوصول إلى اتفاقية سلام شاملة؟

– أعتقد أن تركيزنا الآن يجب أن ينصبَّ على محاولة إعادة الفلسطينيين والإسرائيليين إلى طاولة المفاوضات. ففي نهاية المطاف، الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحقق السلام والاستقرار الدائمين هو اتفاق سلام بينهما. وطالما لم نتمكن من تحقيق ذلك، فسوف يستمر وجود هذا الجرح النازف في المنطقة. نحن ملتزمون بعملية السلام ونرى أن السلام ضرورة استراتيجية للمنطقة، والتطبيع العربي مع إسرائيل هو جزء من هذا السلام، كما تنص خطة السلام العربية التي اقترحتها المملكة عام 1981. نحن ندرك أن التطبيع سوف يتم في نهاية الأمر؛ لكننا نرغب في رؤية دولة فلسطينية واتفاق سلام فلسطيني- إسرائيلي.

♦هل ترى أن الخطوتَين الإماراتية والبحرينية جعلتا هذا الأمر أكثر احتمالاً أمْ قلَّلتا فرص الفلسطينيين في تحقيق السلام مع إسرائيل؟

– كان من نتائج الاتفاق الإماراتي والبحريني مع إسرائيل تجميد ضم المزيد من الأراضي على الأقل في الوقت الراهن. ولا يخفى أن ضم الأراضي كان يمثل تهديداً حقيقياً للسلام. فإذا نظرتَ إلى الأمر من هذه الزاوية، فإن الاتفاق يساعد في تمهيد الطريق للإسرائيليين والفلسطينيين للعودة إلى طاولة المفاوضات. لا يزال هنالك الكثير مما يجب فعله؛ ولكن يمكنك النظر إلى الأمر على أنه إيجابي من هذه الناحية.

♦هل سترحبون باتخاذ دولٍ عربية أخرى خطواتٍ مشابهة نحو التطبيع مع إسرائيل؟

– على هذه الدول أن تقرِّر ما الذي يخدم مصلحتها ومصالح القضايا التي تؤمن بها.

♦هل لي أن أسألك عن مقابلة الأمير بندر الأخيرة؛ حيث أعطى تجربته الشخصية حول هذه القضايا، أعتقد أنه يمكنني تلخيص هذه المقابلة بعبارة “القضية الفلسطينية هي قضية عادلة، ولكنَّ القادة الفلسطينيين قد خذلوا شعبهم مراراً وتكراراً”، هل توافق على هذا الرأي؟

– هذا رأي الأمير بندر، أما أنا فأعتقد أن القادة الفلسطينيين صادقون في رغبتهم في تحقيق الأفضل لشعبهم، والمهم هنا هو العمل معهم ومع الإسرائيليين للمضي قدماً، وهذا ما نحن ملتزمون به.

♦ماذا عن الصدع في مجلس التعاون الخليجي، مضى على الخلاف مع قطر أكثر من ثلاث سنوات، ما متطلبات الحكومة السعودية لإنهاء هذا الخلاف؟ هل لا تزال المطالب الثلاثة عشر التي حددتموها قبل ثلاث سنوات قائمة أم أن الباب مفتوح للمساومة لإتاحة الفرصة للرؤوس الباردة للوصول إلى حل؟

– بالتأكيد، آمل أن تتمكن الرؤوس الباردة من التوصل إلى حلول؛ نحن ملتزمون بالتوصل إلى حل، ومنذ بداية الأزمة عملنا مع أمير الكويت الراحل على حلها، ولا نزال مستعدين للانخراط مع إخوتنا في قطر في جهد مشترك للتوصل إلى حل، ونأمل أن يكون لديهم الاستعداد نفسه، وإذا تمكنا من إيجاد حلول للمسائل الأمنية التي دفعت الدول الأربع لاتخاذ هذا الموقف؛ فإن ذلك سيكون بمنزلة أخبار طيبة للمنطقة، ولكننا يجب أن نعالج مخاوفنا الأمنية المشروعة أولاً. وأنا أعتقد أن هنالك سبيلاً للتوصل إلى ذلك في المستقبل القريب.

 اقرأ أيضًا: السعودية وشركاؤها يستهدفون قلب الإرهاب عبر الممولين

♦متى تعتقد أنه سوف يتم رأب هذا الصدع الخليجي؟

– إن تخميناتك بهذا الخصوص هي مثل تخميناتي.

♦لقد أشرتَ في بداية لقائنا إلى رؤية 2030 التي حظيت بالكثير من الانتباه بسبب الطموحات الكبيرة التي أبدتها المملكة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، وعلى صعيد الإصلاحات الأخرى في المملكة، فهل تسير خطة هذه المبادرة حسب جدولها الزمني المحدد؟

– بشكلٍ عام رؤية 2030 تسير حسب الجدول الزمني، بالطبع نحن تأثرنا كبقية العالم بوباء “كوفيد-19” الذي وضع ضغوطاً اقتصادية واجتماعية وغيرها على مختلف حكومات العالم، وبالطبع المملكة لم تكن استثناءً. فقبل أن يضرب الوباء، كنا قد وصلنا إلى أرقامٍ قياسية في انخفاض مستوى البطالة بين السعوديين، وبالطبع هذا الأمر قد تأثر بشكل كبير بالصدمة الاقتصادية التي سببها الوباء؛ ولكن الجانب الإيجابي هو أننا أقل دول مجموعة العشرين تأثراً بعواقب الوباء، بالخسائر التي عاناها دخلنا القومي هي أقل بكثير من تلك في دول مجموعة العشرين الأخرى. وهنالك العديد من المسائل الأخرى التي لا تزال على الطريق الصحيح؛ مثل نسبة السعوديين الذين يملكون منازلهم، والتي هي الآن في أعلى مستوياتها القياسية، وكذلك التحسن الكبير في قضايا تمكين النساء ومساهمتهن في سوق العمل الذي فاق الخطة المرسومة. كذلك مسألة نوعية الحياة في المملكة التي تتقدم بشكل سريع جداً. ومع أن المشروعات الكبرى قد تتأخر قليلاً في ظهور نتائجها؛ فإنها لا تزال تسير وفق الخطة الزمنية المرسومة بفضل التزامنا بعزل هذه المشروعات عن تداعيات الوباء. وأعتقد أننا فور تجاوز المرحلة الأصعب في مواجهة الوباء سوف نتمكن من تجاوز كل آثاره. فمبادرة رؤية 2030 صمِّمت لتكون في غاية المرونة وقادرة على التعامل مع الأزمات بفاعلية عالية.

تشهد السعودية نقلة اقتصادية

♦ما مدى تأثير استمرار انخفاض أسعار النفط على كل ذلك، في اعتقادي أن متطلبات تنفيذ رؤية 2030 متوفرة على المدى القريب؛ ولكن الاقتصاد العالمي لا يساعد كثيراً؟

– كما ذكرت سابقاً، لقد تأثرنا جميعاً بما أصاب الاقتصاد العالمي، والمملكة العربية السعودية قد أخذت حصتها من هذا الواقع؛ فأسعار النفط ليست حيث نرغب أن تكون، ولكننا نمتلك الاحتياطيات الكافية والقدرة ليس على الحفاظ على مبادرة 2030 فقط؛ بل على ضخ الأموال اللازمة لتحفيز الاقتصاد المحلي لضمان حمايته من تأثيرات الوباء. رغم كل التحديات، فلا تزال المملكة في وضعٍ مالي ممتاز؛ فنظامنا الاقتصادي قوي ومحصن ونحن نقطف ثمار ذلك الآن.

 اقرأ أيضًا: المرأة السعودية تحتفي بالوطن.. والوطن يحتفي بها

♦سؤال أخير، أنت سوف ترجع إلى الرياض، لقد جئتَ إلى هنا في لحظة استثنائية في السياسة الأمريكية، أخبرني وسيبقى الأمر سراً بيننا، عندما يقول لك رئيسك: يا أمير فيصل، أين هي أمريكا اليوم؟ ماذا استخلصت من زيارتك لأمريكا؟ ماذا ستجيب؟

– حسناً سأجيبك على أن يبقى جوابي بيني وبينك وبين بضعة آلاف من أصدقائنا، سأجيب بأن الولايات المتحدة هي ديمقراطية صلبة متينة، تمر بعمليةٍ مثيرة للاهتمام تستحق المشاهدة، ونحن سنشاهدها.

♦هذه إجابة وزير خارجية بحق. أشكرك جزيل الشكر وأقدر إجابتك على هذا الطيف الواسع من الأسئلة.

– شكراً لك، لقد استمتعت بالحوار معك.

لقراءة النص الأصلي: اضغط هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة