الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

البحث عن مكيافيلي جديد!

دائماً ما تتكبد داونينغ ستريت بالإضافة إلى تكاليف المستشار الباهظة تكاليف فواتير شركة "ماكنزي" التي يطلب منها ترشيح أشخاص ليحلوا محله.. ولكن الطريقة الأفضل هي قراءة بعض الكتب خصوصاً كتاب «الأمير» لمكيافيلي

كيوبوست- ترجمات

آمول راجبوت

دومينيك كامينغز؛ كبير مستشاري بوريس جونسون حتى الأسبوع الماضي، كان عندما يغادر غرفةً ما يقوم بحركة صبيانية، فقد كان ينزع مسمار قنبلة وهمية ويرميها من فوق كتفه. الرجل الذي كان مهندس خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والذي دفع السيد جونسون لخوض الانتخابات، وكسب أغلبية 80 مقعداً، يجر الحكومة إلى معارك مع البرلمان، ومع هيئات الخدمات العامة، وحتى مع حزبه. عندما غادر كامينغز مقر رئاسة الوزراء، كان المقر يبدو وكأن انفجاراً ضربه؛ فالمشروعات متوقفة والموظفون يركضون جيئة وذهاباً مثل دجاج مذبوح. الشخص الوحيد الذي يمكنه إصلاح هذا الوضع هو كبير مستشارين جديد.

اقرأ أيضاً: بوريس جونسون في مواجهة الإغلاق.. خطر قتل الاقتصاد أم قتل الآلاف؟

يعرف عن بوريس جونسون أنه يعتمد على فريق عمله أكثر من معظم القادة؛ فخصاله الإيجابية (التفاؤل والحماسة) تقابلها صفات سلبية (الارتباك والانجراف). وكان سيبقى مجرد عمدة لمدينة لندن لولا وجود مستشار قدير، هو سايمون ميلتون. ولسوف يحتاج إلى معجزة مشابهة لإنقاذ منصبه المتهالك كرئيس للوزراء. وفي الواقع، فإن كامينغز قدم لجونسون العبقرية السياسية والطاقة الفكرية؛ ولكنه افتقر إلى معظم القدرات التي يجب أن تتوافر في كبير المستشارين.

بوريس جونسون حين كان عمدة لندن مع نائبه آنذاك سايمون ملتون- ستاندرد

داونينغ ستريت دائماً ما تتكبد، بالإضافة إلى تكاليف المستشار الباهظة، تكاليف فواتير شركة “ماكنزي” التي تطلب منها رئاسة الوزراء ترشيح أشخاص ليحلوا محله. وهذا أمر يمكن فعله؛ ولكن الطريقة الأفضل هي قراءة بعض الكتب. ولنبدأ بكتاب «الأمير» لمكيافيلي، وهو أول كتاب في السياسة يصور الرجال كما هم بكل تفاصيلهم، وليس كما يرغب أن يراهم الأخلاقيون، ويعتبر مصدراً للإلهام الأبدي.

يؤدي كبار المستشارين دوراً مهماً في مختلف أنواع السياسات في يومنا هذا؛ فهم يمثلون عامل توازن في مقابل موظفي الخدمة المدنية أو حاجزاً في وجه مَن يحاولون ليّ ذراع القائد، ولكنهم أيضاً يؤدون خدمة نفسية مهمة؛ فهم يوفرون لرئيسهم أو رئيستهم شخصاً ليستمع إليهم.

نيكولو مكيافيلي صاحب كتاب «الأمير».. بورتريه بريشة سانتي دي تيتو- وكالات

وأفضل المستشارين هم أولئك الذين لا يظهرون، وهذا ما لم يحدث هنا. وقد عبر جيمس بيكر؛ كبير موظفي كل من الرئيسَين رونالد ريغن وجورج بوش الأب، عن الأمر خير تعبير حين قال: “إن كبير الموظفين هو كبير موظفين فقط”. أما جوناثان باول؛ كبير موظفي توني بلير، ومؤلف كتاب «مكيافيلي الجديد.. كيفية استخدام القوة في العالم الجديد»، فلم ينشر صورة واحدة له خلال العام الأول من خدمته، على حد قول الصحف.

شاهد: مكيافيلي وكيسنجر.. والواقعية في العلاقات الدولية

ومع ذلك، فإن التبعية لرئيس العمل لا تعني أن يفقد المرء كيانه. يجب على كبير المستشارين أن يكون قادراً على إصلاح نقاط ضعف رئيسه وتعزيز نقاط قوته. باتريك موينيهان كان الأفضل، وذكره بنصيحة دزرائيلي (رئيس وزراء بريطاني سابق- المترجم) بأن أفضل حكومات ريتشارد نيكسون هي التي كان يسيطر عليها “اليمينيون والمحافظون”. ولسوء الحظ هنالك العديد من المستشارين الآخرين؛ مثل جون إرليشمان، وبوب هالدمان، اللذين كانا مستعدَّيْنِ لإظهار أسوأ ما في الرئيس. ديفيد غيرغن أنقذ إدارة الرئيس بيل كلينتون الأولى من الاضطرابات؛ من خلال توفير مشرفين بالغين على الصغار الذين كانوا يشاركون في حملته الانتخابية. وبوريس جونسون يحتاج إلى موينيهان وغيرغن القادرين على تقديم الدافع الفكري والانضباط الرشيد.

بنجامين دزرائيلي رئيس وزراء بريطاني سابق (1804- 1881)- وكالات

يجب على مكيافيلي المعاصر أن يكون مستعداً لتفجير الفقاعات الأيديولوجية. فلا شيء أخطر على المؤسسات من تمجيد الذات. يجب على المستشارين أن يكونوا على دراية بأخطاء الماضي؛ حتى يتمكنوا من اكتشاف نقاط الضعف في خطط وأفكار رؤسائهم قبل أن يكتشفها خصومهم. وفي الوقت نفسه، وكما هي الحال غالباً في السياسة عندما تتحول الغطرسة إلى اليأس، يجب أن يكونوا قادرين على قراءة أخبارهم في عناوين الصحف اليومية. تعليمات مكيافيلي، التي تقول إن كلاً من الأمراء والمستشارين يجب أن يدرسوا التاريخ، وأن “يطلعوا على أعمال الرجال العظماء”، هي اليوم أكثر أهمية؛ حيث يدرس الكثير من السياسيين علوم الاقتصاد، والأسوأ من ذلك علوم التجارة.

يجب على المستشار الجيد أن يعرف متى يختار القتال ومتى يلعب بشكل جيد. التغيير خطير، كما يقول مكيافيلي “في النظام الحالي غالباً ما يكون الأثرياء معادين للمبتكرين، أما البسطاء الذين يعمونهم فسيكونون أفضل حالاً في ظل نظام جديد”. وقد ثبتت صحة هذا الرأي. ومع ذلك يعتقد الكثير من المحافظين أن وجود الأعداء هو العلامة الوحيدة على التقدم؛ لأنه لا يمكن تحقيق التقدم من دون خلق عداوات.

اقرأ أيضًا: هل تقف بريطانيا أمام تكلفة باهظة بعد الانفصال عن الاتحاد الأوروبي؟

المقبض المطاطي

وأخيراً، فالمستشار الناجح يحتاج إلى أن يتجول في داونينغ ستريت. إحدى أكثر شكاوى رئيس الوزراء شيوعاً هي أنهم يمسكون بمقابض القوة، ويكتشفون أنها مصنوعة من المطاط. وهذا ليس لأن المقابض معيبة أو لأن الآلات بحاجة إلى إعادة تصميم؛ ولكن لأن السلطة مشتتة كثيراً في التعددية. يجب على المستشارين أن يساعدوا رؤساءهم لبناء تحالفات عبر الدول من خلال القنوات الرسمية السياسية، وليس فقط من خلال الصحفيين. ولم يكن بعض أعضاء البرلمان وموظفي الخدمة العامة وحدهم؛ بل إن بعض رؤساء البلديات أيضاً قد اشتكوا من تجاهل النظام السياسي لهم، بسبب تركيزه على لندن.

داونينغ ستريت الخاسر الأكبر من المستشارين الضعفاء- وكالات

يعمل بوريس جونسون في الوقت الراهن على استنهاض إدارته عقب حدث كارثي جاء بعد أحد عشر شهراً من الانتخابات؛ ولكن لا يمكن لأيٍّ من خطبه الرائعة حول الثورة الصناعية الخضراء أن تقوده إلى مكيافيلي جديد قوي بما فيه الكفاية للتقدم في السياسة، ولديه ما يكفي من احترام الذات كي يكرس نفسه من أجل المجد الأعظم للملك بوريس من دون أن يقطف ثمار ذلك لنفسه. قد يكون توصيف الوظيفة شاقاً؛ ولكنّ المرشحين الناجحين لديهم الفرصة لتكوين أنفسهم من ظلال البلد بدافع من أكبر صدمتَين منذ الحرب العالمية الثانية؛ الخروج من الاتحاد الأوروبي و”كوفيد-19″. وهذا ممكن.

المصدر: ذا إيكونوميست

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة