الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

البرهان المعكوس في تفكير الجماعات السياسية الإسلامية

كيوبوست

عمار علي حسن♦

لا يمكن لصاحب تفكير سليم أن يقفز إلى النتائج قبل أن يضع المقدمات الواضحة الراسخة علمياً؛ فهذه قاعدة منطقية لا جدال فيها. لكنَّ كثيراً من التصورات المطروحة في الكتب التي وضعها منظرو الجماعات الدينية السياسية، على اختلاف درجات تشددها، تذهب إلى الخلاصات دون شرح كافٍ لما يؤدي إليها في اطمئنان؛ بل إنها تضع النتائج قبل المقدمات.

ولا يقتصر الأمر على هؤلاء؛ بل إن كثيراً من منتجي “المعارف الدينية” المحضة، يقعون في الخطأ ذاته، بطريقة ما؛ إذ إنهم ولأسباب شتى، سنأتي على ذكرها لاحقاً، يصدرون أحكامهم؛ وكثير منها يكون باتاً قاطعاً ونهائياً في نظرهم، ثم يبحثون في النصوص وتفسيراتها وتأويلاتها عما يبرر ما انتهوا إليه، ويطرحونه باطمئنان يحسدون عليه.

قُلت هذا ذات مرة في مناظرة تليفزيونية ضد أحد البارزين في جماعة الإخوان، فشرد قليلاً في الكتب التي درسها وهو شبل صغير في الجماعة حتى صار أحد أعضاء “مجلس الشورى” بها، وأنكر هذا أمام المشاهدين؛ لكننا حين التقينا خارج استوديو التصوير، قال لي: ما قلته يستحق النظر، أنت أيقظت في رأسي أشياء لم تخطر عليه من قبل؛ لكنني أعتقد أن تصورك هذا فيه قدر من التسرع، وعليك مراجعته.

اقرأ أيضًا: ظاهرة التوالد والانشطار لدى الجماعات والتنظيمات المتطرفة

لم أكن متسرعاً بالطبع؛ فقد عملت ردحاً من الوقت باحثاً في شؤون “الحركة الإسلامية السياسية”، ولم أكن منتبهاً في البداية إلى هذه الآفة؛ لكني اكتشفتها بمرور الوقت، وأثناء بحث مستفيض عن عيوب التفكير لدى أتباع الجماعات والتنظيمات التي توظف الإسلام في تحصيل السلطة السياسية، سواء في ما حوته البيانات والمنشورات التي يصدرونها أو الكتيبات الإرشادية التي تُقَرَّر على مَن ينتمون إليها، أو الكتب الأكثر عمقاً؛ سواء في الفقه أو التصور السياسي والاجتماعي.

يكفي أن نأخذ مثالاً بسيطاً للبرهنة على هذا الأمر من  كتب: “ميثاق العمل الإسلامي” الذي يحمل التصور الأساسي لـ”الجماعة الإسلامية” في مصر، و”معالم في الطريق” لسيد قطب، وهو الأكثر تأثيراً في جماعة الإخوان في العقود الأخيرة، ومعها التنظيمات الجهادية كافة، و”إدارة التوحش” الذي يحوي الأيديولوجية الأساسية لتنظيم داعش.

غلاف كتاب “ميثاق العمل الإسلامي”

لكن قبل تحليل هذه الكتب الثلاثة لتقديم ما يدل على هذه الفكرة ويجليها، يجب أن نشرح الأسباب التي تؤدي بهذه الجماعات إلى الوقوع في تلك “المغالطة المنطقية” أو “العور المنهجي”؛ والذي يجعل الكتابات والأدبيات التي تستند إليها تلعب دوراً كبيراً في تضليل أتباعها، مستغلةً في هذا النصوص الدينية الأساسية من قرآن كريم، وحديث نبوي، وبعض أقوال الصحابة بشكل عام.

1ـ الأهداف المسبقة: فهذه الجماعات والتنظيمات لديها أهداف محددة، نشأت من أجل تحقيقها، ولا يمكنها أن تحيد عنها، وهي تعبئ أعضاءها للذهاب إليها جميعاً، ولا تريد أن يظهر أي شيء يحول دونها، حتى لو كان نصاً قطعي الثبوت والدلالة، فإن كان مثل هذا النص فهي إما تتناساه وإما تُعمى عنه وإما تقوم بتأويله في السبيل الذي يخدم هدفها. فمثلاً لو أرادت هذه الجماعة أن تبني شرعية وجودها على أن النظام السياسي الحالي كفري أو لا يطبق الشرع، فإنها ستتعامى عن كل ما يبين عكس ما تقول؛ كأن تنص الدساتير على أن مبادئ الشريعة الإسلامية من أصول التشريع، وأن كل الآيات القرآنية التي تشرعن للناس أسلوب حياتهم مطبقة وأغلبها في ترتيب الأحوال الشخصية، ولأن هدف هذه الجماعات هو إقصاء ما عداها من قوى سياسية وفكرية أخرى، فإنها تتهمها بالعلمنة والتغريب وربما العمالة للغرب والاستسلام لكل وافد، وتغلق عينيها عما بين هؤلاء ومظاهر التدين وجواهره على أساس الإسلام من اتصال. 

اقرأ أيضًا: حتى لا يغيب العدو عن أذهاننا: وعد “الجماعات الجهادية المعتدلة” كاذب

2ـ ضعف التكوين المنهجي: فبعض مَن ينتجون هذه الكتابات لا يحسنون التفكير العلمي، أو لا يملكون طرائق وأدوات مناهج البحث، التي تقوم على الشك وطرح الأسئلة ووضع الافتراضات، ثم السعي وراء إجابات أو إثباتات أو نفي، مع التحرر الكامل في هذا من كل تصورات أو ارتباطات أو التزامات مسبقة، ثم الامتثال لما يقتضيه النهج العلمي، إنما تسيطر عليهم مقتضيات الدعاية، التي ترمي إلى جذب الأتباع، وإغناء المجال العام بما يقود إلى التعاطف مع فكر هذه الجماعات ومسلكها.

3ـ ضعف التكوين الفقهي: فالفقه الإسلامي في بنيانه الرئيسي يقوم بالأساس على جعل النص “القرآني” أو “النبوي” أساساً، ثم إعمال العقل في ما لم يرد فيه نص، على ألا يقطع فقيه بأن ما يصل إليه هو بالضرورة القول النهائي القاطع الذي لا صد له ولا رد، إنما هو اجتهاد في الدين أو رأي في الدين وليس “الدين”. أما التصورات التي يقدمها منظرو تيار “الإسلام السياسي” بوصفها فقهاً، فهي تفتقد هذه الشروط، في الغالب الأعم، وتخضع لكل عيوب الأيديولوجيا؛ ومنها زعم الوثوق والنقاء والسلامة التامة.

4ـ مغازلة القواعد: فالذين ينتجون هذه التصورات يراعون بالقطع ما عليه القواعد من فهوم وتصورات ومواقف، تمت صناعتها جميعاً على مدار سنوات أو أقل؛ بفعل ما تم دفعه أو بثه أو إلقاؤه على الأسماع من آراء قامت في أغلبها على ما يسعى إلى تحقيق الهدف، وليس بالضرورة ما يستجيب لما يفرضه النص، أو تتطلبه مصلحة المجتمع العام، الذي هو أعرض أو أوسع من مجتمع التنظيم أو الجماعة.

 ومع مرور الوقت تستقر هذه الرؤى في أذهان القواعد أو الأتباع، ولا يعرفون غيرها سبيلاً إلى الاقتناع والثقة، وتشكل ما يمكن أن يكون أشبه بـ”رأي عام” داخل الجماعة أو التنظيم، يصنع لنفسه قوة أو وجهة دفع وتأثير، لا يمكن لمن يعظ في جمهورها أو يرشده أن يتجاهل هذا، ولذا فإنه يستسلم له، ويتماهى معه، أو على الأقل يجاريه؛ حتى يحظى بالقبول والاعتماد، ومن ثم تعزيز الدور وترسيخه داخل الجماعة، التي قد لا يشغلها، في أوقات المواجهة، مدى دقة الموقف الشرعي، إنما إيمان أتباعها بصحة موقف قياداتها.

اقرأ أيضًا: “العائدون من جحيم الإخوان”…حكايات من رحم التنظيم

 5ـ التماهي مع تجربة تاريخية حولت الدين إلى أيديولوجيا: فمشروع ما يُطلق عليه “الإسلام السياسي” يقوم برمته على هذا الأمر. ونظراً لأن الأيديولوجيا تنزع بطبعها إلى التبرير، وترمي إلى تعبئة الناس حولها وجذبهم إليها، فإنها تدفع من ينصتون إلى أقوالها وتصوراتها إلى عدم الالتزام بأي شيء سوى الإيهام، ويصبح حظ ما فيها من علم هو ما قدره الراعون لها أو المؤسسون حسب تصورهم لهذا، دون أن يكون ما أبدوه أو أعطوه علمياً بالضرورة؛ فنحن طالما سمعنا اصطلاح “الاشتراكية العلمية” وتحته تم ترويج الكثير من التصورات التي لا يمكن البرهنة عليها. وعلى المنوال نفسه سوَّق منتجو الخطاب الديني كثيراً من تصوراتهم على أنها “علم” دون أن يكون لهذا أي نصيب من صواب وَفق قواعد العلم المنظورة والمشهورة.

ويعد  كتاب “معالم في الطريق” مثالاً للاستنتاجات أو الخلاصات التي لم يعتنِ صاحبها قط بالبحث عن براهين شرعية أو فقهية أو حتى عملية وعلمية؛ فالرجل يضع عناوين لافتة لفصول كتابه، وواضحة ومحددة، ولا تخطئها عين، ثم يمضي في بناء برهان مسربل ببلاغة ظاهرة، وقدرة هائلة على الإيهام، غير معني أو متوقف عند الالتزام بأصول شرعية متعارف عليها عند دارسيها والمبلغين بها، ولا حتى بمقتضيات العلم ومناهجه، ومتطلبات السياق التاريخي الموجود وما كان يفرضه من مشكلات حياتية، تتطلب تفكيراً يعمل بالأساس على إيجاد حل لها.

غلاف كتاب “معالم في الطريق”

فالكتاب، الذي تأثر صاحبه بعيداً بآراء (أبو الأعلى المودودي)، ناقش قضايا “الإيمان والكفر” و”الجاهلية والإسلام” و”الجيل الفريد” أو “الرباني” و”الحاكمية” و”الجهاد”، ليطرح الكاتب فيها رأيه الذي يخدم الهدف الذي يرمي إليه، ثم يبحث في آيات القرآن أحياناً عما يسنده؛ بحيث بقيت هذه الآيات لديه أشبه بقلائد زينة يرصع بها نصه، كي يعطيه وهماً إطاراً شرعياً أو يضفي عليه طابعاً ألوهياً؛ بينما هو في الحقيقة يتلاعب بالنص، ولا ينصت إلى ما يفرضه، ويصنع هو نصه الموازي، مستغلاً قدراته البلاغية، في سبيل الإيهام والانجذاب.

ويتحدث كتاب “إدارة التوحش” المنسوب إلى شخص يُدعى أبو بكر ناجي، عما يُسميها “قواعد العمل والسياسات” التي يجب اتباعها في سبيل تحقيق ما يسميها “شوكة النكاية” أو إنهاك المجتمعات التي تقع تحت سيطرة مقاتلي “داعش”، وكيفية استعمال “الشدة” في التصرف حيال الغير، دون أن يكلف نفسه عناء تبيان الأصول الشرعية لهذه القواعد وتلك السياسات، اللهم إلا الائتناس ببعض التجارب التاريخية للمسلمين الأوائل، التي يقطتعها أحياناً من سياقها القديم، ويزرعها في سياق جديد يخدم منفعة التنظيم ومصالحه. ويبدأ الكتاب كله بعبارة: “الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه.. أما بعد”، ليوحي لمَن يقرأه أن ما جاء فيه هو على درب النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وليس هو بذلك أبداً؛ بل إنه يناقض الخط البياني الذي سارت عليه الدعوة في مطلعها، ويتنافى مع نصوص القرآن، التي تقيد الحرب فلا تكون إلا دفاعية وعادلة.

غلاف كتاب “إدارة التوحش”

أما كتاب “ميثاق العمل الإسلامي”، والذي يعد بمنزلة دستور “الجماعة الإسلامية”؛ فهو يزعم أن مصادره هي القرآن الكريم والسنة النبوية، ويقول إن الغاية هي رضا الله واتباع نبيه، وأن الفهم يقوم على “شمول الإسلام”، وأن الهدف هو “إعادة الناس لربهم” و”إقامة خلافة على نهج النبوة”، وأن الطريق إلى تحقيق هذا هو “الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد”، وأن الولاء لله ورسوله والمؤمنين، وأن الزاد هو التقوى والعلم والتوكل، وأن العداء يكون للظالمين والكافرين، وأن الاجتماع هو لغاية واحدة بعقيدة واحدة وتحت راية واحدة.

ثم يجعل الكتاب من قتال الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام فريضة، رافضاً اقتصار الجهاد على الوسائل السلمية؛ مثل الكتابة والخطابة والتربية أو الدخول إلى العمل السياسي، الرسمي والعلني، من بابه الشرعي؛ كتكوين الأحزاب وخوض مختلف أنواع الانتخابات، ليكون الجهاد هذا في نظر واضعيه هو “القتال والدم وقوة السلاح”.

عناصر متطرفة- أرشيف

ولأن الجماعة قالت ابتداء إن القرآن والسُّنة مصدر أفكارها؛ فكان على واضعي كتابها هذا أن يفرطوا في استدعاء آيات وأحاديث نبوية لتبرير ما انتهوا إليه، والذي وضعوه مسبقاً ليحقق أغراضهم، ويعكس تصوراتهم، وهنا يتحول النص من إطار حاكم إلى وسيلة تبرير. في الوقت نفسه، فإن التصور، الذي يتلاعب بالنص، لا يجعل من العقل إطاراً ولا موئلاً وضابطاً؛ إنما هو غائب كثيراً، وسط أوهام وإيهام لا حد له.

إن “الجماعة الإسلامية” عادت وضبطت الأمر، في المراجعات التي بدأتها عام 1997؛ لكن الضبط هذا كان بميل إلى الواقعية والعقلانية بعض الشيء، لكنه لم يحل المعضلة المنهجية التي تضع النتائج قبل المقدمات. فهذه المرة تغير الهدف، ولو مؤقتاً؛ فعاد النص يخدم ما تغير، ليس أكثر ولا أقل.

وأعتقد أن استمرار هذه الآفة في تفكير جماعات وتنظيمات “الإسلام السياسي” سيحول دون حدوث تغير استراتيجي في مسلكها؛ لأنه سيصنع طوال الوقت داخل بنيتها المغلقة أجيالاً مستلبة حيال الإفراط في التلاعب بالنص، وهم يظنونه رأي الشرع، وغاية الدين الإسلامي، وما هو بذلك أبداً؛ إنما تأسيس على شفا جرف هار، أو تل ساف من رمل متحرك، ما إن يُقام على أكتافه شيء حتى ينجرف إلى الهاوية.

♦روائي وخبير في علم الاجتماع السياسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عمار على حسن

روائي، وباحث في علم الاجتماع السياسي

مقالات ذات صلة