الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

“التجسُّس” على السفارات يتصاعد: مَن يُعرقل تحسين القوانين “الحِمائية”؟

وفقًا للقانون الدولي، هل يجوز التجسس على السفارات الأجنبية في البلاد؟

كيو بوست – 

على ضوء عمليات التجسس المتصاعدة بحق سفارات وقنصليات الكثير من الدول في السنوات الأخيرة دون رادع أو حساب، يُجمع خبراء القانون الدولي والعلاقات الدولية على اعتبار اتفاقيتي فيينا لعام 1961 الناظمة للعلاقات الدبلوماسية بين بلدان العالم، وكذلك ما يتصل بالسفارات والممثليات القنصلية لعام 1963، غير محّدثتي النصوص والبنود، خصوصًا في ظل افتقارهما لنص صريح بشأن تجريم التجسّس على المملثيات والبعثات الدبلوماسية، لا سيما مع تطور الوسائل التقنية والرقمية التي باتت تعمتد عليها جهات عدة في التنصت والتجسس على هذه المُنشآت المحمية بموجب القوانين سالفة الذكر.

اقرأ أيضًا: تركيا تجسست على القنصلية السعودية وعلمت بمقتل خاشقجي قبل أيام من الحادثة

وفي هذا الشأن، يقول أستاذ القانون الدولي الدكتور محمد صافي إن الاتفاقيتين اللتين تنظمان الحقوق والواجبات على كل من سفارات وقنصليات الدول الموفدة أو المستقبِلة، لا يوجد فيهما نص صريح ودقيق بشأن حماية هذه الأجسام الدبلوماسية من أعمال التجسس، سواء من الدولة المستضيفة أو أية جهة عالمية أخرى.

 

بند “حرية الاتصال” يُجرّم التجسس

ومع ذلك، لا يرى صافي أن هذه بمثابة الثغرة الكبيرة؛ فبالرغم من عدم وجود بند محدد، إلا أن مجرد اشتمال نصوص هذه الاتفاقيات على ضمان “حرية الاتصال” للسفارات والقنصليات، فهذا يعني أنه يتعين على الدولة المستقبِلة (الموفد إليها) أن تهيئ للبعثة، سواء كانت دبلوماسية أو قنصلية، أن تتواصل مع مَن تريد لتسهيل عملها ووظيفتها دون أي تدخل أو اعتراض. وهذا التعبير يضمن بالمحصلة -وواقعيًا- عدم التجسس عليها، وعلى وسائل اتصالها بغض النظر عن الطريقة.

ويضيف صافي في حديث خاص إلى “كيو بوست“: “ما دمنا نضمن لها التواصل بكل الطرق فهذا معناه أن نُيسّر لها عملها، وأن نمتنع عن أي عمل غير مشروع، وفي مقدمته التجسس على أعمال السفارات والقنصليات، وألا نكون قد أوجدنا الحق من ناحية وقضينا عليه من ناحية أخرى”.

وبالتالي، من مقتضيات ومؤديات المادة الحافِظَة لحرية الاتصال المنصوص عليها في اتفاقية فيينا وحماية البعثات الدبلوماسية هو عدم التجسس، بالرغم من عدم وجود نص صريح، كما أن التجسس بحد ذاته هو عمل محظور من مُنطلق القانون الدولي.

اقرأ أيضًا: القصة الكاملة لجريمة قتل خاشقجي: من تحري العدالة إلى تحقيق المكاسب

وبخصوص حاجة اتفاقيتي فيينا والعلاقات القنصلية للتعديل، يقول محمد صافي: “كما هو معلوم، فإن الاتفاقيتين تم إبرامهما مطلع ستينيات القرن الماضي، وحينها كانت وسائل الاتصال والتجسس تقليدية، فيما تطورت الآن بعد كل هذه السنين. وبالتالي هناك اتجاه قوي جدًا، ورغبة من المجتمع الدولي عمومًا، في تعديل الاتفاقيتين كي تتلاءما مع المستجدات بشأن الاتصالات بصفة خاصة”.

 

هل تُحاسب الدولة القائمة بجُرم التجسس؟

في جميع الأحوال، وبناء على النصوص القائمة، يرى صافي أنه في حال ثبتت قضية التجسس على سفارة وقنصلية أي دولة من أي جهة كانت، يعتبر ذلك بحد ذاته عملًا غير مشروع ارتكبته الدولة الموفد إليها، وخالفت التزامها بضمان حرية الاتصال للبعثة وعدم التدخل بشؤونها.

ويعتبر هذا سلوكًا غير مشروع دوليًا، وقد سبّب ضررًا للدولة الموفِدة، وبالتالي يمكن للأخيرة أن تباشر ما يسميه القانون الدولي العام بـ”دعوى” المسؤولية الدولية؛ بغية إقرار مسؤولية الدولة التي ارتكبت الفعل المُشار إليه. وعندئذ، تلتزم بتقديم التعويض المناسب لإصلاح الضرر الذي وقع.

 

التجسس: اعتداء على السيادة

يتفق أستاذ العلاقات الدولية، الخبير الإستراتيجي في أبو ظبي، الدكتور محمد عصام العروسي، مع صافي في “أننا نفتقر إلى النص الصريح في اتفاقية فيينا، وما لحقها من اتفاقية بشأن الأعمال القنصلية، الأمر الذي من شأنه أن يحمي السفارات وبقية الممثليات من أية أعمال تجسس (في حالات السلم لا الحرب)”، لكن العرّوسي يشدد على أن البند الداعي إلى حماية هذه المنشآت القنصلية والدبلوماسية من أي اعتداء يشكل مقتضىً ضمنيًا؛ أي أن التجسس يدخل في مجال الاعتداء على سيادة الدولة الموفِدة، وهو تجاوزٌ لمتطلباتها.

وفي الوقت ذاته، يمكن الاستناد إلى هذه المادة القانونية لتكون من دوافع مطالبة الأمم المتحدة بإجراء تحقيق في أي حالة تثبت تعرض سفارة أو قنصلية ما لعملية التجسس. غير أن الدكتور محمد العرّوسي يعود ويؤكد في حديثه إلى “كيو بوست” على “أنه لو توفر نص صريح حول التجسس لكان أفضل”.

اقرأ أيضًا: صحافة أجنبية: إردوغان جزء من المشكلة في قضية خاشقجي

ولأن اتفاق فيينا جاء مقتضبًا جدًا، ولم يشتمل على “الميكانيزمات” والآليات الكفيلة بحماية السفارات والقنصليات من التجسس، ما مثّل فراغًا قانونيًا، كما يعتقد العرّوسي، فإن هناك مقترحات وتوصيات جديّة قدمتها أطراف عدة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، لمحاولة تدارك هذا الفراغ في القانون الدولي، على أمل معالجة مثل هذه القضايا التجسسية.

 

مَن يُعرقل تحسين اتفاق فيينا.. ليشمل التجسس؟

بيدَ أن الغريب أنه لم يتم التعديل والتحسين والتطوير رغم كل هذه المطالبات، ما يطرح سؤالًا هو: “مَن يُعرقل التعديل؟! ولماذا؟!”.

يعلل الخبير الإستراتيجي الدكتور محمد العرّوسي ذلك قائلًا بأن قضية التجسس ترتبط بتوازنات دولية وإقليمية، هذا إن علمنا أن دولًا غربية وعُظمى (مُفترض أن تكون حليفة) تورّطت هي الأخرى في عمليات التجسس على بعضها، كما هو حال التسريبات التي أظهرت أن الاستخبارات الأمريكية قد تجسست على مكالمات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أكثر من مرة. كما ووقعت حالات تجسس إسرائيلية على البيت الأبيض، وقد اعتقل متورطون. والأمثلة في هذا المضمار تطول.

ولهذا، يقول العرّوسي إنه لا توجد رغبة لدى الأطراف الدولية، خصوصًا المؤثرة، بإصلاح القانون الدولي فيما يخص قضايا التجسس على الدول وقنصلياتها وسفاراتها؛ فالصراعات العالمية تحول دون إصلاح الأمم المتحدة ومعاهداتها واتفاقياتها وحتى منظومتها والجوانب المعيارية في القانون الدولي.

ومعنى هذا، أن المطالبات الحقوقية والدبلوماسية لإصلاح القوانين والاتفاقيات تراوح مكانها، ولم تجد صدى لدى القوى الكبرى؛ لأن الإصلاح يعني ضمان العدالة للجميع، وهذا ما لا تريده الدول المتنفّذة التي تسعى لتكون هي “السيدة”، بناء على قوانين “آمِرَة”.

 

ما هي مضامين الإصلاح والتطوير في القوانين؟

يؤكد محمد العرّوسي أنه يجب تلافي الفراغ في القوانين والاتفاقيات الدبلوماسية في المستقبل القريب، موضحًا أن من الضرورة بمكان أن تطال جوانب التطوير والإصلاح أدوات القانون الدولي والجانب “الحِمائي”؛ لتوفير حماية أكبر للسفارات والممثليات القنصلية، للحيلولة دون حالات التنصت والتجسس عليها، كما حصل في حالة تركيا التي تكشف التقارير الدولية أنها اقترفت هذا الاعتداء التجسسي؛ إذ كانت على عِلم مُسبق بواقعة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي قبل وقوعها، وكذلك الحال بالنسبة لبريطانيا والولايات المتحدة اللتين كانتا على علم مسبقٍ، وفق ما تكشفه تقارير استخباراتية.

اقرأ أيضًا: صحافة دولية: لماذا عمل إردوغان على “تسييس” و”تدويل” قضية خاشقجي؟

كما يشدد الدكتور العرّوسي على إمكانية أن يشمل الإصلاح القانوني عمليات “التجسس الإلكترونية”، الذي تمارسه روسيا بنشاط كبير بحق السفارات والكثير من الدول، وهو حال إيران التي تحاول الحصول على أحدث التقنيات والتكنولوجيا للتنصت على دول المنطقة المستهدفة من طرفها.

 

التجسس عمل غير قانوني.. حتى بدون نص صريح!

لم تختلف كثيرًا وجهة نظر خبير القانون الدولي الدكتور محمد الشلالدة، عن زميليه محمد صافي ومحمد العرّوسي، في التأكيد على أن مسألة التجسس، من ناحية المبدأ، تحدث خارج القانون الدولي، وإن لم يتوفر النص القانوني الصريح الذي يُدينه ويُحرّمه؛ لأن إجازة التجسس تعني أننا فقدنا نصوص اتفاقية فيينا، التي تضمن للدول القيام بمهامها القنصلية والدبلوماسية على أكمل وجه، ودون أي تدخل أو مُضايقة.

ويقول الشلالدة في حديث مع “كيو بوست” إن هناك إمكانية لمساءلة ومحاسبة أي دولة على اقترافها أي اعتداء أو إخلال ضد القنصليات والممثليات الدبلوماسية، ولكن هذا يكون ضمن مبدأ “كل حالة على حدة”، وفق اتفاقية فيينا.

ولأن الدولة المضيفة مهمتها حماية البعثات الدبلوماسية والقنصليات على أراضيها وتقديم الامتيازات والحصانات لها، فإنه يُحظر القيام بالتجسس عليها أو أي أعمال أخرى مخالفة للقانون. وهنا، تنعقد المسؤولية الجزائية والمدنية -وفقًا لاتفاقية فيينا- إذا ثبُت قانونًا وجنائيًا وماديًا أن هذه الدولة أو تلك قامت بالتجسس، وانتهكت القواعد العرفية المعمول بها في القانون الدبلوماسي، بحسب محمد الشلالدة.

 

نوعان من المسؤولية في القانون الدبلوماسي..ما هُما؟

ويتحدث الشلالدة عن نوعين مِن المسؤولية في القانون الدولي والدبلوماسي؛ مسؤولية دولية تتحملها الدولة كشخص من أشخاص القانون الدولي، ويمكن حلها بالوسائل السلمية أو بالطرق القضائية، كالتحكيم الدولي ممثلًا بمحكمة العدل الدولية، في نزاع قانوني بين دولتين، وهُنا ينعقد جبر الضرر والتعويض.

وأما في موضوع التجسس، فتنعقد المسؤولية الجنائية، إذ يُقدّم مَن أعطى أمرًا بالتجسس للمحاكمة في محفل قضائي دولي.

اقرأ أيضًا: نظريات المؤامرة في تركيا: كيف تحولت جريمة خاشقجي إلى مؤامرة سياسية؟

ويبين الشلالدة أن هناك أنواعًا ثلاثة من الحصانات التي يتم منحها للبعثات الدبلوماسية والمبعوثين الدبلوماسيين الذين يجب أن يتمتعوا بالحماية وفق الاتفاقيات الدولية والأممية؛ ألا وهي الحصانة الجنائية أو المدنية أو الإدارية، وهذا متفق عليه بين الدول.

والحكمة من منح هذه الحصانات ليست التعسف في استغلال السلطة من هذه الحصانات، وإنما تسهيل المهمة الوظيفية أو الرسمية للمبعوث الدبلوماسي خلال تواجده بالدولة المضيفة، وهذه الفلسفة من إعطائه الأنواع الثلاثة من الحصانات؛ لأن مهمة المبعوث الدبلوماسي هي التمثيل (بمعنى يمثل رئيس الدولة أو الملك، ويتفاوض باسم دولته، ولديه صلاحية حماية الرعايا الذين يحملون جنسية دولته).

تجدر الإشارة إلى أن الاتفاقية الخاصة بالحصانات القنصلية لعام 1963 تمنح القناصل والبعثات القنصلية حصانة، ولكن أقل من مستوى الحصانة الممنوحة للدبلوماسي على مستوى السفارات في دول العالم.

ختامًا، يمكن القول إن ظاهرة التجسس قديمة اقترنت بالعمل الدبلوماسي منذ العهد البيزنطي، كما يؤكد المؤرخون والقانونيون معًا. لكن في المرحلة الحالية، أصبح التجسس أكثر وضوحًا وبروزًا مع تطور التقنيات والرقمية.

ومن هُنا، فرض الموضوع نفسه على الساحة، وبات يُعرّض السلم العالمي للخطر دون عقاب؛ فالقانون الدولي لم يواكب هذا الكم من التطور الحاصل على المستوى التقني والتكنولوجي، الأمر الذي استغلته عواصم طامعة لتحقيق مآربها بغير حق.

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة