الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

التاريخ البديل للصين

كيوبوست- ترجمات

أندرو ناثان♦

صعود الصين المتسارع والدور الذي أصبحت تلعبه كقوة عظمى مؤثرة على المسرح العالمي، جعلا منها موضوعاً للبحث والتحليل عند المختصين بالعلوم السياسية والسياسات الخارجية. ومن هؤلاء أندرو ناثان، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا، الذي كتب مقالاً مطولاً يبحث ويناقش فيه المسار التطوري الذي اتخذته الصين والمسارات البديلة التي يقول بعض الباحثين إن الصين كان من الممكن أن تسلكها.

يشير ناثان، في مطلع مقاله، إلى زيارته إلى الصين عام 1988؛ حيث كان معدل التضخم الرسمي عند 18.5%، وكانت نسبة 21% من العمال في المدن يعانون تدهور مستوى معيشتهم. ويتذكر ناثان أنه كتب مقالاً بعد زيارته، قال فيه: “يبشر عام 1988 ببداية موسم السخط الذي ربما سيكون فريداً في تاريخ الصين بعد الثورة”.

كان مثل هذا المزاج القاتم مفاجئاً بعد عقد من بدء “حملة الإصلاح والانفتاح” التي بدأها الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ، والتي حققت نجاحاً ملحوظاً تضاعف من جرائه الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بين عامَي 1978 و1988. وفي عام 1988، أعلن رئيس الوزراء تشاو زيانغ، الخطوة الإصلاحية التالية؛ وهي تحرير نظام الأسعار في الصين، ولكن قبل أن يبدأ تنفيذ الخطة بدأت الشركات في رشوة الموردين للحصول على أكبر قدر من المواد قبل ارتفاع الأسعار، وتدفق الناس إلى المتاجر لشراء كل ما يمكنهم العثور عليه؛ تفاقم الفساد وارتفع التضخم، مما دفع تشاو زيانغ إلى التراجع عن الخطة. وبقيت الصين عالقة في اقتصاد هجين مختل، نصفه اقتصاد سوق ونصفه الآخر اقتصاد مخطط مع الأخذ بأسوأ ميزات كليهما.

اقرأ أيضاً: المجاعة الصينية.. كيف ضحى “ماو” بـملايين الأشخاص لقتل العصافير!

أدت حالة الشلل إلى إثارة الاستياء الشعبي بشكل كبير، وفي عام 1989 بدأ الطلاب في بكين بمظاهرات تطالب بالديمقراطية في ميدان تيانانمين، وسرعان ما انضم إليهم آلاف العمال والموظفين الحكوميين، وعندما انتشرت المظاهرات في مختلف أنحاء البلاد قرر الرئيس الصيني استخدام القوة. كان شياو يرى أنه من الممكن إنهاء الاضطرابات دون استخدام العنف؛ ولكن دينغ أزاحه من منصبه، وأمر الجيش بدخول بكين وقمع الانتفاضة، فأنهى بذلك سنوات من الانفتاح، وتطورت الصين لتصبح النظام الشمولي عالي التقنية الذي نعرفه اليوم.

يرى ناثان أن رئيس الوزراء الصيني تشاو زيانغ ابتكر تدابير وأفكاراً اقتصادية جديدة لتحقيق هدف الرئيس دينغ شياو بينغ، واستمع إلى نصائح العلماء والمستشارين الشباب، ودعا الاقتصاديين الغربيين البارزين، وخبراء من أوروبا الشرقية؛ لمناقشة إيجابيات وسلبيات اقتصاد السوق. كان تشاو مصمماً على اللحاق بركب الدول الغربية إلى حدود “الثورة التكنولوجية الجديدة”، وأنشأ مؤسسات لتعزيز التطور السريع في سبعة مجالات رئيسية؛ هي: تكنولوجيا الفضاء، والمعلومات، والليزر، والأتمتة، والطاقة، وهندسة المواد. وفي هذه المرحلة، رأت حكومات الولايات المتحدة واليابان والعديد من الدول الأخرى أن نقل التكنولوجيا إلى الصين يخدم مصالحها.

وعلى الرغم من أن الإصلاحات قدمت بعض حوافز السوق إلى الاقتصاد؛ فإنها لم تكن مصممة بأي شكل من الأشكال لتحدي هيمنة الحزب، واستمرت الدولة في السيطرة على مفاصل الاقتصاد الرئيسية واحتفظت بملكيتها للمؤسسات الاستراتيجية، بينما كانت أجهزة الدعاية الرسمية تتحايل على كتابات ماركس للتسويق لفكرة أن ما يقوم به تشاو كان متسقاً مع أيديولوجية الحزب الشيوعي الحاكم.

الرئيس الصيني دينغ شياو بينغ مع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر- أرشيف

أدرك الرئيس دينغ أن النجاح في تحديث الاقتصاد لا بد أن يترافق مع إجراء تغييرات معينة على النظام السياسي في البلاد، وسعى إلى إصلاح نظامه من خلال الحد من التدخل غير المبرر لمسؤولي الحزب في قرارات الجهات الاقتصادية الفاعلة، وطرح مسألة الإصلاح السياسي لأول مرة في خطاب ألقاه عام 1980، ومنع مسؤولي الحزب في الشركات المملوكة للدولة من التدخل في إدارة هذه الشركات، وأطلق على هذه السياسة تسمية “الفصل بين الحزب والحكومة”، وبدأ كبار المسؤولين بطرح أفكار وشعارات تميل إلى الترويج إلى ما كان يعتبر في الصين أفكاراً راديكالية وليبرالية مرفوضة.

وفي عام 1987، طلب الرئيس دينغ من تشاو زيانغ، مرة أخرى، إعداد مجموعة من الاقتراحات لإصلاح النظام السياسي؛ لطرحها في مؤتمر الحزب القادم، وشكل تشاو فريقاً من الخبراء الذين قدموا مجموعة من المقترحات والإجراءات الإصلاحية لتطوير وإعادة تشكيل النظم السياسي في الصين؛ بحيث تعزز أداء الحزب الشيوعي والحكومة في الوقت نفسه، بحيث يمكن لكلا الكيانَين قيادة الإصلاحات الاقتصادية بشكل أكثر فعالية دون التخفيف من قبضة الحزب على السلطة.

اقرأ أيضاً: كيسنجر يجيب عن أسئلة الغرب المُلحة.. عن الصعود الصيني ومسائل أخرى

وفي الجزء الأخير من مقاله، ينوه ناثان بمبالغة المؤرخين الصينيين والغربيين في تضخيم دور دينغ شياو بينغ في إصلاح بلاده. ويرى أن هذه المبالغة لم تكن وليدة الصدفة؛ بل كانت نتاج جهد منسق من قِبل النظام لتصوير دينغ على أنه “المهندس الأول للإصلاح والانفتاح”، من أجل طمس أفكار تشاو الأكثر ليبرالية من الذاكرة الشعبية.

رئيس الوزراء الصيني السابق تشاو زيانغ- أرشيف

لا شك في أن تشاو كان يحمل نزعة إصلاحية منذ بداية حياته المهنية. كان رئيس وزراء رائداً في التغيير في مقاطعة سيشوان، وكان منفتحاً على استشارة الاقتصاديين الغربيين، والاستماع إلى مقترحات جريئة في الإصلاح السياسي من المثقفين الحزبيين وغير الحزبيين. وفي الثمانينيات تبنى فكرة أطلق عليها تسمية “الاستبداد الجديد”، وتقول إن الحكم الاستبدادي ضروري لدفع نظام متمرد نحو الديمقراطية. وعلى الرغم من أنه عبَّر في إحدى المقابلات التي أجراها أثناء إقامته الجبرية عن اهتمامه بـ”الديمقراطية البرلمانية”؛ فهو لم يكن يفكر على الإطلاق في التعددية الحزبية. وقال “كنت أعتقد أن المركز القيادي للحزب الشيوعي الصيني لا يجب المساس به؛ لكن شكل قيادة الحزب هو ما ينبغي له أن يتغير، وإن الدولة الاشتراكية يجب أن تكون دولة القانون”. وكانت أولويات تشاو هي: زيادة الشفافية، وتعزيز قدرة الأحزاب السياسية الأخرى والمجموعات الاجتماعية من النقابات العمالية إلى المنظمات النسائية، وحماية حقوق المواطنين، وترسيخ الفصل بين الحزب والدولة.

اقرأ أيضاً: الصين تمنع الجدل التاريخي وتجرم الاستهزاء بالأبطال

ومن هنا يخلص ناثان إلى أن الصين كانت ستبقى دولة الحزب الواحد حتى ولو أن تشاو تمكن من التغلب على دينغ والمضي قدماً بإصلاحاته؛ فهو كان سيواجه المهمة المستحيلة في التوفيق بين الحرية السياسية الشعبية واحتكار السلطة السياسية. ويرى أن سقوط تشاو كان أمراً لا مفر منه. وعلى الرغم من إقصاء تشاو وعقليته المنفتحة؛ فإن النظام السياسي الصيني في ظل الرئيس شي جين بينغ، يشبه إلى حد كبير النظام الذي تصوره تشاو. فمشروع تشاو لتعزيز التطور السريع في مجالات العلوم والتكنولوجيا يتجسد اليوم في مشروع الرئيس شي؛ صنع في الصين”. وفكرة شي عن “التكامل المدني العسكري” والتي بموجبها يجب على المؤسسات المدنية تطوير تكنولوجيا متقدمة للجيش، هي انعكاس لفكرة تشاو القائلة إن المؤسسات العسكرية يجب أن تشارك التكنولوجيا الحديثة الواعدة مع المؤسسات المدنية الخاصة التابعة للدولة. واليوم، يقول أحد الشعارات الرسمية: “الدولة توجه السوق”، كما كان عليه الأمر في زمن تشاو. وقد تطورت فكرة تشاو حول التعامل مع المجتمع وكأنه آلة إلى ممارسة تشي للرقابة على المجتمع. صحيح أن تشاو لم يكن متطرفاً إلى حد كبير؛ ولكنه كان متطرفاً بما فيه الكفاية بالنسبة إلى الحزب الشيوعي الصيني.

♦أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا، ومؤلف كتاب “بحث الصين عن الأمن” بالمشاركة مع أندرو سكوبل.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة