الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون خليجيةمقالات

“التأسيس” وبداية التاريخ

عبدالرحمن الراشد♦

من أطلالها الواقفة وأطرافها المهدمة، تبدو كقرية صغيرة، إنما، تاريخياً، كانت الدرعية عاصمة حية، لدولة كبيرة في القرن الثامن عشر؛ ضمت حضرموت جنوباً، والحجاز غرباً، وإلى الفرات شرقاً، وبلغت الشام شمالاً.

أصبح 22 فبراير من كل عام، يحتفل به؛ “يوم التأسيس” يوم بدأت الدولة السعودية في عام 1727. مرت نحو ثلاثمئة عام على الحكم؛ تخللتها فترات انقطاع زمنية قصيرة.

هذه المدينة المنسية، الدرعية، يصفها المؤرخ ابن بشر، “في زمن سعود شاهدت من الأموال الكثيرة، وكثرة الرجال والأسلحة المحلاة بالذهب والفضة، والخيل الجياد، والنجائب العمانيات، والملابس الفاخرة، وغير ذلك من أسباب الثروة التامة من الذهب والفضة ما لا يمكن وصفه”. كانت عاصمة يفد إليها “من اليمن وتهامة والحجاز وعُمان والبحرين وبادية الشام ومصر.. إلى غير ذلك من أهل الآفاق ممن يطول عدهم، هذا الداخل فيها، وهذا خارج منها، وهذا مستوطن فيها”.

لا يوجد خلاف على تاريخ تأسيس الدولة السعودية الأولى؛ أسسها محمد بن سعود 1727، ودامت مئة عام تقريباً، حتى أسقطها الأتراك على يد إبراهيم باشا. السبب في استهدافها لأنها استحوذت على مناطق واسعة من إمبراطوريتهم في العراق والشام وغرب الجزيرة العربية وجنوبها، وأصبحت هناك دولة عربية موازية للدولة التركية.

مدينة الدرعية

ولإلغاء الدولة المنافسة، أعدمت الإمام عبدالله بن سعود، ومعه عدد من أفراد عائلته في إسطنبول، وكذلك أعدمت عدداً كبيراً من قادة الدولة في الدرعية، مع أن عبدالله بن سعود سلَّم نفسه بعد ستة أشهر من الحصار مقابل وعد الأتراك بمنح الأمان للدرعية. ولم توقف الإعدامات الكثيرة محاولات استعادة الحكم بالقوة، وكانت جيوشهم تعاود غزواتها للعاصمة الدرعية في كل مرة، ولم يتوقف الأتراك عن حروبهم ضد عاصمة العارض إلا بعد أن انشغلوا بالحرب مع اليونان في عام 1824، لتقوم الدولة السعودية الثانية.

الاختلاف حول تاريخ التأسيس هو أن المهتمين بتوثيق الصراع الديني أرَّخوا لبداية الدولة من لجوء الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى الدرعية، في حين أن الدولة بدأت قبلها بـ17 عاماً. حينها، طلب الشيخ من محمد بن سعود حمايته في 1744، بعد أن أخرجه حاكما إمارتَي حريملا ثم العيينة، عندما عجزا عن حمايته من غضب الأهالي.

اقرأ أيضًا: أنسنة التاريخ

الشيخ محمد بن عبدالوهاب كان داعية؛ لم يكن نبياً ولا حاكماً ولا قائداً عسكرياً. جال وعاش في العديد من المدن؛ منها المدينة المنورة والبصرة وبغداد، ولم يؤسس فيها دولاً أو يغيِّر تاريخاً. كان شخصية مهمة في تاريخ الفكر الإسلامي، بإصراره على الدعوة ضد ما اعتبرها بدعاً وخرافات من أجل توحيد الدين لله، ووصل تأثير دعوته إلى الهند وشمال إفريقيا.

اقرأ أيضًا: السعودية تسعى لأن تصبح مركزاً ثقافياً

أما محمد بن سعود، فقد كان حاكماً سياسياً وطموحاً؛ تحالف مع القوى المجاورة، واستعان بالقبائل لتوسيع مملكته. وكان، أيضاً، قائداً عسكرياً، شنَّ حروباً واسعة قُتل فيها اثنان من أبنائه. وضم إلى صفوف مؤيديه رجالاً مهمين؛ مثل محمد بن عبدالوهاب الذي جعله مفتياً ومرشداً.

استمرت الدولة السعودية من بعده في التوسع، وشملت معظم شبه الجزيرة العربية، وبلغت سهل حوران وبصرى، ووصلت شمالاً إلى تخوم دمشق. حينها اعتبرها السلطان العثماني سليم الثالث، خطراً على إمبراطوريته، وأرسل قواته يحاول تطويقها من العراق وسوريا ومصر، وأكمل الحرب من بعده على الدولة السعودية السلطان محمود الثاني.

الصراع الديني والطائفي لم يكن غريباً على القرن الثامن عشر. ودعوة ابن عبدالوهاب، الذي تُنسب إليه كلمة “الوهابية”، هي واحدة من المدارس الفقهية الحنبلية المنتشرة في المنطقة، ولم تكن نظام حكم ولا مشروعاً سياسياً.

اقرأ أيضًا: علي الشهابي: السعودية بحاجة إلى فتح أبوابها أمام الإعلام الغربي

دامت الدولة السعودية الأولى قرناً، حكمها أربعة؛ محمد بن سعود ثم ابنه عبدالعزيز، ثم سعود بن عبدالعزيز، الذي أسس أكبر دولة عربية في المنطقة منذ الخلافة العباسية. وآخرهم كان ابنه، عبدالله بن سعود، الذي حكم أربع سنوات أمضاها في حروب مع الأتراك، كما أسلفت، واستسلم بعد حصار الدرعية القاسي، في القرن التاسع عشر.

لم تكن دينية بل دولة سياسية وعسكرية، “كانت عساكر الجزيرة العربية مسلحة بالسيوف والحراب والخناجر والرماح القصيرة للرجالة والدروع والهراوات والبنادق الحارقة والمسدسات. وكان الوهابيون يصنعون البارود بأنفسهم. وأحياناً كانوا يرتدون خوذاً وأردية حماية جلدية. وكانت لدى الوجهاء قمصان من زرد. ولدى المحارب كذلك خنجر مشدود إلى حزامه، وحقيبة مليئة بالخراطيش. وكان لدى البعض مسدسات”. ويروي ابن بشر أنه “كان لدى سعود (الحاكم الثالث) 30 مدفعاً كبيراً و30 مدفعاً صغيراً. وقد تم الاستيلاء على أكثر هذه المدافع من العدو”.

علم السعودية

شهد القرن الثامن عشر مخاض ثورات ضد وكلاء الدولة العثمانية التي كانت تمر بمرحلة جمود، في وقت انطلقت فيه الثورة الصناعية في أوروبا. وترافق التوسع السعودي مع الرغبة في الخلاص من الاحتلال التركي الذي أغرق المناطق العربية التي تحت نفوذه بالمكوس والضرائب وفرض اللغة التركية. ومع هذا، يندر أن تقرأ في كتب التاريخ العربية عن الدولة السعودية رغم أنها كانت من فصوله المهمة لثلاثة قرون وتقاطعت مع تاريخ المنطقة. اختيار “يوم التأسيس” والحديث عنه مبني على رواية صلبة وليست حالة طارئة، وفي العالم، حالياً، اهتمام كبير بالعودة إلى فهم رواية التاريخ وتصحيحه.

♦اعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير السابق لصحيفة “الشّرق الأوسط” والمدير العام السابق لقناة “العربيّة”

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبدالرحمن الراشد

اعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير السابق لصحيفة “الشّرق الأوسط” والمدير العام السابق لقناة “العربيّة”

مقالات ذات صلة