الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

التحدي الحقيقي لبايدن في مواجهة “كورونا” هو استعادة الثقة في العلم

كيوبوست – ترجمات

“إذا أخبرنا المتخصصون في الصحة العامة والدكتور أنتوني فاوتشي والأطباء أنه يجب علينا أخذه، فسأكون الأولى في الصف؛ ولكن إذا أخبرنا دونالد ترامب أننا يجب أن نأخذه، فأنا لن آخذه”. كان هذا رد نائبة الرئيس المنتخبة كامالا هاريس، عندما سألها منسق المناقشة، في 7 أكتوبر الماضي، عما إذا كانت ستحصل على تطعيم ضد (كوفيد-19)، وهو رد يصور تماماً تسييس رد الولايات المتحدة على جائحة كورونا في ظل إدارة ترامب، المنتهية ولايته، ومدى خطورة الاختلاف بين أتباع الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي في الاستجابة للوباء على الجمهور الأمريكي.

اقرأ أيضاً: من قاعة الحدث.. مذكرات من البيت الأبيض

وقد تحولت السلوكيات؛ مثل ارتداء الكمامات والتباعد الاجتماعي، والتي يجب أن ترتبط بحماية الصحة العامة، إلى تصريحات مشحونة بالانتماء الحزبي، وتم تحريفها وفقاً لاستراتيجية الحملات السياسية؛ ما أسهم بلا شك في ارتفاع حصيلة الوفيات بسبب المرض وتآكل مقلق في ثقة الناس في العلم الذي هو في النهاية السبيل الوحيد للخروج من أزمة الوباء.

ويواجه فريق الصحة العامة لجو بايدن الآن تحدياً ذا شقَّين؛ هما: مواجهة فيروس لا يزال غامضاً لا يُظهر أية علامات على التراجع، وإقناع الجمهور الأمريكي بأن أجزاء من الاستجابة الوبائية التي بدأت في ظلّ إدارة ترامب -لا سيما تطوير اللقاح- لا تزال غير ملوثة بالتأثير السياسي. ولمعالجة هذه المهمة، سيكون لدى الإدارة الجديدة عدد من الخيارات؛ إذ يمكن لبايدن تعيين رؤساء جدد للوكالات الصحية الحكومية الأساسية، بما في ذلك وزير الصحة والخدمات الإنسانية ومدير المعاهد الوطنية للصحة ومفوض إدارة الغذاء والدواء ومدير مراكز الأمراض والوقاية منها.

كامالا هاريس سناتور من كاليفورنيا ونائبة جو بايدن.. أكتوبر 2020- وكالات

وقد انتقد خبراء الصحة العامة الافتقار إلى التوجيه العلمي القوي في هذه الوكالات خلال العام الماضي، ومدى تأثرها الواضح بالبيت الأبيض. وسيكون تغيير القيادة إشارة إلى أن إدارة بايدن ستعطي الأولوية للعلم والنزاهة العلمية، كما ستساعد في استعادة ثقة الجمهور في استجابتها للوباء. ولكن استبدال القيادة قد يأتي بنتائج عكسية أيضاً إذا كان الهدف النهائي هو توليد الاحترام للعلم والعلماء؛ لأن الكثيرين، على الرغم من ضغوط إدارة ترامب، تمكنوا من الثبات على موقفهم وعدم السماح للضغط السياسي بالمساس بالمبادئ العلمية.

اقرأ أيضاً: فوز بايدن وشكل السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط!

وخلال الفترة التي قضاها كرئيس، تلاعب ترامب مراراً وتكراراً باستجابة الصحة العامة لتلبية احتياجاته السياسية الخاصة؛ حيث اعترف في مقابلة مسجلة، في مارس الماضي، بأنه تعمد “التقليل من شأن الوباء” حتى لا “يخلق حالة من الذعر”. كما أشاد بعلاجات لم تثبت فعاليتها؛ لإعطاء الجمهور إحساساً زائفاً بالأمان، وعارض معيار إدارة الغذاء والدواء الأمريكية التي ترمي إلى ضمان أن لقاحات الوباء آمنة، فضلاً عن دفعه صانعي اللقاحات إلى الإسراع في عملية الاختبار السريري؛ حتى يتسنى تحصين الناس قبل الانتخابات.

فريق عمل البيت الأبيض لفيروس كورونا د.أنتوني فوسي ود.ديبورا بيركس ومدير مركز السيطرة على الأمراض والجراح العام جيروم آدامز يستمعون إلى ترامب خلال الإحاطة اليومية في واشنطن.. أبريل 2020- “رويترز”

وإذا اختار بايدن استبدال قادة أي من الوكالات الصحية التابعة للحكومة الفيدرالية، فقد يكون ذلك إشارة للجمهور بأن العلماء المعينين من قِبل الحكومة، والأبحاث والسياسات التي يشرفون عليها، ملوثة بالسياسة ولن تؤدي إلا إلى المزيد من الضرر لأي من نصائحهم الخاصة بالصحة العامة؛ بما في ذلك الحصول على اللقاح في حالة توفره.

وفي الواقع، سيكون الاهتمام الأكبر لبايدن هو تغيير الضرر الذي أحدثته هجمات سلفه على العلم، والتي دفعت الأمريكيين – الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء- إلى الشعور بالقلق من أن السياسة هي التي تدفع تطوير لقاح (كوفيد-19). ففي استطلاع أجرته مؤسسة غالوب في 12 أكتوبر، قال نصف المستجيبين إنهم لن يحصلوا على اللقاح إلا إذا كان مجانياً ومعتمداً من إدارة الغذاء والدواء ومتاحاً في الحال.

ويقول الدكتور هوارد كوه؛ الأستاذ بكلية “تي إتش اتشان” للصحة العامة بجامعة هارفارد ومساعد وزير الصحة والخدمات الإنسانية السابق، خلال إدارة أوباما، إن هذا “سيناريو كابوسي”؛ حيث قامت الحكومة بتمويل تطوير وتصنيع وشراء ملايين الجرعات، لستة لقاحات مرشحة في برنامج “عملية تسريع تطوير اللقاح”؛ ولكن حتى أكثر اللقاحات فعالية لا يجدي نفعاً عند وضعه على الرف.

أصر ترامب على تجاهل التعليمات الصحية والتهكم على أقنعة الوجه على مدار حملته الانتخابية- “أسوشييتد برس”

ويقول مستشار لحملة بايدن، مسموح له بالتحدث مع مجلة “تايم“: “هدف بايدن ضمان سلامة وفعالية اللقاح وضمان عدم تسييس هذه العملية”. لكن مستشار الحملة تمسك أيضاً بتعليقات مثل تلك التي أدلت بها هاريس خلال المناقشة، عندما قالت إنها لن تأخذ لقاحاً يوصى به ترامب. وقال مستشار الحملة: “ترامب هو مَن خذلنا، ترامب هو الذي كذب علينا، وأعتقد أنه من المهم حقاً أن يتم توجيه الانتباه إلى ذلك”؛ لأنه يعكس “مراقبتنا” للوضع.

اقرأ أيضاً: بوادر إيجابية حول تجارب لقاحات فيروس كورونا

وربما تحتاج الإدارة الجديدة أيضاً إلى معالجة حقيقة أن إدارات الصحة المحلية تكافح من أجل مواكبة الطلب على الاختبار وتتبع المخالطين وتنسيق خدمات رعاية (كوفيد-19) من قِبل العيادات المحلية والمستشفيات والمواطنين. فنظراً لأن إدارة ترامب لم تمنح الأولوية لاستراتيجية وطنية للوباء؛ بما في ذلك على سبيل المثال، فرض ارتداء الأقنعة في الأماكن العامة أو حظر التجمعات الجماهيرية. حيث يقول مسؤولو الصحة بالولايات إنه قد “ألقي على عاتقهم مهمة ليس فقط معرفة السياسات التي يجب دعمها؛ ولكن كيفية إيصالها إلى جمهور مرتبك”.

مراكز اختبارات “كوفيد-19” في الولايات المتحدة تشهد ازدحاماً بسبب انتشار الوباء- موقع “بوستن جلوب”

وتعمل مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها مع إدارات الصحة بالولايات وإدارات الصحة المحلية؛ لكن الكثير لا يزال في حالة تغير مستمر ومربك، وفقاً لمسؤولي الصحة. حيث قدمت هيئات الاختصاص الصحي، المكونة في الغالب من إدارات الصحة بالولايات، والتي تمولها مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها من أجل برنامج اللقاح، مقترحات في أغسطس حول عدد الجرعات التي يحتاجون إليها وكيف سيتم تخصيصها. وقد راجعت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها تلك الخطط وأعادتها في نهاية أكتوبر؛ لكن لا تزال هناك أوجه لانعدام اليقين.

اقرأ أيضاً: شركة أمريكية تبدأ في تجريب لقاح جديد لعلاج فيروس كورونا

ولعل أحد الأشياء التي ساعدت الدول في تخطيطها حتى الآن، هو حقيقة أن العلماء المشاركين في برنامج اللقاح -في كل من الحكومة وشركات تصنيع الأدوية– قد اتحدوا في استعراض غير مسبوق لدعم المعايير العلمية الراسخة لتقييم المرشحين للقاح. لكن لن يكون من السهل على إدارة بايدن إقناع الجمهور بالتطعيم عندما يتوفر اللقاح. يقول فريدن: “لقد سمعت من أشخاص في جميع أنحاء البلاد يقولون إنهم لن يحصلوا على (لقاح ترامب). ولكن لا ينبغي أن يصبح (لقاح بايدن) هو الآخر. فالنقطة المهمة هي أنه لقاح كوفيد؛ أي أنه ليس لقاحاً سياسياً”.

الجمهور الأمريكي يشاهد بث المناظرة الأولى بين ترامب وبايدن في سبتمبر 2020 في ويست هوليوود- كاليفورنيا-“سي إن بي سي نيوز”

ويؤكد باحثو اللقاحات، بما في ذلك كبار العلماء الحكوميين، أن السرعة لم تتضمن اختصارات في العلم؛ ولكنها تعكس جزئياً التكنولوجيا المحسنة وراء بعض اللقاحات، بالإضافة إلى مراجعة أكثر كفاءة للبيانات؛ نظراً لإلحاح الوباء. تقول الدكتورة كيلي مور، المدير المساعد لتعليم اللقاحات في البرنامج: “يمكن لإدارة بايدن أن تخفف الكثير من قلق الجمهور بشأن سرعة التطوير من خلال توضيح أنهم لن يضحوا بالسلامة من أجل السرعة”.

اقرأ أيضاً: أزمةكورونا“.. لا أحد يعلم ماذا سيحدث في المستقبل!

وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هي إعادة صوت العلماء إلى مسرح الجائحة؛ حيث تظهر الأبحاث أن الناس يثقون على نطاق واسع في العلماء ومجموعات الصحة العامة، حتى بعد المتاعب التي تعرضوا إليها هذا العام؛ من بينها مسح أجراه باحثون من “اتحاد كوفيد-19 لفهم تفضيلات السياسة العامة عبر الولايات” على أكثر من 21000 أمريكي، في أغسطس الماضي.

ويقول الدكتور إريك تونر، الباحث البارز في مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي: “يجب أن تكون لدى الإدارة حملة اتصال تشبه الحملة السياسية. يجب أن يغمروا وسائل التواصل الاجتماعي وموجات الأثير برسائل الصحة العامة”. كما يقترح الاعتماد على شخصيات علمية موثوقة، بالإضافة إلى المشاهير والزعماء الدينيين وشخصيات المجتمع الأخرى التي يثق فيها الناس للقيام بذلك.

متظاهر يحمل لافتة مناهضة للقاح ترامب في كاليفورنيا.. مايو 2020-” فوربس”

وقبل الانتخابات، حددت حملة بايدن 7 ركائز لاستجابتها للوباء؛ بما في ذلك توسيع الوصول إلى معدات الاختبار والحماية الشخصية، واستثمار 25 مليار دولار في توزيع اللقاحات، وتشجيع ارتداء الكمامات بشكل شامل، وحماية الفئات الضعيفة؛ مثل كبار السن والملونين. لكنها لم تقدم التفاصيل اللازمة لطمأنة مسؤولي الصحة الذين يستعدون الآن لطلب وتوزيع جرعات اللقاحات.

ويقول فريدن: “يجب أن يركزوا على أساسيات الاتصال أثناء حالات الطوارئ. كن الأول، وكن على صواب، وكن ذا مصداقية. قل ما تعرفه، وقل ما لا تعرفه، وقل ما ستكتشف، ولا تفرط في الوعود.. إذا فعلت هذه الأشياء، يمكنك الوثوق بأن الناس ستفعل الشيء الصحيح”. ويتضمن ذلك مساعدة الناس على الوثوق بالعلم الكامن وراء اللقاحات، وفهم أن التطعيم وحده لن يجعلهم محصنين تماماً.

اقرأ أيضاً: بين ألمانيا وأيسلندا وتايوان: ماذا نتعلم من القيادات النسائية في إدارة أزمة كورونا؟

ويجب توعية الناس بأنه لا يوجد لقاح فعال بنسبة 100%، ومهما كانت لقاحات الحماية التي قد توفرها الإدارة. كما يجب على الناس الاستمرار في ارتداء الأقنعة، والحفاظ على التباعد الاجتماعي وتجنب التجمعات المزدحمة حتى يقرر مسؤولو الصحة أن الفيروس تحت السيطرة.

ووعد بايدن وهاريس في خطتهما بـ”الاستماع إلى العلم” و”استعادة الثقة والشفافية والغرض المشترك والمساءلة لحكومتنا”؛ ولكن هنا أيضاً يقول الخبراء إن الخطة لا تتعمق بما يكفي حول كيفية الفوز بهذه الثقة. وبعد أشهر من المعلومات المضللة والتدخل الحزبي في الصحة العامة، قد يكون الاتصال هو التحدي الأكبر لبايدن، أما المخاطر الكبيرة فستكون وعوداً حاسمة يجب الوفاء بها إذا كان لدينا أي أمل في احتواء فيروس لا يحترم الحدود الوطنية أو الأحزاب السياسية.

  • الكاتبة: جيمي دوكرمي؛ محررة مجلة “تايم” لشؤون الصحة.
  • الكاتبة: أليس بارك؛ كاتبة في مجلة “تايم”، مهتمة بقضايا مثل الإيدز والقلق ومرض ألزهايمر. أحدث كتاب لها بعنوان «الأمل في الخلايا الجذعية: كيف يمكن لطب الخلايا الجذعية أن يغير حياتنا».

المصدر: مجلة تايم

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة