الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

البنوك.. فكرة انطلقت من إيطاليا وتاريخ ارتبط بالمعابد

كيوبوست

في ظلِّ قيود سحب الأموال التي تفرضها البنوك اللبنانية على مودعيها، نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها لبنان منذ عام 2019م، شهدت البنوك اقتحاماتٍ عنيفة من قبل مودعين غاضبين، يطالبون بأموالهم المحتجزة، كما شكّلوا مبادرة “صرخة المودعين” لتتحدث بصوتهم، مع ازدياد صرامة تلك القيود، فقد أصبح من الصعب على المودع سحب أمواله أو تحويلها إلى الخارج.

وتتنافى تلك القيود مع الغرض الأساسي الذي أُنشئت من أجله البنوك، وكان أولها بنك Monte dei Paschi di Siena””، في مدينة سيينا الإيطالية عام 1472م؛ لحماية الأموال وتسهيل حركتها. وبدأ ذلك مع سكّ العملات الأولى.

بداية المصارف

وعلى الرغم من أنّ البابليين والآشوريين قدّموا الحبوب قروضًا للمزارعين، أودع الفراعنة والإغريق الذهب والمجوهرات في المعابد -وهذا ما يفسر أن المعابد كانت أول ما يتم نهبه خلال الحروب والأزمات- من أجل حمايتها من النهب، على اعتبار أنّ رجال الدين القائمين على المعابد مؤتمنين، إلّا أنّ أول من أخرج الأموال من المعابد، وأسس لها مبانيَ مستقلّة كانوا الرومان، وذلك مع توسع التجارة في منطقة البحر المتوسط، منذ القرن الثالث قبل الميلاد، ولغاية القرن الثالث الميلادي.

عملات الإمبراطورية الرومانية الفضية- مارك كارترايت

وكانت بنوك روما، في بداياتها، مرافق لتخزين أموال التجار والأثرياء والدولة، وكان أولئك المودعين يربحون من أموالهم المودعة عبر إقراضها، مع ضمان نسبة فائدة، حتى أن يوليوس قيصر، عندما تسلّم الحكم في روما أصدر مرسومًا يعطي المقرضين (المصرفيين لاحقًا) الحقَّ في مصادرة أراضي أولئك الذين تخلّفوا عن تسديد قروضهم، كما كانوا يصرّفون العملات، وعيّنوا موظفين لتدوين المعاملات.

اقرأ أيضًا: تاريخ العُملة الورقية من الصين إلى العالم

وجاءت تسميةbank”  -بنك” من الكلمة الإيطالية “بانكو”، وتعني الطاولة التي كان يجلس وراءها المصرفي لإقراض أمواله لمن يرغب. مع انهيار الإمبراطورية الرومانية التي كانت قد اعتنقت المسيحية، في وقتٍ سابق، تراجع العمل المصرفي، وقد اقتصر الأمر على بعض المصرفيين البابويين، على الرغم من أنه كان يُنظر إلى تحصيل الفائدة على أنه ممارسة ربويّة غير أخلاقية.

إعادة إحياء البنوك

خلال القرن الثاني عشر، أعاد فرسان الهيكل، وهم مجموعة عسكرية كانت تحمي الحجاج الأوروبيين في المواقع الدينية في فلسطين، خلال الحملات الصليبية، إحياءَ العمل المصرفي، فكان الحجاج يُودعون أموالهم مع عناصر المجموعة خلال رحلتهم، وعليه كانوا بمثابة بنك رئيسي، وأصبحوا مؤسسة إقراض لملوك ونبلاء أوروبا.

وخلال العصور الوسطى في أوروبا، أصبح المقرضون هم ما نطلق عليهم اليومَ “المصرفيين”. وفي تلك الفترة كانت السلطات الملكية تقترض من البنوك، خلال الحروب والأزمات، ضمن شروط الملك غالبًا، فأدى ذلك لإفلاس البنوك مع الوقت، كما فعل ملك إسبانيا فيليب الثاني، الذي تسبَّب لمملكته بأول إفلاس وطني في عام 1557م، نتيجة للإنفاق على الحروب.

الاقتصادي البريطاني “آدم سميث”- أرشيف

مع نهاية العصور الوسطى، ودخول عصر النهضة، احتاجت البنوك في أوروبا للتحرر من قبضة الدولة، وكانت أبرز المبادئ الاقتصادية التي مهدت لذلك؛ نظرية “اليد الخفية” التي أسَّس لها الاقتصادي الاسكتلندي “آدم سميث” في كتابه «ثروة الأمم» في عام 1776م، وتفترض أن المصلحة الذاتية للفرد تعمل بمثابة يد خفية، فهي تحقق المصلحة الفضلى للمجتمع ككل، فعندما تكون عوائد الأفراد مرتفعة سيكون العائد العام للدولة مرتفعًا أيضًا، وهذا يقتضي توفر “السوق الحر”، وهي نظرية أخرى استحدثها سميث، ما مكن المقرضين والمصرفيين من الحدِّ من مشاركة الدولة في القطاع المصرفي والاقتصاد.

تطور عمل البنوك

كانت البنوك -في بداياتها- تقدم خدماتها للأثرياء والتجار فقط، ثم توسعت خدماتها لتشمل الطبقات المتوسطة، كما أصبحت تقدم خدماتٍ مصرفية شخصية، وذلك خلال القرن السادس عشر، عندما استحدثت أمستردام فرض رسوم على من يريد حفظ أمواله، ثم أصبحت البنوك الأوروبية تستحدث خدماتٍ جديدة كصرف الأموال إلى أي موكل من قبل مودع.

وكانت الفترة ما بين القرنين السادس عشر والسابع عشر؛ مرحلة ولادة المصرف بصيغته الحديثة، وظهر أول بنك مركزي في السويد عام 1668م، فيما كانت بريطانيا السباقة في تطوير عمل البنوك، فقد ابتكرت البنوك البريطانية العديد من ميزات الحساب الجاري، إضافة إلى الشيكات المطبوعة مسبقًا، والتي ظهرت في القرن الثامن عشر، كما تضم بريطانيا خمسة من أقدم عشرة بنوكٍ لا تزال تعمل في العالم.

المبنى الأول لبنك السويد المركزي، أول بنك مركزي في العالم- Gabriel Hildebrand / Kungliga Myntkabinettet

وفي عام 1791م أنشأ “ألكسندر هاملتون”، أول وزير للخزانة الأمريكية، أول بنك وطني هناك، والذي أطلق أول عملة أمريكية وطنية موحدة، وفي عام 1913م أنشأت حكومة الولايات المتحدة بنكها المركزي.

كما ظهرت في الولايات المتحدة بنوك عملاقة مثل بنك “جولدمان ساكس” و” Kuhn, Loeb & Co” و”JP Morgan & Co”، وأصبحت مع الوقت قادرة على استثمار علاقاتها مع القوى السياسية والمالية.

وخلال عشرينيات القرن الماضي، ومع ظهور الصناعات الثقيلة، ظهرت الحاجة للتمويلات الضخمة، فطوَّرت البنوك الاكتتاب العام الأولي (IPOs)، وعروض السندات، في حين رفعت الصفقات الناجحة من سمعة البنوك.

اقرأ أيضًا: ماذا تعرف عن المهمات الصعبة للبنك الدولي؟

وبحلول أواخر القرن التاسع عشر، طالبت العديد من البنوك، بالحصول على منصب في مجالس إدارة الشركات التي تقترض منها. ما وسّع من نشاط البنوك ودورها في الاقتصاد.

وفي عام 1939م، تم استحداث خدمة الصرّاف الآلي، في مصرف “سيتي بنك” في نيويورك، إلّا أن الجمهور لم يستسغ الفكرة، فتمت إزالتها، وظهرت مرّة أخرى أمام مصرف “باركليز” في لندن عام 1967م، ليتم من خلالها السحب ببطاقة بلاستيكية لها رقم سري. بعد الحرب العالمية الثانية استقرت البنوك، وظهرت التأمينات على الودائع والقروض العقارية.

أخيرًا، مع انتقال العالم إلى الرقمنة، ظهرت الخدمات المصرفية عبر الإنترنت، ولاحقًا عبر الهواتف الذكية من خلال تحميل تطبيقات البنوك.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة