شؤون خليجيةمقالات

التحيز الغربي ضد السعودية: سياق التحيز 1\2

3 عناصر تشكل سياق التحيز الغربي ضد السعودية

كيو بوست – كتب د. منصور المرزوقي

حلقتان يناقش فيهما د. منصور المرزوقي قضية التحيز الغربي ضد السعودية

فيما يخص معضلة التحيز الغربي ضد السعودية، تبرز أهمية التأكيد على أن التشخيص الصحيح للمسألة لا يقل أهمية عن عمليات البحث عن حلول لها. وأنا لا اتفق مع التشخيص الذي يقول «نحن أناس طيبون، وهم أشرار، ولذلك يعادوننا». فعلاوة على أنه ليس بدقيق، هو ترديد لموقف الغربيين نفسه مع من يختلفون معهم.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: مقدمة حول الهجوم الغربي 1/5

قضية التحيز المؤسس ضد السعودية مرتبطة بعوامل عدة على قدر عال من الخطورة. فهناك سياق للتحيز، وهناك الإستراتيجية الأمريكية (الغربية) في الشرق الأوسط، وهناك استغلالنا للفرص.

هذا التحيز المؤسس له سياق، وأول عناصر هذا السياق هو «العالمية الغربية». هناك علاقة بين ما تواجه المملكة ومسألة العنصرية الفلسفية والأخلاقية والقانونية والإستراتيجية الغربية، التي تتمثل في مفهوم «مركزية الغرب». وقد ناقشت هذه المسألة في سلسلة مقالات سابقة، وفي محاضرة ألقيتها مؤخرًا في منتدى الثلاثاء الثقافي. وأعيد هنا وباختصار عرض هذه المسألة.

في العصر الإغريقي، نشأت فكرة العالمية (universalism) كموقف معرفي يتعلق بصفة ما، تشترك فيها أشياء عدة (objects). هذه الصفة هي «عالمية» لدى قائمة الأشياء المعنية. ثم انتقلت فكرة العالمية من المجال المعرفي إلى المجال الديني في القرون الوسطى، فأصبح حق الخلاص الروحي الذي يهديه المسيح -عليه السلام- للبشر، هو حق «عالمي»، بمعنى أنه متاح لجميع البشر. ثم في عصر الأنوار، برزت قائمة قيم أخلاقية استقر النقاش حولها على أنها عالمية، بمعنى أنها موجودة لدى جميع البشر، بغض النظر عن التاريخ والسياق والثقافات والحضارات.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: خطابنا وتعزيز الصور النمطية 2\5

هذه «العالمية» نشأت في سياق غربي، وفق شروط حضارية غربية، وبهذا استحوذ الغرب على مكانة بارزة فيها، تمامًا كما استحوذ العرب على مكانة بارزة في الحضارة الإسلامية. فليس على سبيل الصدفة أن أهم عصرين في الحضارة الإسلامية العظيمة هما العصر الأموي والعصر العباسي، مع ارتباطاتهما الرمزية والأدبية والثقافية والحضارية كافة بالمسافة التي تربط ما بين مكة وسوق عكاظ. لكن الغرب حوّل استحواذه على المكانة البارزة في «العالمية» إلى مركزية عالمية للغرب، ووافق ذلك صعوده اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا، وكمحصلة لما سبق: ثقافيًا وحضاريًا. واستخدمت هذه «العالمية» لتبرير الاستعمار، وها هي اليوم تُستخدم لتبرير الرأسمالية.

هذا الاستغلال الاستعماري/الرأسمالي لمفهوم «العالمية» يمكن أن أسميه (سندات القيم bonds of values).

وبناء على ما سبق، فالغرب، وباختصار، يرى مفهوم الزمن من منظور الاقتداء به؛ بمعنى، حركة التاريخ، والتطور، تعني السير على خطى الغرب والوصول لما وصل إليه. وبهذا، يكون الغرب بطلًا وحيدًا في مواجهة هذا العالم المتخلف. فهو يقف على الضفة الأخرى من البحر ويصرخ باتجاه قواربنا التائهة، محاولًا إرشادنا إلى الطريق إلى بر الأمان. فالوسيلة الوحيدة للتقدم هي عبر الاتصال بالغرب والاقتداء به.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: خطابنا وحضارتنا 3/5

كما تشير جدلية «نهاية التاريخ» إلى انتصار الديموقراطية الغربية، في سياقها الرأسمالي الليبرالي، علي أي فلسفة سياسية أخرى. لكن الوجود القوي للإسلام، حضاريًا وثقافيًا، يتحدى هذه الجدلية. ولا يمكن الحديث عن الإسلام دون الحديث عن السعودية. وللعرب مكانة بارزة في الحضارة الإسلامية. ولا يمكن الحديث عن العرب دون الحديث عن السعودية. في المحصلة، لا يمكن الحديث عن المخاطر التي تتحدى «العالمية الغربية» و«نهاية التاريخ» دون الحديث عن قائمة من الأمور من بينها السعودية. وهو بطبيعة الحال حديث سلبي، على اعتبار أنه يشكك في التفوق الأخلاقي الغربي.

ثاني عناصر سياق هذا التحيز يتمثل في مخرجات «الجدل حول السعودية»، الجدل العلمي، الإعلامي، والسياسي. ويجب التذكير بسياق هذا الجدل والعناصر الفاعلة فيه. بداية احتدام هذا الجدل في الغرب كانت في نهاية الستينيات ميلادية، حيث شكل الخبراء العرب من دول («الجملوكيات» الجمهوريات الملكية، أي الوراثية) التي تصدرت الحركات القومية مصدرًا مهمًا من مصادر المعلومة والتحليل فيما يخص هذا الجدل، إما من خلال تواجدهم في الغرب أو من خلال قدوم المحللين الغربيين إليهم. وانتقلت أفكارهم وصورهم النمطية، التي لها سياقات تاريخية قديمة/حديثة، إلى مخرجات «الجدل حول السعودية».

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: العالمية المتمحورة حول الغرب 4/5

ثالث عناصر سياق هذا التحيز هو ضعف مساهمتنا في الجدل العلمي، في الجدل الإعلامي، وفي الجدل السياسي حول السعودية في الغرب. ماهي الجدليات العلمية الكبرى، في مجال العلوم الاجتماعية، حول السعودية التي كان للباحثين والباحثات السعوديين دور حاسم فيها؟ وما هي القضايا والتحقيقات الإعلامية البارزة حول السعودية التي كان للإعلام السعودي دور حاسم فيها؟ والشيء ذاته ينطبق على التجاذبات السياسية في الفترات الانتخابية في الدول الغربية.

هذه العناصر الثلاثة تشكل من وجهة نظري سياق التحيز المؤسس ضد السعودية في الغرب.

حمل تطبيق كيو بوست الآن على هاتفك الآن، من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة