الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

البعد الأيديولوجي لحرب آبي أحمد على إقليم تيغراي (1- 2)

سرعان ما أصبح الشاب القادم إلى رئاسة الوزراء نجماً بازغاً رغم صعوبة تمييز انتمائه الفكري حينها.. وإن كان واضحاً لكثيرين نزوعه نحو النسق الرأسمالي الغربي والليبرالية الجديدة

كيوبوست – عبد الجليل سليمان

اُضطر الماركسي العتيد والمناضل على مبادئ الاشتراكية الثورية رئيس الوزراء الإثيوبي وقائد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراى الراحل (مليس زيناوي)؛ صاحب اليد الطولى والقدح المُعلَّى في إطاحة نظام منغستو هايلي ماريام؛ بُعيد وصوله إلى سُدة الحكم في أديس أبابا 1991، إلى التخلِّي عن جزء من أيديولوجيته، وأصبح أكثر براغماتية في ما يتعلق بالتخطيط الاقتصادي، فشهدت إثيوبيا في عهده انفتاحاً غير مسبوق على الاستثمارات الأجنبية في البنية التحتية والقطاع الزراعي؛ لكنه أبقى إلى حد كبير على هيمنة شركات القطاع العام على الاقتصاد والاتصالات والأراضي، تحت ملكية الدولة؛ ما حال دون بيعها وشرائها إلا بموافقة الحكومة.

هكذا مضى زيناوي في عملية التحديث، بعيداً عن مبادئ الليبرالية الجديدة التي قال عنها نفسه إنها تزيد الفقراء فقراً والأثرياء غِنًى؛ فكان أن نظر إلى التجربة الصينية في المواءمة بين اقتصاد السوق والمبادئ الاشتراكية، لكنه قيَّد يدَي السوق، ولم يطلقهما كما في الاقتصادات الرأسمالية؛ وأبقى على الكثير من الهيمنة الحكومية على المشروعات الكبرى وعلى الاستثمارات الأجنبية؛ بما فيها الصينية، فكلها خاضعة لرقابة الحكومة وتعمل وفق مشيئتها مع توفير هامش (صغير) للمناورة، كما ترك الباب موارباً ولم يفتحه على مصراعَيه للتجارة والاستثمار الدوليَّين، وعمل على حماية أسعار السلع الاستهلاكية الضرورية من الوقوع في براثن آلية السوق؛ إذ ظلت حكومته تتدخل باستمرار لضبط الأسعار والسيطرة على جموحها.

مليس زيناوي رئيس الوزراء الراحل وقائد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي- صورة من التليفزيون الإثيوبي

الماركسي الحَذِر

لم يأبه زيناوي لدعاوى الليبرالية الجديدة بتقليص دور الدولة في الإنفاق على الخدمات الاجتماعية كالتعليم والرعاية الصحية، ولم يترك الخدمات العامة تحت سيطرة القطاع الخاص؛ فكانت حكومته حاضرة بشكل دائم في كل ما يتعلق بإنشاءات البنية التحتية؛ من تعبيد للطرق وإنشاء للجسور والسكك الحديدية وصيانتها، وإدارة خدمات المياه والكهرباء، كما وقفت سداً منيعاً أمام موجات الخصخصة؛ فأبقت على المشروعات الإنتاجية الكبرى والبنوك والمصانع والكهرباء والاتصالات والمدارس والجامعات والمستشفيات والسياحة والطيران تحت قبضتها القوية.

اقرأ أيضاً: بالصور.. واعظون إثيوبيون يطردون الأرواح الشريرة عبر البث المباشر

ومع ذلك، استطاع زيناوي إحداث نقلة نوعية في اقتصاد بلاده، في وقتٍ وجيز، دون أن يقلب لمبادئه الاشتراكية ظهر المِجَن، ودون أن ينخرط في صدام مباشر مع توجهات العولمة والأحادية القطبية؛ فأصبحت إثيوبيا في عهده واحدة من أسرع اقتصادات العالم نمواً على مدار العقدَين الماضيَين، سواء من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد، أو من حيث نصيب الفرد. وحسب بيانات صندوق النقد الدولي، أنه منذ عام 2009 قفز إجمالي الناتج المحلي لإثيوبيا بنسبة 146.7%، في حين ارتفع نصيب الفرد من تعادل القوى الشرائية بنسبة 149%؛ وهو ما يكفي لوضع البلاد في صدارة قائمة أسرع اقتصادات العالم نمواً مع اقتراب العقد الحالي من الانتهاء.

اقرأ أيضاً: قصة يهود الفلاشا.. من رفض الاعتراف بيهوديتهم إلى التمييز العنصري ضدهم

ورغم الحال هذه؛ فإن زيناوي ظل يمارس نوعاً من الاقتراب الحَذِر من النظام الرأسمالي، مثل السماح للمباني بالتطاول أكثر مما تسمح به الشيوعية، وعدم الامتعاض من ظهور بعض الملامح الأرستقراطية على وجه العاصمة وقلة من المواطنين ممن لهم صلة مباشرة بتحالفه الحاكم، كما حافظ الرجل على علاقة جيدة بالولايات المتحدة الأمريكية؛ بل لعب دور وكيلها الأول في ما عرف بالحرب على الإرهاب في شرق إفريقيا، وما تدخله العسكري المباشر في الصومال 2006 ببعيد عن الأذهان.

اقرأ أيضاً: إثيوبيا تواجه تداعيات انقلاب عسكري تسبب في مصرعِ رئيس الأركان

وجه النهضة الإفريقية الجديدة

 وبهذه الطريقة؛ ظل (زيناوي) يحظى بقبول في الأوساط الدولية بمختلف توجهاتها الأيديولوجية؛ فنال الكثير من الإطراء على ما حقق لبلاده من تنمية؛ وصُنِّف في بعض الدوائر الغربية بأنه وجه النهضة الإفريقية الجديدة. لكن سُرعان ما بدأت سمعته تذبل وبريقه يخبو؛ عندما ابتدر حملات منظمة لقمع ومصادرة الحريات وإسكات الأصوات المعارضة عن طريق تجيير قوانين مكافحة الإرهاب ضد الصحفيين والمدونين المستقلين والمعارضين، ولم يستثن من ذلك خطباء المساجد؛ ما أثار حفيظة المسلمين فنظموا احتجاجات ضده عام 2012.

الدكتور دبراسيون حاكم إقليم تيغراي الإثيوبي- موقع “راديو إيرينا” الإثيوبي

معروف أن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF) كانت إبان رئاسة زيناوي، ولا تزال بعد رحيله وتولي دبراسيون قبريمكئيل رئاستها، منظومة ثورية سياسية ماركسية لينينية، تطورت لاحقاً إلى كيان استبدادي عمد إلى تسوية سياسية داخلية قائمة على التحليل الماركسي للقضايا الوطنية كافة؛ خصوصاً ما يُعرف بالفيدرالية القومية، تُقرأ العرقية، التي تم تقنينها دستورياً، ولربما كان هذا التوجه وقتها مهماً وضرورياً من أجل المحافظة على استقرار البلاد واستتاب أمنها؛ ما جعل التحالف الثوري الأكثر سعة، أي الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية (EPRDF) التي تضم بجانب الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي: المنظمة الديمقراطية لشعب أورومو، وحركة أمهرا الوطنية الديمقراطية، وحركة شعب جنوب إثيوبيا الديمقراطية، توافق عليها وتدعمها. وهكذا، عبر هذه الحبكة الأساسية وتكتيكات أخرى، تمكَّن هذا التحالف الإثنو/ قومي، من فرض هيمنته على إثيوبيا لنحو 27 عاماً، بيد أن كل شيء بدأ يتغيَّر بسرعة فائقة بعد رحيل مليس زيناوي.

المحبة لا تكفي لإدارة دولة

مظاهرات حاشدة ضد آبي أحمد وداعمة للناشط جوهر محمد- موقع صحيفة “المال”

وحين تولَّى هايلي ماريام ديسالين، من حزب (حركة شعب جنوب إثيوبيا الديمقراطية) رئاسة التحالف والوزارة، لم يتمكَّن من تسيير دولاب عمل الدولة، رغم نزاهته وكفاءته وخبرته، فتقدَّم باستقالته تحت ضغوط الاحتجاجات العارمة لشعب أرومو؛ ليخلفه آبي أحمد علي في 2 أبريل 2018، بعد ترشيحه من قِبل المنظمة الديمقراطية لشعوب أورومو؛ عضو التحالف الحاكم (EPRDF)، وقد مُنح آبي أحمد تفويضاً محدوداً ينحصر في قيادة البلاد لفترة انتقالية معلومة، تنتهي إلى انتخابات ديمقراطية؛ على أن يعمل خلالها على خلق إجماع وطني عبر توسيع المجال السياسي وتفعيله.

اقرأ أيضاً: القصة الكاملة لسد النهضة.. هل تسيطر إثيوبيا على نهر النيل

لكن، سرعان ما أصبح الشاب (42 عاماً) القادم إلى رئاسة الوزراء نجماً بازغاً، رغم صعوبة تمييز انتمائه الفكري حينها، وإن كان واضحاً لكثيرين نزوعه نحو النسق الرأسمالي الغربي والليبرالية الجديدة؛ لكنه وبحيوية غير معهودة في الحكام الإثيوبيين وبروح شبابية تشوبها مسحة إنسانية وتواضع، ظل يقدِّم خطاباً هجيناً من الروحانيات المستمدة من المسيحية والإسلام؛ ويتحدث عن المحبة والعدالة والسلام، وكأنه رجل دين أو مصلح اجتماعي، وهكذا هرع إلى إريتريا ووعد رئيسها أسياس أفورقي، بإعادة الأراضي التي استولت عليها بلاده في حرب 2000 (منطقة بادمي)، ولم يأنف من دعوة المعارضة الإثيوبية إلى العودة، فلبَّت، ووعد الصحافة والأحزاب السياسية بالحرية، فتحققت.. وهذا كل ما فعله ليُكافأ بجائزة نوبل للسلام (2019)؛ لكنه لم يلبث كثيراً حتى تراجع عن كل ذلك، بنفس السرعة؛ ما يشي بأن الرجل لا يملك أرضية فكرية متماسكة، إنما خطاباً شاعرياً وجدانياً سريع التأثير وسريع الزوال.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة