الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

البريكة والشربة والزلابية والمخارق توحد موائد رمضان بتونس

التاريخ لا يحدد وحده الأكلات في تونس فهناك بعض الأطعمة لا سيما الحلويات التي تحضر بقوة في موائد رمضان.. ولكنها بنكهة سياسية

تونس – فاطمة بدري

يتميز شهر رمضان بعبقٍ خاص يجعله مختلفاً عن بقية الأشهر في كل دول العالم الإسلامي؛ بما في ذلك تونس. ففي هذا الشهر تجدد العائلات التونسية، في مختلف ربوع البلاد، العهدَ مع عاداتٍ قديمة يستحضرونها بشغف، فتضفي على هذا الشهر سحراً خاصاً.

وللمأكولات حضورها المميز في هذه الأيام؛ فطيلة أيام شهر رمضان تتسلل روائح المأكولات التي تميز شهر الصيام حصراً من كل البيوت، وتفوح في الأزقة رائحةُ “الشُّربة” و”البريكة”، ضيفتَي رمضان بلا منازع في تونس، ويزداد نشاط محلات الحلويات التي تتوجه لإعداد “الزلابية” و”المخارق”؛ الحلويات الأكثر حضوراً على طاولات الإفطار في تونس.

اقرأ أيضًا: القطايف.. طقس مقدس على موائد الأردنيين والفلسطينيين طوال رمضان

وتختلف الأطعمة التي تُحضَّر في شهر رمضان بتونس؛ لكن هناك بعض الأطباق التي تحضر بشكل يومي بجميع جهات البلاد، وإن تختلف طرق الإعداد والطبخ قليلاً. “كعبة البريكة” كما يسميها التونسيون هي الأكثر شعبية وانتشاراً، ويمكن الجزم أن لا أكلة غيرها قادرة على توحيد موائد الإفطار بشرائحها المختلفة؛ الأغنياء والفقراء، أهل الأرياف وأهل الحضر، كما تفعل “البريكة” التي تزيِّن كل الموائد.

وتتكون “البريكة” من غشاء رقيق يُصنع من طحين الحنطة، يتم وضعها على شكل مثلث، وتوضع بها بيضة مع بعض سمك التونة أو اللحم المفروم والجبنة والكبار، وبعض البقدونس، وقليل من البصل، وتُقلى في الزيت الساخن، وهي سريعة التحضير، ويقبل عليها التونسيون كمقبلات. يرجح البعض أن أصول “البريكة” تركية، بينما يرى البعض الآخر أنها  من  أصولٍ عربية، وتعود تسميتها إلى كلمة “البركة”.

شربة فريك الحاضرة الدائمة على موائد إفطار التونسيين- (صورة خاصة)

الأكلة الثانية بعد “البريكة” هي طبق شربة القمح أو الشعير ذات الرائحة الذكية، وهذا الطبق يعد تقليداً قديماً ما زالت تحافظ عليه العائلات التونسية، ويتشارك في إعدادها الرجال والنساء، وتمر بعدة مراحل من السنابل حتى تتحول إلى طبق يقبل عليه كل التونسيين.

وتُطلق عدة تسميات على شُربة الشعير من جهةٍ إلى أخرى؛ حيث يُطلق عليها “التشيش” أو “الدشيشة” أو “المرمز”، بينما يُطلق على شُربة القمح “الفريك”. ولا تخلو المنازل التونسية من هذه الشربة بنوعَيها، وتتحول خلال شهر رمضان إلى حساء لذيذ وصحي، يكاد لا يغيب عن أية طاولة طيلة الشهر.

أما الحلويات؛ فتعتبر الزلابية والمخارق حلوى شهر الصيام الأكثر شهرة على موائد الإفطار في تونس؛ لتجذرها في عمق العادات الرمضانية في هذا البلد. وقد حملها الأندلسيون خلال هجرتهم القسرية إلى المغرب العربي إثر سقوط الأندلس. ويكون لون الزلابية أصفر فاقع أو برتقالياً يميل أحياناً إلى الاحمرار، أما المخارق فهي بُنية اللون، أو لا تكون.

المخارق.. حلوى بنكهة الأندلس- (صورة خاصة)

ورغم القول السائد بأن الزلابية والمخارق أندلسية؛ فإنه من الصعب تحديد أصول الأطعمة والحلويات التاريخية في تونس؛ لوجود مكونات حديثة وقديمة في نفس المأكولات، ولهذا يستعصي التمييز بين الدخيل والأصيل؛ بما في ذلك الزلابية والمخارق، حيث يذهب كثيرون إلى القول إنها ليست أندلسية خالصة؛ بل لها جذور أمازيغية؛ السكان الأصليون لشمال إفريقيا. وإن كانت كتب التاريخ تذهب إلى القول إن زرياب هو مَن أوجدها عند رحيله إلى بلاد الأندلس، ثم انتشرت بقوة في المغرب العربي؛ خصوصاً تونس.

اقرأ أيضًا: لأول مرة.. “الزلابية” تغيب عن موائد إفطار الجزائريين بسبب كورونا

تتخذ الزلابية شكلاً دائرياً تتخلله فتحات صغيرة، يتم إعدادها من طحين الحنطة، وكذلك المخارق التي تختلف عنها بشكلها المستطيل أو الدائري، وكلتاهما تُخلط بالزيت والبيض، مع استئثار المخارق بالسمن دون الزلابية، وتوضعان في إناء كبير، وتتركان لحالهما مدة من الزمن حتى تتخمَّرا قبل أن تُقليا في الزيت، ثم تُنقعان في العسل المصفَّى.

وذنين القاضي.. رسالة سياسية- (صورة خاصة)

وليس التاريخ وحده ما يحدد الأكلات في تونس؛ فهناك بعض الأطعمة، لا سيما الحلويات، التي تحضر بقوة في موائد رمضان؛ ولكنها بنكهة سياسية، بمعنى أن تكون حاملة رسالة سياسية أو حقوقية على غرار ما يُسمى في تونس “وذنين القاضي” (أذنين)؛ وهي حلويات في شكل أُذن طويلة ملفوفة بشكل دائري، ويقبل التونسيون على اقتنائها بكثرة في رمضان والتهامها.

وتذهب التفسيرات للقول إنه قد تم إيجاد هذه الحلوى بقصد قطع أذن القاضي مع كل قضمة جديدة؛ للحيلولة دون سماعه ما يدينهم كموقف من الأخير؛ باعتباره مقصراً في مسألة الاستماع والتقصي للوصول إلى الحقيقة. ومن جهةٍ أخرى، تقول رواية ثانية إن إضافة كلمة “وذنين” إلى القاضي فيها دعوة للقاضي لحسن استخدام السمع والإنصات الجيد والكافي، قبل إصدار أحكام متسرعة أو جائرة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة