الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

التخطيط الحضري لمدن أكثر مراعاة للأنسنة

كيوبوست

بمناسبة مرور 10 أعوام على إصدارها، أطلقت مجلة “ناشيونال جيوغرافيك العربية” التابعة لـ”أبوظبي للإعلام” مجموعة أنشطة ومبادرات تفاعلية؛ من ضمنها جلسة حوارية تحت عنوان: “التخطيط الحضري السليم” مع خبير التخطيط الحضري فؤاد العسيري، وعقدت الجلسة عبر منصة “ZOOM”، حول التخطيط الحضري وأنسنة المدن.

مفهوم ومعايير

لم يتبلور بعد تعريف علمي دقيق لمصطلح “أنسنة المدن”، وفقاً للعسيري، الذي أعاد المصطلح إلى الكلمة المشتق منها؛ وهي “إنسان”. وبديهياً، فأي شيء عكسها فهو غير إنساني؛ ابتداءً من الطبيعة البرية أو الحياة المعتمدة بالكامل على المركبات، فإذا لم يستطع الإنسان الاستغناء عن المركبات عند ممارسة نشاطاته اليومية، فهنا نعلم أن معيار الأنسنة في المكان منخفض، أما إذا راعى تخطيط مدينة أو حي ما احتياجات السكان والمعيار الإنساني، فقد تصل المدينة إلى الأنسنة.

اقرأ أيضًا: أثر التطرف الإسلامي على التشريعات الحضرية في مدن الاتحاد الأوروبي

ويجب عند التخطيط اعتماد معايير يتم الاتفاق عليها ويمكن قياسها؛ ليس من ضمنها الجمال أو المعايير الشخصية، فمن خلال تلك المعايير يمكن إدراك المشكلات وحلها.

خبير التخطيط الحضري فؤاد العسيري- “تويتر”

والمعايير التي يجب مراعاتها عند التخطيط الحضري لبلوغ أنسنة المدن يمكن تلخيصها بأن تضم الأحياء مرافق رئيسية كالمتاجر والمتنزهات ومقرات التعليم والعمل والصحة؛ بحيث لا تبعد أكثر من (800- 900) متر عن أماكن السكن؛ ما يقدر زمنياً بـ(10-15) دقيقة سيراً على الأقدام؛ بحيث يستطيع الشخص القيام بجميع التزامته اليومية ضمن مسافة قابلة للمشي، والتنزه على الأقدام؛ ما يعني التوفير في استخدام الطاقة والموارد ويعطي الإنسان متنفساً خارج إطار المنشآت الأسمنتية في المدن الحديثة. ويجب أن تكون تلك المعايير قابلة للقياس؛ مثل تلوث الهواء.

آثار سلوكية واجتماعية

وتطرَّق العسيري، خلال حديثه، إلى الآثار السلوكية والاجتماعية المترتبة على انعدام التخطيط الحضري، إذ رأى أنه يؤدي إلى ضعف العلاقات الاجتماعية؛ لأن فرصة التقاء السكان في الأحياء غير المؤنسنة شبه معدومة، ففرصة اللقاء الحقيقة تكون أثناء السير باتجاه أي مقصد؛ الأمر الذي تفتقر إليه تلك الأحياء التي ظهرت حديثاً في دول الخليج، خصوصاً مع الطفرة المالية خلال السبعينيات، واليوم أصبحت سكنية حصراً، ويضطر سكانها إلى استخدام السيارات لأبسط الأغراض.

اقرأ أيضاً: الهندسة الاجتماعية.. هكذا يعيد النظام التعليمي بناء الإنسان في الإمارات

ويرى العسيري أن أحد أسباب ذلك هو اتساع مساحة المساكن الخليجية اليوم؛ في السابق كان الفرد في الخليج يستهلك من 30 إلى 40 متراً مربعاً، والآن ما يشغله الفرد السعودي مثلاً يبلغ 80- 95 متراً مربعاً، وهذا يعني أن المرافق التي كانت تبعد عن المنزل 200 متر، صارت تبعد 400 متر. وتباعد المرافق والخدمات داخل الحي أكثر من 10 دقائق، سيمنع السكان من المشي، ويضطرهم إلى استخدام مركبة؛ الأمر الذي يقلل فرص التقائهم.

 أما الحي الخليجي قبل السبعينيات، بما كان يضمه من مكونات وعمدة للحي، وسكان يعرفون بعضهم؛ لأنهم هم أصحاب المهن في الحي، فقد اعتبره العسيري مكتملاً ومشابهاً للنمط الأوروبي؛ ليس من الناحية المعمارية، بل من ناحية الخدمات والأنسنة؛ فهو عالي الكثافة من 4000 إلى 6000 شخص لكل كيلومتر مربع، وفيه أنشطة قريبة ومتنوعة، ولم يكن يشغل مساحات كبيرة.

ومن الطرق التي ممكن اتباعها لحل التبعات المتعلقة بالمساكن الكبيرة كالفلل، أوضح العسيري أنه وفي حالات متقدمة، بإمكان البلديات أن تفرض الرسوم على أصحاب المساكن الكبيرة، من باب المساواة؛ فمن يسكن بمنزل صغير لا يسهم في تلوث الهواء ورفع درجة الحرارة، ولا يسهم في زيادة التنقل بالسيارات، وبالتالي انتشار الأسفلت، كالذي يسكن بمنزل شاسع المساحة!

دور الفرد في التخطيط الحضري

ولفت العسيري إلى أن الاهتمام بالشوارع واتساعها يستحوذ حالياً على الاهتمام الأكبر (كيف تستطيع الشوارع أن تستوعب أكبر قدر من المركبات؟!)، وهي نقطة البداية، وتعد بداية متعثرة؛ فتوسيع الطرق والكباري لحل مشكلة الأزمة يشبه توسيع الحزام لإخفاء آثار السمنة!

ورأى أن الحل يكون بتقليل احتماليات تنقُّل الأفراد من البداية عبر التخطيط، بناءً على طبيعة حركة الناس ضمن مساحة محددة؛ بحيث لا يضطر الفرد إلى أن يتعداها.

اقرأ أيضاً: لماذا نعتقد أن المدن التي يمكن التنزه فيها سيراً هي فقط للسياح؟

قد لا تكون للفرد في مجتمعه صلاحيات تخوِّله اعتماد التخطيط الحضري؛ لكن بإمكانه المساهمة ضمن إمكاناته في محيطه، وَفق العسيري، عبر عدم استهلاك مساحات واسعة للمسكن، وزراعة أشجار مناسبة لطبيعة المكان؛ لا تستهلك كميات كبيرة من الماء، وتنتج كميات من الأكسجين؛ لأن التشجير يقلل من درجة حرارة الأسطح.

كما لفت العسيري إلى أهمية التقليل من استخدام الطاقة داخل المنازل، مشيراً إلى دور الجمعيات المهنية في نشر الوعي عبر طرح موضوعي ومتوازن.

وعلى مستوى الدول العربية، رأى العسيري أن وسط مدينة أبوظبي، هو الأقرب إلى الأنسنة؛ لأنه يضم عدة عوامل، هي: الكثافة العالية، والتنوع بالاستخدامات، وشبكة ممرات المشاة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات