الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون خليجية

البروفيسور الدغيري لـ”كيوبوست”: أنهار ومناخات مدارية غمرت وسط السعودية

في حديث خاص كشف رئيس قسم الجغرافيا بجامعة القصيم عن دراسة تحليلية نادرة تسلط الضوء على حياة غابية وعشبية غنية قبل قرون عديدة في هضبة المستوي بالقصيم

كيوبوست

بريدة  : غازي الحارثي

سادت أقاويل في الفترة الأخيرة حول الحالة المناخية للمنطقة الوسطى في الجزيرة العربية، وقال العديد من المختصين والباحثين والمهتمين إن الحالة المناخية التي سادت في أزمان سابقة كانت مختلفة جذرياً عنها اليوم، وكذلك الشكل الطبيعي والحيوي لمناطق عديدة في وسط الجزيرة العربية.

“كيوبوست” انتبه إلى دراسة تحليلية لافتة، أجراها عدد من الخبراء السعوديين والأجانب، تناولت “هضبة المستوي” بالقرب من منطقة القصيم وسط السعودية، وأجرى حواراً صحفياً مع البروفيسور أحمد الدغيري، رئيس قسم الجغرافيا بجامعة القصيم، مدعماً بصور توضيحية تفضَّل البروفيسور الدغيري بتزويدنا بها؛ لتسليط الضوء على هذه الدراسة، وعلى صُعد أخرى ذات صلة.. في ما يلي الحوار:

– أجريتم دراسة تحليلية مع عدد من الخبراء -البريطانيين والسعوديين- لدلائل التحول المناخي خلال عصرَي البلايستوسين والهولوسين في هضبة المستوي بمنطقة القصيم بالمملكة، هل يمكن أن تكشف لنا عن تفاصيل أوضح وأوسع عما توصلت إليه الدراسة؟

الدراسة بدأت منذ عام 2008، قُمنا بها بمشاركة فاعلة مع زملاء من بريطانيا؛ مثل الدكتورة سو مكلارين، اختصاصية البيئات القديمة، والدكتور أندرو برادلي، مختص الاستشعار عن بعد والهيدرولوجيا؛ حيث بدأ العمل بحفر بعض القطاعات واستقطاع بعض العينات وإرسالها إلى المعامل البريطانية، وأُخضعت للتحاليل المطلوبة؛ مثل “OSL-C14-XRD-Thinsection” وغيرها، وإجراء تحليل للمرئيات الفضائية، وجاءت النتائج لتكشف عن سيادة مناخ مداري رطب وكشف تُرَب مدارية، وانتشار حياة غابية وعشبية غنية تدعم ظروفاً مطيرة قبل نحو 220 ألف سنة، والله أعلم.

بعض من عينات البحث

في مرحلةٍ لاحقة استمر البحث في هذه المنطقة، وتم إجراء مسح أرضي شامل لأغلب المدافن والمراقد والمذيلات التي ما زالت شامخة في هضبة المستوي، بالتعاون مع فريق على رأسه وحدة الآثار في القصيم، ومشاركة من د.عيد اليحيى، ودعم من شركة “السندي”؛ حيث تم جمع عدد من العينات أُخضعت للتحليل بواسطة معامل أمريكية، لإجراء تحليلات “C14″، وجاءت النتائج لتؤكد كشفاً جديداً يزيد على 20 ألف سنة، وكذلك فترات مطيرة قبل 10 آلاف سنة، وفترة قحولة قبل خمسة آلاف سنة.

– هل يمكن الاستنتاج بأن منطقة القصيم وما حولها كانت تنعم بمميزات حيوية وطبيعية وغابات، غير السائدة فيها الآن؟

بالفعل أكدت الدلائل المدروسة أن وسط المملكة كان يقبع تحت تأثير ظروف مدارية مطيرة أزماناً طوال، خلال 220 وكذلك 10 آلاف سنة تخللتها آجال أخرى مختلفة بين القحولة والجفاف قبل 15 و5 آلاف سنة على سبيل المثال؛ لكن في الفترات بين 220 و10 آلاف سنة، فإن ما أكدته التقنيات التحليلية والمعثورات الأرضية، يشير إلى أن المناخ المسيطر كان مدارياً دافئاً؛ حيث زامنه نمو غابي كثيف وتنوع حيوي وتُربي عمَّ كل أرجاء صفراء المستوي بل أغلب أواسط المملكة، وبينت الدراسة أن هذه المنطقة شهدت نشاطاً نهرياً دائماً للقنوات النهرية الموروثة في صفراء المستوي، فكانت الأنهار التي تعرف حالياً باسم وادي الأدغم ووادي النميلات ووادي برقاء ووادي النبقي، كانت أنهاراً تفيض بكامل طاقتها صوب بحر ضحل واسع شغل ما يُعرف حالياً باسم نفود الثويرات، وعاش على ضفاف تلك الأنهار أمم مختلفة تأقلمت مع تلك التغيرات المناخية التي هيمنت على هذه البقاع، يؤكد ذلك مدافنهم ومذيلاتهم ومراقدهم، والتي توكد تنوع الأقوام والحضارات واختلاف المهن واستغلال الأرض؛ فمن صيد في محيط الغابات إلى رعي وزراعة في السهول الواقعة شرقي صفراء المستوي، كما شهدت تلك الفترة، والله أعلم، استغلالاً للبحر الضحل؛ حيث استغل في الصيد والنقل البحري والتبادل التجاري في المنطقة المحصورة بين شرقَي المستوي وغربي طويق، والتي تشغلها رمال الثويرات؛ حيث من المحتمل أنها أسهمت في الإبحار والاتصال بالأمم المجاورة في بقاع أخرى من الجزيرة العربية.

التقنيات التحليلية والمعثورات الأرضية، يشير إلى أن المناخ المسيطر كان مدارياً دافئاً

اقرأ أيضاً: التغير المناخي والأوبئة الجديدة.. هل نحن مستعدون؟

– هل يرقى ما يوجد من مدافن وبقايا كائنات إحيائية متصخرة ومراقد، إلى اعتبار هضبة المستوي أو أماكن مشابهة في القصيم كالكشف الأثري القيم؟ وكيف تتعامل الجهات المعنية مع ذلك؟

بالتأكيد، فما يوجد في صفراء المستوي كم مهول من آثار أمم وأقوام سادت ثم بادت، بالإضافة إلى نثار وبقايا غابات مدارية، يضاهي ما يوجد في بقاع أخرى في المملكة أو الوطن العربي من شواهد تدعم حضارات فنيت في بقاع المملكة؛ مثل حضارة الفاو بوادي الدواسر، والأفلاج، وعين فرزان، ووادي حنيفة، ومنشآت يبرين، والجامور، والصمان شرقي المملكة، ورجوم صعصع في العلا، وجبل ابن لعبون في الخرج، ومن جانب آخر سيادة آثار وبقايا الكائنات الإحيائية البائدة هي نظير لتلك الحياة الغابية في الربع الخالي وغابات مرات والمذنب والوطاة والأسياح بالقصيم.. وغيرها.

السجل المناخي والبيئي القديم للملكة العربية السعودية

العناية بهذا الإرث تتطلب جهوداً تكاملية بدءاً من الجهة المسؤولة عن التراث الحضاري والجهات الحكومية ذات العلاقة التي تعنى بتنمية وتخطيط المدن وبالمواطن الذي يأخذ على عاتقه إبراز هذه الظاهرات للجهات المسؤولة ونشر ثقافة حماية المدخرات التاريخية للأرض.

جانب من الأدلة الموروثة في الدراسة التحليلية للفريق السعودي- البريطاني في هضبة المستوي

اقرأ أيضاً: قراء نجد والقصيم والتلاوة على نغمة “نجدي”.. مع مصطفى سعيد

– ما قيمة الدراسات التحليلة على الأرض في تحسين الواقع البيئي والسياحي؛ خصوصاً أن مناطق كثيرة في المملكة والجزيرة العربية ما زالت تحتفظ بمكامن تاريخية وأثرية ما زالت لم تكتشف؟

جانب من الأدلة الموروثة في الدراسة التحليلية للفريق السعودي- البريطاني في هضبة المستوي

أكدت الدراسة ضرورة الحفاظ على تلك الأدلة الموروثة وتسويرها وتهيئتها وفتحها أمام الباحثين والطلاب؛ لما لها من أهمية كبيرة في تجسيد ماضي البلاد وبيئتها القديمة، وما يظهر حالياً ما هو إلا بصمة من بصمات حياة مزدهرة تحمل موروث وأصالة وقدم هذه الأرض.

جانب من الأدلة الموروثة في الدراسة التحليلية للفريق السعودي- البريطاني في هضبة المستوي

إضافة إلى ذلك فإن صفراء المستوي وما تحتضن من ظواهر وآثار يمكن أن يُقال عنها إنها متحف جغرافي، تتوافر فيه خصائص وإمكانات السياحة الداخلية؛ حيث إن ندرة المتكونات الأرضية أهلتها لتكون نافذة ترويج سياحي له مردود اقتصادي وبيئي واجتماعي، هذا وتؤكد الدارسة أهمية توجه القطاع الخاص للاستثمار السياحي بالتنسيق والاستفادة من خطط وسياسات الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني؛ لدعم البرامج السياحية، مثل سياحة الأودية والسياحة الأثرية وسياحة المغارات والكهوف.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة