شؤون خليجية

البحرين والإمارات: علاقة أخوّة أزلية لجمت الأحقاد

ما هي طبيعة العلاقة بين البلدين؟ وعلامَ تقوم؟

خاص كيو بوست – 

بينما دأبت دولة الإمارات العربية المتحدة دائمًا على الوقوف إلى جانب دول مجلس التعاون الخليجي، سارعت إلى تقديم كل الدعم للبحرين التي تعرضت لمخاطر اختراق استقلاليتها من قبل إيران وأذرعها الداخلية عام 2011، ما جعل مراقبين يُجمعون على اعتبار الدور الإماراتي عاملًا مهمًا وأساسيًا في استقرار المنامة، وحمايتها من خطر كان يحدق بها، وبكل دول الخليج العربي ووحدتها وقوتها.

فالإمارات عبّرت في أكثر من محفل عن دعمها لكل الإجراءات التي تتخذها مملكة البحرين الشقيقة لحماية أمنها واستقرارها وسلامة مواطنيها من التطرف والإرهاب، بجميع صوره وأشكاله، وكذلك محاولات الجماعات المرتبطة بالخارج زعزعة الأمن والاستقرار في البحرين، وإثارة الفتنة والمساس بوحدتها الوطنية وأمنها، هذا ما قاله مرارًا وزير الدولة الإماراتية لشؤون الخارجية أنور بن محمد قرقاش.

 

زيارات متبادلة

لكن العلاقة الخاصة التي تربط الإمارات بالبحرين لم تولد فقط مع الأزمة في السنوات الأخيرة، بل اتسمت بذلك تاريخيًا.

ويتحدث الكاتب الصحفي البحريني غسان الشهابي لـكيو بوستعن السياق التاريخي لهذه العلاقة، فيقول إن العلاقة التي تربط جميع دول مجلس التعاون الخليجي وثيقة وقديمة جدًا، وبدأت بين أمراء المناطق التي كانت تسمى سابقًا بـ”المشيخات”، أي قبل أن تتحول إلى دول بالشكل الحديث؛ فكانت هناك الكثير من الزيارات والمساعدات المتبادلة التي أبقت هذه الكيانات متماسكة.

ولذا فإن هذه العلاقة الوطيدة ليست خافية على أحد؛ لأنها معروفة تاريخيًا، وبُنيت بين الأسر الحاكمة، خصوصًا أن هناك روابط دم وقربى ونسب وجوار تاريخي، ما أسس لهذه الأخوّة التي بني على أساسها مجلس التعاون.

ويضيف الشهابي أن “هناك خصوصية مختلفة للعلاقة بين الإمارات والبحرين؛ فالعلاقة الوثيقة وطدها حاكم الإمارت الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وأمير البحرين الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة -رحمهما الله- منذ ستينيات القرن الماضي، فكلاهما سعى لتأكيد العلاقة الطيبة فيما بينهما.

ثم استُكملت بعلاقة وطيدة أخرى بين الشيخ زايد بن سلطان، وملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة، منذ أن كان الأخير وليًا للعهد، إذ كانت هناك زيارات كثيرة متبادلة، بنوع من الاحتضان لولي عهد البحرين آنذاك الشيخ حمد، وبشكل أبوي من قبل الراحل الشيخ زايد بن سلطان.

وبالتالي، “امتازت العلاقات الإمارتية – البحرينية بخصوصية فيها لمسة أبوية جعلت من الإمارات والبحرين تتقاربان أكثر فأكثر، وهذا تعزز على مدى سنوات، وتُرجم من خلال البعثات الدراسية المتبادلة بين الشعبين، بالتوازي مع تواصل حميم بين القيادتين”.

 

لا تباين

لم يُسجل التاريخ أي تباين بوجهات النظر سياسيًا وفكريًا بين دولتي الإمارات والبحرين، كما يؤكد الكاتب غسان الشهابي، موضحًا أن هناك انسجامًا تامًا بالمواقف على المستوى الخليجي، وكذلك في الموضوعات العربية والدولية.

ولذا، فإن مواقف البلدين تسير على الخط نفسه، لأن سياستهما تقوم على القيم نفسها، والمبادئ التي يؤمن بها كل منهما، وبالتالي لا خلاف ولا تباين في وجهات النظر؛ سواء فيما يتعلق بقضايا الإرهاب، أو الخطر الإيراني، وكذلك المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية، فضلًا عن موقفهما إزاء القضايا العربية والعالمية.

وعندما نتحدث عن استقرار البحرين، في أعقاب المخاطر الإيرانية التي أحدقت بالمملكة عام 2011، يؤكد الكاتب البحريني غسان الشهابي أن ثمة نقاطًا أساسية اتخذت فيها الإمارات، كما السعودية، موقفًا حازمًا وقويًا تجاه التدخلات الإيرانية.

ولما كشفت أجهزة المخابرات البحرينية معلومات حول وجود اتصالات بين إيران وأذرعها في الداخل لتنفيذ تفجيرات واغتيالات، كانت الإمارات أكثر دولة داعمة للبحرين سياسيًا وأمنيًا، علاوة على أنها كانت دولة فاعلة في المشاركة بموضوع (المارشال الخليجي) أي برنامج التنمية الخليجي، الذي أُقر للنهوض بالاقتصاد البحريني والعُماني، لقطع الطريق أمام الطامعين، على اعتبار أنه في حال ضعفت أي واحدة من الحلقات الخليجية ربما يكون من السهل على البعض أن يطرقوا أبوابها، ويلعبوا بأمنها واستقلالها؛ فكان من المهم إغلاق النوافذ حتى لا يتسلل منها أي من “دول الشر”.

وبذلك، تُعدُّ الامارات داعمة قوية لمملكة البحرين ماديًا وسياسيًا، ولم تترك محفلًا عربيًا أو عالميًا إلا وتحدثت عن البحرين وضرورة حمايتها من المخاطر الإيرانية والإرهابية. هذا إن علمنا أن الإمارات -كما كل دول الخليج- تواجه الخطر الإيراني، خصوصًا أن إيران تحتل جزرًا ثلاث لدولة الإمارات، ما جعل الأخيرة تدرك جيدًا وبعمق، وفي وقت مبكر، معنى تدخلات إيران وتسللها للمنطقة وأطماعها الخطيرة، بالتوازي مع خطر حركات “الإسلام السياسي”.

 

اتفاقيات لتمتين العلاقة

وفي ظل العلاقات المتينة بين الشقيقتين، وُقع عدد كبير من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم المشتركة خلال السنوات الثماني الأخيرة، على صعيد البحوث والعلوم والطاقة والإعلام والشباب، علاوة على التعاون السياسي والأمني، نذكر منها اتفاقية دراسة تطوير مشاريع الطاقة المتجددة بين المجلس الأعلى للبيئة بمملكة البحرين، وشركة أبوظبي لطاقة المستقبل «مصدر»، في 9 فبراير/شباط 2014.

كما وقعت الدولتان على مذكرة تفاهم منحة قيمتها 2.5 مليار دولار أميركي بتاريخ 18 فبراير/شباط 2013، في إطار برنامج التنمية الخليجي بين مملكة البحرين وصندوق أبوظبي للتنمية، إذ تضمن ذلك تخصيص 10 مليارات دولار لتمويل مشاريع التنمية في البحرين على مدى عقد من الزمن، فضلًا عن اتفاقية التعاون والتنسيق الأمني بين حكومة الدولة الإماراتية وحكومة مملكة البحرين، في 3 مايو/أيار 2011، لتضاف إلى أكثر من 7 مذكرات تفاهم قبل عام 2010 في مختلف المجالات.

ولعل ما قاله معالي الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وزير خارجية مملكة البحرين الشقيقة مطلع أبريل/نيسان الماضي حول عمق ومتانة العلاقات مع الإمارات، يؤكد مدى نظرة الاحترام لدولة الإمارات.

فالشيخ خالد بن أحمد أشاد بالتطور الكبير الذي حققته الإمارات، وجعل منها مصدرًا يتعلم منه الجميع كيفية صناعة المستقبل بالعمل الجاد والالتزام، اللذين كانا سببًا في تحقيق هذا النجاح.

 

سياسة عقلانية

وينظر خبراء على نحو واسع إلى أن هذه العلاقات تكتسب أهمية كبيرة في ظل تمتع البلدين بثقل سياسي وموقع جغرافي وإستراتيجي مميز، على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وتبنيهما لسياسة خارجية عقلانية ومتوازنة ومعتدلة، وكونهما من النماذج الرائدة على مستوى المنطقة في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتنفيذ سياسات طموحة للإصلاح والتطوير والتحديث وتكريس دولة المؤسسات والقانون.

ولم يكن من المستغرب أن تدعم الإمارات –امتدادًا لمواقفها الإنسانية والإنمائية السابقة- بإمكاناتها السياسية والأمنية والاقتصادية كافة، البحرين، فيما واجهته من أحداث مؤسفة ومحاولات خارجية لزعزعة أمنها واستقرارها.

وعلى الرغم من تعدد وتنوع مجالات العلاقات البحرينية – الإماراتية بشكل عام، إلا أن البعدين السياسي والاقتصادي يحظيان بمكانة مهمة؛ فعلى المستوى السياسي، تعتبر الزيارات المتبادلة بين قيادتي البلدين أحد أهم الإشارات على تميز العلاقة بينهما، وذلك في ظل تبادل الزيارات الودية والرسمية على أعلى المستويات. ومن أبرز تلك اللقاءات الاجتماعات الدورية لقيادتي البلدين في إطار القمة الخليجية التي تعقد في مايو/أيار، ونهاية كل عام، وما حققته من نتائج متميزة على صعيد دفع مسيرة التكامل الخليجي.

من جهته، يؤكد رئيس جمعية الصحفيين البحرينية، رئيس تحرير صحيفة البلاد، مؤنس المردي، لـ”كيو بوست” أن العلاقة البحرينية – الإمارتية قديمة وممتدة، وتوثقت بشكل خاص منذ المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الأمر الذي يفسر سر العلاقة المتميزة بين القيادة والشعبين، فهي متنامية ومتحركة وفيها نسب وبها نوع من الخصوصية.

ويشدد المردي: “أننا -نحن البحرينيين- نعتبر الإمارات عمقنا، ونحن سندها بالجهة الأخرى من منطقة الخليج”.

 

درع الجزيرة

ويعود المردي إلى الوراء لسنوات قليلة، فيتذكر أحداث 2011، عندما جاء “درع الجزيرة” المؤلف من دول الخليج العربي لحماية مملكة البحرين من خطر كان يتهدد سلامتها واستقلاليتها. وأضاف أن البحرينيين ينظرون إلى دور الإمارات بخصوصية بالغة، خصوصًا أنها وقفت بأبنائها مع البحرين، وكان هناك شهيد إماراتي على أرض البحرين على يد الغدر الإيرانية، ناهيك عن أن أبو ظبي قدمت أبناءها ودمها وكذلك دعمها السياسي والاقتصادي للمحافظة على البحرين وأمنها.

ويتابع مؤنس المردي: “الإمارات قدمت أبناءها، وهذا له خصوصية، ويعطينا انطباعًا عن مدى التزام الإمارات بالأمن البحريني”. 

وحول المواقف البحرينية – الإماراتية الموحدة، أكد المردي أن السياسات والرؤى الاقتصادية لطالما كانت متطابقة لدى الدولتين منذ تأسيسهما، وهذا يعطينا شكلًا من القوة بمنطقة الخليج، للتأكيد على أن دول مجلس التعاون متماسكة، عبر الإشارة إلى رؤى مشتركة وموحدة، وأن ما يهدد الإمارات يهدد البحرين والعكس صحيح.

فهذه المواقف صنعت تاريخًا ثابتًا بأن ما يضر الإمارات أو البحرين يضر الخليج كله، ما يضفي مؤشرًا مهمًا أمام العالم أجمع بأن هناك جبهة صلبة في الخليج العربي، جاهزة وقادرة على مواجهة أي تحدٍ أو أطماع، يضيف المردي.

يذكر أن البحرين تتقاطع مع الإمارات العربية المتحدة في اتباع نهج سياسي ذكي ومدروس إزاء القضايا العربية عامة، والتصدي للمشروع الصهيوني خاصة، فهما مِن وراء الكواليس -وبعيدًا عن مزايدات بعض الدول التي تتاجر بقضية فلسطين- تعملان على ممارسة ضغوط دبلوماسية بواسطة اللوبيات المختلفة في الولايات المتحدة وأنحاء العالم، لتعديل سياسات الدول باتجاه الضغط على إسرائيل، حتى تقبل بالحل السياسي العادل للفلسطينيين.

فهناك نوع من المعالجة الذكية الصامتة البعيدة عن التباهي الإعلامي، وبشكل يخفى على الكثيرين، أساسه إخلاص الإمارات ومعها البحرين في حل القضية الفلسطينية بشكل عادل.

ويحرص البلدان على دعم ونصرة القضايا الخليجية والعربية والإسلامية استنادًا إلى عضويتهما ودورهما الفاعل في مجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومنظمة الأمم المتحدة، وغيرها من المنظمات.

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة