الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

البيئة والسياسة..تساؤلات صعبة بشأن المسؤولية والعدالة والمستقبل

كيوبوست- ترجمات

إيلي روبسون

نشرت مجلة هيستوري وورك شوب مقالة للباحثة في جامعة كامبريدج؛ إيلي روبسون، والتي تركز أعمالها على التاريخ الاجتماعي والسياسي والفكري للتغير البيئي. حيث بدأت حديثها بطرح سؤال عما يعني أن نطلق على البيئة صفة سياسية؟ لافتة إلى أن ما عاشه العالم خلال الأشهر الثماني عشرة الماضية، ما كان سوى انغماسٍ بعمق في السياسات البيئية الجديدة للجائحة.

اقرأ أيضاً: بين الجائحة والتغير المناخي.. الإجهاد الحراري المحتمل يهدد حياة نصف سكان العالم

وقالت روبسون إن فيروس (كوفيد-19) مثّل قوة بيولوجية مجهرية عطلت النشاط البشري على نطاقٍ واسع. كما أنها إنسانية بعمق في أصولها وانتشارها وتأثيرها. وفيما وصف الكثيرون جائحة كورونا بأنها نذير لأزمة المناخ التي بدأت تتكشف بالفعل، تطلّبت الجائحة مستوياتٍ غير مسبوقة من التنسيق العالمي، وتغييرات هائلة في الأساليب التي نعيش بها، سواء بشكل جماعي أو فردي.

كما أدى الارتباك المصاحب للأزمة إلى اتساع فجوة التفاوت في صنع القرار، والتعرض للمخاطر، وإمكانية الوصول إلى الموارد. وفي قمة الأمم المتحدة الأخيرة للتغير المناخي “كوب- 26″، تنازعت البلدان حول مسائل المسؤولية التاريخية والمستقبلية؛ وألقت جماعات الضغط المعنية بالوقود الأحفوري بظلالها على جماعات السكان الأصليين والبلدان الأكثر تضرراً من تغير المناخ؛ واعترض النشطاء على الحلول التي يدفع بها السوق من الخارج.

الغازات الملوثة للبيئة تنبعث من مصفاة في ويلمنجتون، كاليفورنيا- رويترز

ولا يزال هناك قلق عميق بشأن القدرة على ترجمة الخبرات أو الأهداف إلى عملٍ سياسي كافٍ. وإجمالاً، حاولت روبسون البحث في ادعائين: أولهما إثبات أن التغير البيئي هو أمر سياسي. فنحن كأفرادٍ ومجتمعات، لا نقع ببساطة كضحايا للضرورة أو الطبيعة، بل أننا نتخذ ـ على مستويات مختلفة ـ خياراتٍ بشأن الكيفية التي نستخدم بها الموارد ونستجيب بها للمخاطر الجديدة، وفقاً للباحثة.

اقرأ أيضاً: حرائق غابات الأمازون.. الطبيعة في مواجهة الاقتصاد

بل يتم اتخاذ هذه الخيارات استناداً إلى المعرفة العلمية، ونظم القيم الاجتماعية والعاطفية والاقتصادية، والمؤسسات والتأثير السياسي. وعند اتخاذ هذه الخيارات، تبرز المصالح المتنافسة التي تنظمها علاقات القوة، وتنشأ عنها السياسات البيئية. وثانياً، تسليط الضوء على أهمية فهم البيئات، باعتبارها أمراً تاريخياً.

فقد كانت البيئاتُ منتجاتٍ ومنتجين للعمل البشري على مرِّ الزمن. ولعل أفكار الاستدامة، وشهية المستهلكين، والعلاقات بين الدول والصناعات الملوثة، والمساحات الخضراء في المدن، كلها مرتبطة بالتاريخ. وكذلك الأعاصير والغابات والأنهار.

رغم الحظر الشامل للنفايات البلاستيكية في بعض البلدان، فإن إنتاج البلاستيك في ارتفاع في جميع أنحاء العالم- دويتش فيلله

كما جادلت روبسون بأن الظواهر البيئية تحدث على نطاقاتِ الزمان والمكان التي تعطِّل الوحدات والسرديات التقليدية لكل من كتابة التاريخ والعمل السياسي. حيث تعبر الرياح الموسمية والأعاصير حدود الدول. وتربط عواقب حرق الوقود الأحفوري الأجيال والمجتمعات المحلية البعيدة في سلاسل من الأسباب والنتائج، ما يثير تساؤلات صعبة بشأن المسؤولية والعدالة على الصعيد الدولي وبين الأجيال.

اقرأ أيضاً: نقص المياه يهدد “بيوم القيامة” سياسياً واقتصادياً

وقد لفت المؤرخون البيئيون الانتباه إلى خصوصية الموارد والكائنات الحية والبيئات ومتطلباتهم فيما يتعلق بالإدارة. حيث تجلب العمليات الإيكولوجية المختلفة ديناميكيات مميزة: مثل الآفاق الزمنية الطويلة للغابات، والتقلبات المكانية للفيضانات، وحركة الفيروسات. ونحن نجد أنفسنا الآن في فترة يتم فيها تحديد النشاط البشري على أنه المحرك الرئيس للتغير البيئي: “بشرية المنشأ”.

وقالت روبسون إن مفهوم حقبة “الأنثروبوسين” يمكن أن يترك ثغرة عند التفكير في أشكال العمل السياسي. حيث ينصب تركيزه على كتلة غير متمايزة من “الإنسانية”، لكنه يفشل في تحديد الجهات الفاعلة أو التفاوت أو التاريخ الذي أدى إلى نقطة التحول الحرجة هذه. وفي الوقت نفسه، لا توفر المفاهيم التقليدية للسياسة أدواتٍ كافية لتحليل الأسباب التاريخية.

يخشى الكثير من أن تصبح منطقة الأمازون مجانية لقطع الأخشاب غير القانوني حيث لا يتم تطبيق قانون حماي البيئة بصرامة، البرازيل- رويترز

وأضافت أستاذة التاريخ الاجتماعي أن المشاكل البيئية والنزعات حولها قد تمت صياغتها باعتبارها “حقائق اجتماعية” من أجل إضفاء الشرعية على الجهود المبذولة للتحكم في البيئة ومواردها. وتاريخياً، كان العلم بمثابة عامل للتغيير البيئي، وليس مجرد مراقب نزيه. وبالتالي فالحلول، وكذلك المشاكل، محفوفة بالسياسة ومثقله بقيمها، وفقاً لروبسون.

اقرأ أيضاً: إصلاح النظم الإيكولوجية.. حل لأخطر التغيرات البيئية

من جانبٍ آخر، أشارت الباحثة إلى أن الديناميكيات الاستعمارية والعلاقات السياسية غير المتكافئة بين أمريكا و”مستعمراتها” خارج الحدود سهَّلت إنشاء حديقة وطنية أمريكية للحفاظ على “الجنة” الواقعة في جزر فرجن. كما أن قضايا إمدادات الطاقة هي أيضاً مسائل تتعلق بقوة الدولة والسياسة الدولية، في حين أن التخطيط الحضري غالباً ما يعرض الفئات الأشد فقراً لخطر الكوارث والتلوث.

ناشطون في مسيرة من أجل المستقبل للمطالبة باتخاذ إجراءات عاجلة لمكافحة تغير المناخ في بوينس آيرس، الأرجنتين- رويترز

تقول: “إن فترة حياتنا ليست هي المرة الأولى التي تبرز فيها سياسات معقدة ذات نطاقٍ واسع حول التغير البيئي السريع. ففي عملي الخاص، أبحث في التحولات الدراماتيكية في حجم ووتيرة توقعات التغير البيئي بشري المنشأ في إنجلترا في القرن السابع عشر، خلال مشاريع تجفيف مناطق شاسعة من الأراضي الرطبة”.

شاهد: فيديوغراف.. 22 اختراعًا أنقذت كوكب الأرض

ومن خلال استرجاع مجموعة الاحتمالات التي تمت مناقشتها حول البيئات في الماضي، تلفت إيلي روبنسون إلى أننا “قد نتمكن من تحديد نطاق خيالنا السياسي وعملنا وكفاحنا في الوقت الحاضر”. وكما أشار المؤرخ خواكيم رادكاو: “إن تكاليف الصراع مرتفعة على الجميع. وعلى المدى الطويل، لن تحظى حماية البيئة بفرصة إلا إذا شارك الممارسون المحليون بشكل فعال”.

♦زميلة أبحاث في كلية جيسوس، بجامعة كامبريدج. تتناول أعمالها التاريخ الاجتماعي والسياسي والفكري للتغيير البيئي في إنجلترا الحديثة والعالم الأطلسي.

المصدر: هيستوري وورك شوب

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة