الرياضةالواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

البطولة المشينة.. عُمال الموت في قطر

"7000 عامل سيموتون قبل أن تُركَل كرة واحدة في كأس العالم 2022" وَفقًا لتوقعات كونفيدرالية اتحاد التجارة العالمي

كيوبوست

عشرات الملايين يتابعون فعاليات بطولة كأس العالم سنويًّا، لكن قلة فقط هي التي تعرف ما خلف ستار التحضير للبطولة التي سوف تُعقد فعالياتها في دولة قطر عام 2022، والتي بدأت الدوحة قبل سنوات خطة ضخمة لتنفيذ مشروعات البنية التحتية الخاصة بها.

عبر وسائل الإعلام يمكن بسهولة إدراك فخامة وقوة ما تعده قطر لتنظيم الحدث؛ من استادات ضخمة وطرق حديثة ووسائل مواصلات متقدمة، البنية التحتية فقط تقترب كلفتها من 200 مليار دولار، وعلى الرغم من أنها كلفة مالية كبيرة؛ إلا أن الكلفة البشرية والإنسانية أكبر، لكنَّ قليلين يأتون على ذكرها؛ فهي مثلما تجلب الأسى لمَن يشاهد تجلب العار أيضًا لمَن ينظِّم، ناهيك بأن الكاميرات التي يُتاح لها تصوير استعدادات الحدث واستاداته لا يُتاح لها تصوير الجانب المظلم منه.

لكن رغم هذا؛ فإنه تظل هناك حقيقة لم يكن إخفاؤها كثيرًا ممكنًا.. إنها مأساة العمال الأجانب في استادات “البطولة المشينة” (حسب وصف منظمة العفو الدولية)؛ حيث “الحياة في مساكن مكتظة وقذرة وغير آمنة”، وعدم السماح للفرد بترك الاستاد أو المعسكر أو مغادرة البلاد أو ترك وظيفته، والإجبار  على العمل القسري؛ لكن في الحقيقة أيضًا لا يزال هناك ما هو أسوأ.

اقرأ أيضًا: العمال في قطر: عبيد منعزلون في سجن مفتوح يصعب مغادرته

في مايو عام 2015، بدا الرقم صادمًا؛ هذا الذي نشرته صحيفة “الواشنطن بوست“، بل وكان موضع تشكُّك لدى البعض. لكن كريستوفر إنغراهام، الصحفي المختص في البيانات والذي عمل سابقًا في معهد بروكينغز ومركز بيو للأبحاث (من أشهر مراكز الاستطلاعات العالمية)، لم يكن هو مَن أعطى وحده مصداقية للرقم الذي نشره؛ بل استناده إلى بيانات كونفيدرالية اتحاد التجارة العالمي، وتلاقي ما كتبه مع ما نشرته قبله صحيفة “الجارديان” البريطانية، أعطيا مصداقية أكبر للخبر. في العام ذاته، توقعت الكونفيدرالية أن “7000 عامل سيموتون قبل أن تركل كرة واحدة في كأس العالم 2022”. وقد بَنَت الكونفيدرالية تقديراتها المستقبلية وَفق ما أوردته بأن “معدل الوفيات الحقيقي يزيد على 1000 شخص سنويًّا؛ ما يعني أن 7000 عامل سوف يموتون بحلول عام 2022”.

وبينما دأبت التقارير الحقوقية على انتقاد أوضاع العمال الأجانب في قطر، نفت وقتها الحكومة القطرية صحة تلك المعلومات وزعمت أنه لا توجد حالات وفيات بسبب أعمال بناء الاستادات؛ إلا أن هيئة الإذاعة البريطانية “BBC” سعت إلى تحقق الأمر واستقصاء صحة بياناته في  تقرير جديد لاحقًا. ونقلت هي الأخرى عن سفارتَي نيبال والهند -باعتبارهما مصدر أكبر عدد من العمال الموجودين في قطر- أن هناك أكثر من 400 وفاة في العام بينهما؛ أي 1239 وفاة في ثلاثة أعوام حتى نهاية 2013. واستنتجت الـ”BBC” أن كون نيبال والهند لا تمثلان إلا نسبة 60% من 1.4 مليون من العمال الأجانب، وعليه فإن عدد الوفيات بين العمال المهاجرين لابد أن يكون أكثر.

 قبل عام 2016، كان النفي الدائم للحكومة القطرية في ما يخص وقائع الوفيات تلك، دائمًا ما يرافقه هجوم مضاد وتهديد لوسائل الإعلام التي تتناول هذا الملف تحديدًا، أو أي موضوع من شأنه التشكيك في مدى أخلاقية منح قطر حق استضافة كأس العالم. فبالنسبة إلى الهيئة القطرية المنظمة في عام 2014، فإن ما نشرته “الجارديان” (ادعاءات)، وما قالته “صنداي تايمز” بعدها هو “مزاعم”، وبشكل عام هناك تهديد ضد “ما نُشر في مختلف الوسائل الإعلامیة من مزاعم وافتراءات”، وهناك كذلك وعيد من المسؤولين القطرين بقولهم سنتخذ “جملة الإجراءات الضروریة للدفاع عن سلامة وسمعة ملفنا، وسیتولى محامونا النظر في ھذه القضیة”. وبالتوازي كان التضييق على مَن يحاول كشف ما هو أبعد بعمليات توقيف لصحفيين ومراسلين أجانب، وقد وصل الأمر إلى حد الاعتقال مثلما جرى مع فريق الـ”BBC” في عام 2015 في أثناء محاولته تصوير تقارير عن أوضاع العمالة في قطر ذات الصلة بكأس العالم، وواقعة أخرى لطاقم ألماني تذرَّعت قطر في عملية الاعتقال -وَفق بيان رسمي– بأن الفريق لم يكن يملك تصريحًا للقيام بمهامه. لم ينتهِ الأمر هنا فحسب؛ بل امتدت عملية التضييق ومحاصرة النشر بعقاب، أو تلويح بعقاب، مَن يجرؤ على أن يكون مصدرًا للباحثين عن الحقيقة.  في عام 2017، أطلقت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية، تقريرًا عنوانه “كأس العالم 2022.. العمال في قطر ليسوا عمالًا.. إنهم عبيد يقومون ببناء الأضرحة وليس الملاعب”. ويكشف التقرير، في جزء منه، عن إجراءات الحصار التي تفرضها قطر حول العمال في تلك المنشآت؛ للتعتيم وإجبارهم على عدم البوح أو الإدلاء بمعلومات عما يحدث لهم. وقد تناول التقرير تفاصيل فصل وطرد عامل نيبالي من قطر كان لديه جرأة الحديث لوفد من الأمم المتحدة زار قطر؛ للتحقق من التقدُّم المحرز في ملف التعامل مع العمال، ويبدو أن الدولة أرادت أن تجعل منه عبرةً للآخرين.

اقرأ أيضًا:  العمال في قطر: واقع مرير ومعاناة تتطلب تدخل   

لكن لاحقًا، وبعد عام 2016، فإن حالة التقليل من حجم المأساة أصبحت هي الاستراتيجية الجديدة للحكومة القطرية، خصوصًا بعد أن صار النفي مطلقًا بلا أي منطق. هنا فقط اقتصرت الاستراتيجية الجديدة في التعامل مع المأساة على حصرها في حالة أو اثنتَين بشكل رسمي من الجانب القطري. فبإعلان اللجنة المنظمة لكأس العالم لكرة القدم 2022 في عام 2016 فتح تحقيق في وفاة أحد العاملين في منشآت البطولة الكروية، كانت تلك هي المرة الأولى التي تُعلن فيها الدوحة عن وفاة أحد العاملين في منشآت البطولة. وقتها أكد بيان اللجنة العليا للمشروعات والإرث القطرية وفاة عامل في موقع إنشاء استاد الوكرة، دون تقديم تفاصيل عن جنسية العامل أو طبيعة الحادث (تم صدم العامل بشاحنة).

مجددًا لم يمر سوى أشهر إلا وقد تم الكشف عن وفاة العامل البريطاني زاك كوكس، لدى سقوطه في ورشة بملعب خليفة في يناير 2018 بعد سقوطه من على ارتفاع 140 قدمًا. ثم لم تمر سوى أشهر أخرى، وتحديدًا في أغسطس الماضي، إلا وكانت قضية جديدة حول وفاة عامل نيبالي في أثناء عمله في ملعب الوكرة مجددًا.

 اليوم ورغم مساعي الاتحاد الدولي لكرة القدم لتجاوز فضائح  الفساد المالي التي طالته في السنوات الأخيرة، ورغم أن النظام الأساسي للاتحاد الدولي يشمل التزامًا لا لبس فيه بحقوق الإنسان تؤكده المادة 3 من النظام الأساسي، حيث “فيفا” (ملتزم باحترام جميع حقوق الإنسان المعترف بها دوليًّا ويجب أن يسعى جاهدًا لتعزيز حماية هذه الحقوق)؛ فإن تغاضي المؤسسة الكروية الدولية عن تلك المأساة الإنسانية يضفي المزيد من الشكوك على ما قد يكون تبقى من  مصداقيتها، مثلما يظل احتفاظ قطر باستضافة البطولة أمرًا مستهجنًا؛ خصوصًا في ظل غياب اعتراف قطري حقيقي بحقيقة ووضع العمالة الأجنبية على أراضيها، ووقائع وفاة ما يزيد على ألف عامل في أثناء قيامهم بمهام عملهم في ظروف غير آدمية للإعداد لمونديال 2022.

اقرأ أيضًا: تقرير “هيومن رايس ووتش”: انتهاكات قطرية في العمالة المنزلية

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة