الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“البروكار” الدمشقي.. قُماش الملوك والأمراء

كيوبوست

لا تقتصر الأقمشة على كونها مواد تدخل في صناعات ضرورية للإنسان المعاصر؛ كالملابس والأثاث والمفروشات، إنما تعتبر كغيرها من إنتاجات الإنسان، مظهراً من مظاهر الحضارة، وتشير التقديرات إلى أن الإنسان ابتكر نسج الأقمشة مستخدماً ألياف القطن والحرير والصوف والكتان في مصر القديمة (3200 ق.م)، وفي الهند والصين نحو 3000 ق.م.

ومن الأقمشة العريقة ذات المشارب المتعددة؛ البروكار الدمشقي، الذي ابتكر في العاصمة السورية دمشق.

من أفخم الأقمشة

يعتبر قماش البروكار الدمشقي، واحداً من أفخم الأقمشة على مستوى العالم؛ فهو يُنسج من خيوط الحرير الطبيعي، المستخلص من شرانق دودة القز، ويدخل في نسجه أحياناً خيوط الذهب والفضة.

ويتم تصنيعه على الأنوال اليدوية تحديداً؛ لضمان إنتاج نسيج رقيق وناعم ومتنوع الرسومات والألوان، ضمن عملية دقيقة تمتد من 8 إلى عشر ساعات، يحتاج إليها الحرفيون لإنتاج متر أو متر ونصف المتر منه، ليُستخدم في صناعة الأزياء والستائر والمفروشات والحقائب.

بروكار دمشقي من الحرير- أرشيف

وضمت دمشق عدة معامل لإنتاج البروكار الدمشقي؛ كان أشهرها معمل “النعسان” الذي أسسه كل من جورج وسليم النعسان في باب شرقي في دمشق عام 1860م، إضافة إلى معمل “مزنر” الذي أسسه “أنطون مزنر” في نفس منطقة معمل النعسان، ومعمل “الرنكوسي” في دمشق.

اقرأ أيضاً: فسيفساء تونس.. فن بعطر التاريخ

ويعكس البروكار الدمشقي ثقافة المنطقة وتاريخها وطبيعتها، وذلك من خلال الرسومات التي يحتويها؛ كنقوش الياسمين الدمشقي وكروم العنب وعصفورَين عاشق ومعشوق، إضافة إلى تصوير أشعار وقصص؛ كأشعار الشاعر والعالم العربي الفارسي عمر الخيام، ومعركة حطين ورحلة سندباد، وبمرور الوقت أدخلت على البروكار الدمشقي رسومات من ثقافات وقصص الشعوب الأوروبية كـ”روميو وجولييت”.

تاريخ البروكار الدمشقي

يرجع تاريخ البروكار إلى ما قبل الميلاد، فحسب السجلات التاريخية، بدأت صناعة نسيج البروكار في فترة الممالك المتحاربة في الصين (475ق.م- 221 ق.م)، التي كانت تحتكر صناعته، آنذاك؛ لأنها كانت المنتج الوحيد للحرير الطبيعي من دودة القز، وبقي الوضع على حاله خلال القرون الأولى بعد الميلاد.

ومع الاستقرار النسبي للممالك والإمبراطوريات وتزايد التبادل التجاري، بدأ البروكار والأقمشة الحريرية الأخرى بالانتشار في دول أوروبا وآسيا؛ ما دفع الإمبراطوريات القائمة حينها لمحاولة إنتاج الحرير بنفسها، في سبيل تقليل اعتمادها التجاري على الصين، وحدث ذلك خلال القرن السادس الميلادي، عندما استطاعت مجموعة رهبان من الإمبراطورية البيزنطية، معرفة أسرار تربية دودة القز، وبالتالي صناعة الحرير في الصين.

اقرأ أيضاً: سجاد يروي خمسة أجيال من التاريخ الفارسي

ومنذ ذلك الوقت، شرعت الإمبراطورية البيزنطية (330م- 1453م)، والتي امتدت في معظم أنحاء الشرق الأدنى وشرق وجنوب أوروبا، في إنتاج الأقمشة الحريرية، وركزت على صناعة البروكار، الذي أصبح مرتبطاً بها أكثر من ارتباطه بالصين خلال العصور الوسطى؛ لكن ذلك لم يقصِ الصين من تلك الصناعة، فقد كانت موردة البروكار في أنحاء شرق آسيا.

فستان مصنوع من البروكار الدمشقي والدانتيل.. ويعود إلى القرن الثامن عشر- متحف فيكتوريا وألبرت

وفي الإمبراطورية البيزنطية، أخذ البروكار طابعاً خاصاً؛ فقد تركزت نقوشه حول الأيقونات المسيحية، كما تميَّزت المفروشات المصنوعة منه بالزركشة البيزنطية، وكان البروكار البيزنطي من الخامات الأساسية المستخدمة في ملابس نبلاء أوروبا وآسيا الوسطى.

ومع تقهقر الإمبراطورية البيزنطية في منطقة الشرق الأدنى، ظلَّت بعض الدول هناك ومن ضمنها سوريا، تصنع نسيج البروكار. ويعتقد أنه من دمشق أُحضر البروكار إلى أوروبا مرة أخرى خلال القرن الحادي عشر، على يد الصليبيين الذين سموه “الدمشقي” نسبة إلى دمشق.

نول الجاكار- National Museums Scotland

وخلال عصر النهضة في أوروبا، تحديداً في إيطاليا، تمتع “البروكار الدمشقي” باهتمام خاص؛ فقد اعتمده النساجون الإيطاليون، وأضافوا إليه رسومات بارزة على سطح القماش، مستخدمين أنوال الجاكار بدلاً من الأنوال اليدوية، والتي تسمح بتنفيذ تصميمات ورسومات أكثر تعقيداً.

البروكار الدمشقي اليوم

على مدار قرون قليلة مضت، اشتهر قماش البروكار الدمشقي، باهظ الثمن؛ لدرجة أن ملوكاً وأمراء اقتنوه، فمثلاً اعتمدته ملكة بريطانيا “إليزابيث”، في صنع فستان زفافها عام 1947م. كما عُلِّقت جدارية كبيرة منه مساحتها 112 متراً مربعاً في قصر الملك الراحل “فهد بن عبدالعزيز” بالرياض، إضافة إلى اقتنائه من قِبل الباباوات في الفاتيكان؛ مثل “يوحنا بولس وبندكت”.

فستان الملكة إليزابيث المصنوع من البروكار الدمشقي- أرشيف

ومع ذلك، شهدت صناعة البروكار الدمشقي في سوريا صعوداً وهبوطاً؛ نتيجة تذبذب إمدادات المواد الأولية للصناعة، بسبب عدم تربية دودة القز أو عدم توفر خيوط الحرير، وهذا ما دفع بعض الآباء الحرفيين إلى عدم توريث المهنة إلى أبنائهم؛ خوفاً من عدم استقرارها.

وفي محاولة لإنقاذها، فتحت الدولة السورية مراكز مهنية لتعليم الحرفة، إلا أن قلة توافر خيوط الحرير وارتفاع سعر المستورد منها أعاقا مقاومتها، إضافة إلى أن الحروب والنزاعات التي لا تهدأ في المنطقة، وآخرها الأزمة السورية؛ حرمت الحرفة من الازدهار بشكل متواصل، وأدت إلى هجرة الحرفيين؛ ولكن سوريا رغم ما تمر به، ظلَّت صناعة البروكار فيها متشبثة بالحياة، ويتم إلى اليوم تصديرها إلى عدة دول.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات