الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

البعد الأيديولوجي لحرب آبي أحمد على إقليم تيغراي (2- 2)

صحيح أن آبي أحمد سوَّق لنفسه كليبرالي وسطي وعمد إلى فتح الفضاء السياسي والإعلامي وحقق السلام مع جارته إريتريا.. لكنه في الواقع الداخلي فشل في إدارة مشروعه الجديد بكفاءة

كيوبوست – عبدالجليل سليمان

رغم تعرضه إلى محاولة اغتيال في نوفمبر 2018، يعتقد مراقبون أنها (مفبركة)؛ فإن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ظل يدير بلده بشكل ناعم نسبياً، إلى أن بدأ يتحدث عن خشيته على زوال (أمجاد إثيوبيا العظيمة) بسبب النظام السياسي القائم على الفيدرالية العرقية؛ ما يهدد وجودها كدولة، وأن الاعتراف الدستوري بالعرقيات يعتبر سبباً مباشراً في انتشار العنصرية والتنافس على الوظائف العامة والامتيازات الأخرى على أسس عرقية؛ بعيداً عن مبادئ الكفاءة والمواطنة والاستحقاق، واعتبر هذه المادة من الدستور قنبلة موقوتة تنتظر مَن يفجرها أولاً. وبدعوته هذه، نال استحسان النخبة الحضرية من قومية الأمهرا وبعض الأكاديميين والمثقفين؛ لكنه خسر أبناء قوميته وحلفاءه التغراويين.

اقرأ أيضاً: آبي أحمد بطل إثيوبيا الجديد

يجادل مناصرو آبي أحمد من النخبة الأمهرية ذات الامتيازات التاريخية، بأن الافتراضات الأساسية للفيدرالية العرقية شديدة الهشاشة وينبغي تفكيكها واستبدال نظام جديد بها. ويقولون إن العنف صار سمة رئيسية للعلاقات بين القوميات المختلفة بسبب ذلك؛ بحيث صار القضاء عليه أمراً لا يمكن تحقيقه إلا بتغيير النظام الفيدرالي الراهن بشكل جذري، فضلاً عن عجزه عن إيجاد حلول نوعية وجذرية للمشكلات السياسية الهيكلية التي تمر بها البلاد، وإن أموراً كهذه تحتاج إلى ديمقراطية حقيقية وبنائية سياسية تستبعد العرق والدين والقبيلة، باستدعاء دولة المواطنة والكفاءة والحقوق المتساوية. ويعتقدون أن الديمقراطية القائمة على الحصص القبلية، ليست ديمقراطية في الواقع، وإنما تمثِّل تهديداً وجودياً للدولة نفسها.

رئيس الوزراء الإثيوبي بالزي العسكري رفقة الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي في منطقة بادمي المتنازع عليها بين البلدَين

“نوبل” الخارجية تُهزم داخلياً

صحيح أن آبي أحمد سوَّق لنفسه كليبرالي وسطي، وعمد إلى فتح الفضاء السياسي والإعلامي، وحقق السلام مع جارته إريتريا، وتصفير المشكلات مع كل الدول المجاورة، وعلى هذه الخلفية ولجهوده في تحقيق السلام والتعاون الدولي؛ قررت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منحه جائزة نوبل للسلام لعام 2019، لكنه في الواقع الداخلي فشل في إدارة مشروعه الجديد بكفاءة، فبدت الإصلاحات التي أحدثها وكأنها محض خطوات تكتيكية مُصمَّمة بدقة لتلميع صورته كديمقراطي إصلاحي، وتأمين نوع من القبول السياسي الشعبي لسياساته، بيد أنه أخفق من حيث يريد النجاح حين أبدى نيته في إلغاء النظام الفيدرالي القائم، والذي يحظى بتأييد شعبي جارف لدى كل المجموعات المهمشة؛ بمَن فيها أبناء جلدته (الأورومو)؛ الذين يشكلون نحو 40% من سكان إثيوبيا.

هل يتسبب حزب الازدهار في مزيد من الدمار؟

النسخة الأمهرية من كتاب آبي أحمد (مِدْمِر/ MEDAMER) أي الاندماج الوطني- الصورة من موقع التيلفزيون الإثيوبي

ولفرض رؤيته وتمرير موقفة الأيديولوجي من الفيدرالية العرقية، أعلن الرجل في نوفمبر 2019 عن كيان سياسي جديد أطلق عليه حزب (الازدهار)؛ وهو تحالف يضم أحزاب (الأورومو الديمقراطي، الأمهرا الديمقراطي، الحركة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا)، ويحظى بتأييد أحزاب أخرى من أقاليم: (عفار، والصومال، وغامبيلا، وبني شنقول قُمز، وهرر)، بينما اعترضت عليه الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، واعتبرته انقلاباً دستورياً مُكتمل الأركان، فكان ذلك الإسفين الأخير في نعش التحالف الحاكم (EPRDF)؛ لكن لكي يُحقق آبي أحمد (إثيوبيا جديدة) بدستور جديد لا يقوم على الفيدرالية العرقية، وحق القوميات في تقرير مصيرها والانفصال عن الوطن الأم، لا بد له من القضاء، أو على الأقل، إضعاف الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF) وجبهة تحرير أرومو (OLF)، أكبر كيانَين مُعارضَين لسياساته.

تفكيك الحزب الحاكم

جوهر محمد المعارض الشرس لآبي أحمد ينتمي إلى نفس قوميته (الأرومو)- موقع “بوبيان نيوز”

وتذرَّع الرجل بجائحة فيروس كورونا؛ ليُعلن تأجيل الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في أغسطس 2020، فاعترضت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وقوى سياسية أخرى على ذلك؛ لكنه مضى في سبيله غير آبه، وكذلك فعلت حكومة إقليم (تيغراي)؛ فنظمت انتخابات إقليمية في 9 سبتمبر الماضي، فازت بها جبهة تحرير تيغراي بنسبة 98.5%، إلا أن حكومة آبي أحمد وصفتها بأنها خطوة غير دستورية؛ الهدف منها نسف الاستقرار وتقويض الأمن بالبلاد، فلم تتوانَ حكومة إقليم تيغراي في اعتبار آبي أحمد وحكومته غير شرعيَّين، وأن التفويض الممنوح لهما انتهى في 5 أكتوبر الماضي.

لا شك أن تفكيك الائتلاف الحاكم (EPRDF) وتأسيس حزب الازدهار المركزي (PP) على أشلائه لم يكن قراراً موفقاً لجهة أنه وضع المزيد من الحواجز في طريق الانتقال إلى الديمقراطية؛ ففضلاً عن أنه زاد من حدة الانقسام داخل معسكر الإصلاحيين، خصوصاً أن تحولاً مفاجئاً في أيديولوجيا الحزب الحاكم من اليسار إلى اليمين، سواء من حيث السياسة أو الاقتصاد، ترافق مع نيَّة مبيتة لإلغاء الفيدرالية العرقية، صارت تطرح علانية بعد أن كانت إشارات مُضمرة، فضلاً عن افتنان شخصي لرئيس الوزراء بالأباطرة والملوك الإثيوبيين السابقين؛ ما نجمت عنه حالة استقطاب حادة بين المجتمعات الإثيوبية، خصوصاً قوميتَي الأمهرا والأرومو التي ينتمي إليها آبي أحمد؛ إذ يعتقد منسوبوها أن هؤلاء الأباطرة الأمهريين محض قتلة مستبدين.

تمثال هيلاسلاسي أحد الأباطرة الأكثر دموية في تاريخ إثيوبيا دشنه آبي أحمد أمام مبنى الاتحاد الإفريقي بأديس أبابا 2019- أرشيف

تحديد هوية إثيوبيا أو تفكيكها!

كل هذه التداعيات دفعت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إلى التموضع كمدافع عن الاستحقاق الدستوري لعام 1995، القاضي بالنظام الفيدرالي متعدد الإثنيات؛ هذا التموضع دفع بأطياف سياسية مقدرة من إقليمَي أروميا والجنوب لتُفكِّر بجدِّية في مواءمة محتملة مع رؤية جبهة (تيغراي) المنافحة عن الحكم الذاتي الإقليمي، رغم أنها فشلت في احترامها على مدار 27 عاماً حكمت فيها البلاد.

اقرأ أيضاً: أمهات الفلاشا يقُدن تظاهرات في إسرائيل ضد التمييز العنصري

أما الصراع المسلح الدائر الآن في شمال إثيوبيا بين الجبهة الشعبية والحكومة المركزية، فليس نزاعاً عرقياً كما يتبدَّى للوهلة الأولى؛ فرئيس الوزراء يجد معارضة أيضاً من قوميته كما أسلفنا، وإنما الأصل فيه أيديولوجي يقوم على اختلاف في الرؤى حول الدستور والفيدرالية العرقية وكيفية إدارة الانتقال السياسي وخصخصة القطاع العام، بجانب السلوك المريب للحكومة في تعاملها مع حلقات العنف المتواصل، ابتداءً من محاولة اغتيال رئيس الوزراء نفسه في ميدان الصليب بأديس أبابا 2018، مروراً بعملية اغتيال مهندس النهضة سيميجنيو بقلّي، إلى قتل رئيس إقليم أمهرا وبعض كبار قادة الجيش، إلى محاولة اغتيال المغني الأرومي الثوري هاشالو هونديسا الأخيرة، فضلاً عن موجات العنف العرقي المتتالية التي وسمت فترة حكم آبي أحمد رغم أنها لم تتجاوز عامَين.. كل ذلك يشي بأن بعض هذه الأحداث -على الأقل- غير مُبرَّأة من التدبير والتواطؤ المُسبقَين من قِبل الحكومة؛ خصوصاً أن الحكومة ظلَّت توجه الاتهام في كل حادثة إما إلى الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وإما إلى أحزاب المعارضة الأرومية التي تقف على النقيض من توجهات رئيس الوزراء لتفكيك التسوية السياسية القائمة على الفيدرالية العرقية، توطئة لشيطنتهما؛ وبالتالي تبرير شن الحرب عليهما.

المغني هوشيالو هونديسا المعارض لآبي أحمد قُتل في أديس أبابا يوليو 2020- “بي بي سي”

الآن، وبعد أن أُشعلت الحرب، وبغض النظر عن مَن المنتصر أو المهزوم، فإن اختيار هذا الطريق الشائك لحسم الخلافات الأيديولوجية والسياسية سيكون ثمنه باهظاً، وستطول تداعياته دول القرن الإفريقي برمتها؛ لعقود قادمة، لكنّها -أي الحرب- ستُحدد في المقابل بنية الدولة الإثيوبية وهويتها؛ فالطرف المنتصر سيفرض رؤيته سواء أكانت استمراراً للفيدرالية العرقية أم عودة إلى الدولة المركزية القديمة أم التحول إلى دويلات صغيرة فاشلة يديرها زعماء القبائل والميليشيات المسلحة. 

لقراءة الجزء الأول: البعد الأيديولوجي لحرب آبي أحمد على إقليم تيغراي (1- 2) 

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة