الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةشؤون دولية

البحث عن إسبانيا المفقودة.. رحلة سبر للماضي الإسلامي في الأندلس

كيوبوست- ترجمات

أتيش تاسير♦

كان الرجال والنساء يرسمون علامة الصليب برصانة أمام قبر الملك القشتالي فيرديناند الثالث، ثم يجلسون على المقاعد تحت القبة يناجون هذا “القديس” الذي يُعرف بأنه راعي الاسترداد، ويُعزى إليه الفضل في إسقاط الحكم الإسلامي الذي دام خمسة قرون ونصف القرن هنا في مدينة “سفيل” التي كانت تُدعى إشبيلية في ذلك الحين. كتب فوق المذبح بأحرف فضية “أنا من نصَّب الملوك”؛ حيث تسمع أنغام الأرغن مع أصوات الترانيم اللاتينية في قاعة أكبر كنيسة قوطية في العالم. الكنيسة التي بُنيت على أساسات مسجد من القرن الثاني ما زالت تحتفظ بمئذنته الهائلة التي يصل ارتفاعها إلى 104 أمتار؛ تغطيها زخرفات بشكل أقواس متداخلة.

هنا بدأت رحلتي في سبر أغوار الماضي الإسباني الإسلامي. كنت أريد أن أرى بأم العين النقوش التي سمعت عنها. بحثت عن الناووس الذي يرقد فيه الملك القديس، قد غطى الذهب معظم حجرته، وقفت مع المصلين مأخوذاً بروعة المنظر، كان هنالك أربع لوحات كتب عليها باللغات الأربع التي كانت دارجة في إسبانيا في العصور الوسطى، العربية والعبرية واللاتينية والقشتالية. وفي نهاية النص المكتوب نقرأ “تخليداً لانتصار الملك العظيم دون فيرديناند القشتالي، سيد طليطلة وليون وغاليسيا وقرطبة وموريسيا وجيان” وهي البلاد التي صارت تُعرف باسم “جميع إسبانيا” عند المنتصرين المسيحيين، وباسم سيفاراد بالنسبة إلى اليهود، وباسم الأندلس عند المسلمين.

هذه اللوحات الأربع ترمز إلى انتصار المسيحيين في إسبانيا الذي لم يكن حتى حينها على حساب التعددية، كان ابنه الملك ألفونسو الشهير بالحكيم قد نشأ في بيئة غنية بالثقافة العربية الأندلسية؛ لذلك كان من الطبيعي له أن يستخدم الألفاظ والتعابير الدينية المتعددة، فكتب تاريخ وفاة الملك فيرديناند على اللوحات بالتقويم العبري (يوم 22 من سيفان 5012) وبالتقويم الهجري (العشرين من ربيع الأول 550) وكذلك بالتقويم الغريغوري (31 أيار/ مايو 1252)، وأيضاً بعض التعابير الإسلامية مثل “رضي الله عنه”؛ إجلالاً للملك الراحل فيرديناند.

اقرأ أيضاً: مسلسل “فتح الأندلس” يؤجج جدل الهوية وتزوير التاريخ

هذه الألفة بين الثقافات والأديان وسهولة الانتقال بينها وكأنها ذات واحدة هما ما يفطر القلب؛ فإسبانيا التي عرفت التجانس بين الأديان الثلاثة كانت على حافة تدمير هذا التجانس. يقول جيريلين دي دودز وماريا روزا مينوكال وابيغيل كرازنير بالبيل، في كتابهم (دور فنون التقارب ما بين المسيحية واليهودية والإسلام في تشكيل الثقافة القشتالية): “مع العلم أن اليهود والمسلمين سيُطردون من إسبانيا وسيُمحى من الذاكرة القشتالية استخدام أسماء مثل الأندلس وسيفاراد للدلالة على إسبانيا”؛ ولكن ما الذي جعل مجتمعاً فيه هذه التعددية ينحدر نحو الانجراف وراء أفكار بدائية كفكرة الدم النقي التي أدت إلى القضاء الكامل على الوجود الإسلامي في إسبانيا.

الإمبراطور فرديناند الثالث- أرشيف

هنالك ثلاثة مجتمعات في العالم حكمها الإسلام لعدة قرون مع بقاء نسبة كبيرة من السكان الذين لم يعتنقوا الدين الإسلامي؛ شهدت هذه المجتمعات فترات من العنف والتطهير العرقي. في البلقان سنة 1990، وفي الهند أثناء الانقسام الدموي عام 1947 الذي خلف أكثر من مليون قتيل وأكبر هجرة في أوقات السلم في تاريخ البشرية. ولكن ما زال هنالك مسلمون في البلقان وما زال هنالك أكثر من 200 مليون مسلم في الهند على الرغم من الانقسام الذي شكَّل دولة باكستان ذات الأغلبية المسلمة، أما في إسبانيا فقد وقع تطهير عرقي كامل.

وعلى الرغم من ذلك؛ فما زالت بقايا الماضي الإسلامي تحيط بنا في كل مكان في هذا الجزء من إسبانيا، فهنالك الحلويات العربية المغطاة بالعسل والقرفة التي يأكلونها في الأعياد، واستخدام كلمات من أصل عربي مثل كلمة فولانو Fulano وهي مشتقة من العربية (فلان)، وهنالك الأوابد الأثرية الكبرى؛ مثل La Biralda المئذنة العملاقة وميزكيتا كوردوبا؛ أي مسجد قرطبة، وألهامبرا في غرناطة (قصر الحمراء)، وأيضاً قلعة ألكازار (القصر) في كارمونة (قرمونة) على بعد 20 ميلاً من إشبيلية؛ ولكن المميز في إسبانيا أن أصحاب هذا الميراث اللغوي قد طردوا منهجياً منها. وبقيت الآثار الصامتة؛ مثل باحة كنيسة إل سيلفادور في إشبيلية التي ما زالت تحتفظ بأقواس المسجد القديم.

اقرأ أيضاً: جامع عقبة بن نافع.. روعة العمارة الإسلامية وإلهام فني

تصف مينوكال الأندلس بـ(ترنيمة فضائل المنفى) في كتابها (زخارف العالم)، وتستهله بحكاية الأمير الأموي عبدالرحمن الأول، الوحيد في عائلته الذي نجا من المذبحة في سوريا وفرّ نحو المنفى في شمال إفريقيا، ومن ثم أسَّس إمارة قرطبة في 756، كان الأمويون أول سلالة تحكم العالم الإسلامي؛ حيث بسطوا سيطرتهم على مساحات شاسعة من العالم القديم.

تحمل مقاطعة أندلوسيا في الجنوب الاسم المشتق من كلمة الأندلس، وكانت آخر معقل للوجود الإسلامي في إسبانيا عندما سلم أبو عبديل (لقب “أبو عبدالله محمد الثاني” ولقب أيضاً بالغالب بالله- المترجم) آخر الحكام العرب مفاتيح مدينة قرطبة لملك وملكة أراغون الكاثوليكيَّين إيزابيلا الأولى وفيرديناند الثاني.

إسبانيا هي أرض الكنائس المبنية فوق المساجد، وهذا ليس بجديد؛ ففي دمشق بُني المسجد الأموي على بقايا كنيسة بيزنطية قديمة، وهي بدورها كانت قد شُيدت فوق معبد جوبيتر، وفي الهند نجد مساجد استُخدم في بنائها أعمدة معابد الفيهارا البوذية. إنه أمر طبيعي وعملي عندما يكون الغزو سريعاً ومواد البناء نادرة من الطبيعي إعادة استخدام الأماكن المقدسة الموجودة لتناسب المتطلبات الجديدة.

والمقلق هو صمت مَن كان من المفترض أن يرثوا هذا التاريخ.. ذهبت إلى متحف المركز الأندلسي للفن الحديث، وتكلمت مع الصحفية السابقة مارغوت مولينا، وسألتها عن الدور الذي تلعبه الأندلس في مخيلة المسلمين هنا، فأجابت “لن تتمكن من سؤالهم؛ لأنهم لم يعودوا موجودين هنا”. جوابها أكد لي وجود هذا الصمت الذي شعرت به طيلة النهار.

باكراً في الصباح التالي، ذهبت إلى ألكازار في إشبيلية أو (قصر إشبيلية) الذي بناه بيتر الأول، الملقب بـ”بيتر المتوحش”، والذي حكم 1334- 1369، وهو من أحفاد ألفونسو (الحكيم). يشكل هذا القصر أفضل الأمثلة على فن الموديجر المعماري؛ حيث قام بيتر بتكليف الحرفيين المسلمين بإضفاء تقنيات البناء والزخرفة الأندلسية على المعالم المسيحية، كما فعل غيره من الحكام المسيحيين.

ابن رشد

في بداية ما سُمي (بالاسترداد)، كانت الذهنية استيعابية وليست تدميرية، قام ألفونسو العاشر باعتبار نفسه ملكاً راعياً للأديان الثلاثة، وأسس داراً ضخمة للترجمة في عاصمته توليدو (طليطلة)، ونقل المؤلفات العربية الكلاسيكية في علوم النباتات والفلسفة والقانون والطب إلى كل أوروبا التي كانت في بداية صحوتها على النهضة.

كان ألفونسو ضليعاً بالأدب والثقافة العربية، ولم يَعتبر رجالاً مثل ابن رشد (ولد في قرطبة وصاحب النظريات الأرسطية، والمعروف لدى العالم المسيحي باسم أفيروس)، والفيلسوف اليهودي مايمونيديس (أيضاً مولود في قرطبة)، والمؤرخ العظيم ابن خلدون المنحدر من عائلة إشبيلية، والذي كتب عن أفول الحضارات، لم يَعتبرهم أجانب بل كان يراهم مواطنيه. أصبح هذا المنوال من التداخل والاستيعاب والتراحم وإعادة التكريس تقليداً عبقرياً خاصاً بإسبانيا في العصور الوسطى، وعلى هذا المنوال مشى بيرت الأول في بناء قصر ألكازار.

إن أول مَن استخدم مصطلح كونفيفينسيا هو عالم اللغة الإسباني أميركو كاسترو، لوصف التعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود في إسبانيا في العصور الوسطى. المصطلح الذي ألهم الكثير من المؤلفات التي حاولت إسقاط مفاهيم العلمانية الحالية على العصور الوسطى، الأمر الذي لاقى الكثير من الجدل والنقاش كما في كتاب (أسطورة الجنة الأندلسية 2016) للمؤلف داريو فيرنانديز موريرا. لدراسة التعددية الدينية والعرقية في الأندلس، ونظراً لصعوبة وتعقيد هكذا دراسة، فربما من الأفضل التعامل معها آخذين بعين الاعتبار أنها أقل مثالية من حقيقة الأمر، كما فعل براين أي كاتلوس، في كتابه (ممالك الإيمان: تأريخ جديد لإسبانيا الإسلامية 2018). لقد تعايش اليهود والمسلمون والمسيحيون والمزارابس (من الكلمة العربية مستعرب) مع بعضهم بعضاً نحو ألف سنة. تزاوجوا وتبادلوا الثقافات؛ لقد استوعبوا وأغنى فن أحدهم الآخر، وتعاونوا مع بعض في مواجهة حتى إخوانهم في الدين حين كان ذلك يصب في مصالحهم. كلٌّ منهم استخدم الدين كأداة أحياناً بطريقة فاضلة وأحياناً بقسوة. على مدى 900 سنة كانت إسبانيا مجتمعاً متعدداً، وبعدها وفي بدايات القرن السابع عشر لم تعد كذلك. فماذا وراء ذلك التحول؟ هذا هو السؤال الذي دار في ذهني عندما ذهبت لأقابل عالم الآثار في جامعة إشبيلية ميغيل طاباليس.

اقرأ أيضاً: متحف للفنون الإسلامية في القدس يضطر إلى بيع مجموعته

كان يختار كلماته الإنجليزية بحذر وهو يتكلم معي: “نتكلم عن عصر الطوائف Taifa، وهنا كلمة طائفة تعني حزباً أو فصيلاً، تفككت إمارة قرطبة في فترة أطلق عليها فترة الفتنة في بدايات القرن الحادي عشر، وظهر عصر المملكة المدينة أو الطائفة، كانت إشبيلية أعظم تلك الممالك”.

سألت طاباليس عن النقوش متعددة اللغات على قبر فرديناند الثالث، فأجاب “كان هذا شائعاً جداً بعد الاسترداد، وازداد شيوعاً في القرن الرابع عشر عندما زال خطر الحرب ولم يعد ملوك قشتالة يشعرون بتهديد من الأقليات، عندما انتصروا أصبحوا أكثر تقبلاً للتأثير الإسلامي في الفنون؛ ولكن لم يتقبلوه كثيراً على الصعيد السياسي أو الديني”. لم يُعانِ المسلمون واليهود فقط، بل حتى المسيحيون المستعربون اضطروا إلى أن يتحولوا إلى الكاثوليكية الرومانية. يضيف قائلاً “لقد كان وضعاً سيئاً بالنسبة إلى الأقليات، كانوا دائماً تحت رحمة الحسابات السياسية. إن فكرة التعايش عندها كانت مجرد أسطورة”.

قالت لي الباحثة في الهوية الثقافية والعمارة في جامعة إشبيلية “تخيل كيف كان الأمر بالنسبة إلى هؤلاء المسيحيين القادمين من الشمال البارد إلى هذه المدينة المسلمة في ذلك الوقت”. وأخبرتني عن أطروحة الدكتوراه التي قدمتها وشرحت فيها كيف أن نمط عمارة الاسترداد عرقل علاقة إشبيلية بالحداثة، تقول “إشبيلية كانت النموذج، الذي اقتبست عنه جميع المدن الأخرى بعد الاسترداد”. في أي من مناطق مقاطعة أندلوسيا كانت هناك حقبة خلالها تم تعديل المباني الإسلامية واستخدام الحرفيين المسلمين لإنتاج فن مسيحي، كما في ألكازار، وذلك مهد الطريق لفن عمارة عصور النهضة.

وبقيت إشبيلية حتى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين غير قادرة على الانفتاح على الفن الحديث الذي كان يجتاح كل إسبانيا. تقول أباد: “لقد كانت إشبيلية مدينة رمز لزمن طويل جداً”. وأثناء عبورنا نهر غوادلكوفير، أبدت أباد أسفها وأشارت إلى زقاق يؤدي إلى النهر يُدعى زقاق محاكم التفتيش، وقالت: “لك أن تتخيل ما الذي حدث هناك؛ قتلوهم ورموا بهم في النهر”.

تقول أباد “لم ندمِّر ما ورثناه، لقد غيَّرنا اللغة والرموز”؛ في الواقع هذا صحيح في أغلب الأحيان، حدث الأمران في إسبانيا. فمثلما قام المسلمون باقتباس الأقواس القوطية التي أعلاها يشبه حدوة الحصان، أو عندما هدموا كنيسة فيسينتي ليبنوا مسجدهم في مكانها، كذلك فعل المنتصرون المسيحيون متذكرين ما حصل بالماضي فقاموا بالتعبير عن انتصارهم بواسطة التدمير.

قصر الحمراء أحد أبرز المعالم الإسلامية في إسبانيا- أرشيف

دعتني أباد إلى مقابلة فاطمة رولدان- كاسترو، أستاذة الدراسات العربية والإسلامية في جامعة إشبيلية، والتي تدرس مادة اسمها (نقاشات في الاختلاف).

جلسنا في المقهى خارج جامعة إشبيلية، وحدثتني فاطمة عن التأثير الإسلامي في الثقافة الإسبانية؛ مثل كثرة استخدام اللوز في الأطعمة، وكثرة المفردات ذات الأصل العربي (4000 كلمة مستعارة من العربية)؛ مثل كلمة أسيت وتعني الزيت، أو أوجالا وأصلها “إن شاء الله” وتحمل المعنى نفسه.

سمعت من فاطمة ولأول مرة عن الألهاميادو، وتعني اللغة السرية التي استخدمها المسلمون الذين أُجبروا على اعتناق المسيحية. كان الملك فرديناند وإيزابيلا قد منحا المسلمين واليهود إنذاراً أخيراً؛ إما اعتناق المسيحية وإما النفي. وأصبح يطلق على اليهود تسمية كونفيرسوس، والمسلمين موريسكوس. وإذا كان هنالك من شيء نتعلمه من هذا كله، فهو أنه في أي مجتمع يسود فيه تسلط الأكثرية، عندها مهما بلغت التنازلات فهي لن تكون كافية أبداً.

رُحت أتساءل: هل جعل إخضاع شعب ونفيه أمر احتضان ثقافته أسهل؟ في الولايات المتحدة كان التناقض واضحاً بين استعباد أصحاب البشرة السوداء واحتضان ثقافتهم من الموسيقى والأزياء والطعام وحتى الألفاظ. سألت فاطمة إذا ما كان غياب المسلمين عن إسبانيا قد شجع على الاقتباس من فنونهم وثقافتهم؟ فأجابت “هذا سؤال صعب للغاية، المسألة لا تتعلق بالدين فقط؛ بل هي في كل المجالات التي قد يختلف فيها جارك عنك”.

اقرأ أيضاً: أبعاد تاريخية وثقافية لأهم مساجد أوكرانيا

قرطبة، ليس هنالك الكثير من الكلمات التي لها تأثير على الخيال الإسلامي أكثر منها. هنا في قرطبة عند مسجد عبدالرحمن الأول، فهمت ما الذي ألهم الشاعر العلامة محمد إقبال (الأب الروحي لباكستان) عندما كتب مرثيته “هذه الأسس الصامدة، هذه الأعمدة التي لا تُعد ولا تُحصى، الاضطرابات الثائرة في نفس المسلمين؛ هذا السر الإلهي لا أحد يجرؤ أن يتمتم به”.

استوقفتني روعة منظر الأعمدة المندمجة بالجدران الخارجية. لقد زرت الكثير من المساجد من قبل، من المغرب وحتى إندونيسيا؛ ولكن هذا المسجد له سحر خاص. إن لم تخنِّي المعاني شعرت بأنه أوروبي ووقفت في بحر الأقواس والأعمدة أتخيل المصلين يؤدون شعائرهم.

ثم تجولت في معابد “المدجنين” وأخيراً وصلت إلى (المحراب) الشهير الذي غطَّى الذهب سقفه المضلع المزخرف بأشكال نباتية، وللتو تذكرت المسجد الأموي في دمشق. هنا كان الإسلام متعطشاً للعالم المادي، داعماً رسالته الروحية بمؤثرات جديدة؛ مثل الفسيفساء الإغريقية، والهندسة الرومانية.

ولم يتم تشييد أي مسجد في إسبانيا منذ سقوط آخر إمارة في الأندلس عام 1942، وبعد مضي 500 عام على ذلك بُني أول مسجد في سنة 2003 مطلاً على شارع ألباسين ذي الأغلبية العربية. حالياً هنالك ما يقارب 2.5 مسلم في إسبانيا معظمهم من شمال إفريقيا، وها هي دراما تعايش المسيحية والإسلام في شبه الجزيرة الإيبيرية تعود لتبدأ من جديد.

نظرت إلى الباب الأسطوري الذي خرج منه الأمير “أبو عبديل”. أخبرني المرشد السياحي كيف أن الأمير طلب من إيزابيلا وفيردناند أن يوصدا الباب بشكل دائم.. نفَّذ أصحاب السمو الكاثوليك هذا البند الصغير من بنود اتفاقية الاستسلام؛ ولكنهم نكثوا بنوداً أهم، فقد قضت الاتفاقية أن يسمح للمسلمين بممارسة شعائرهم بحرية، هذا البند كان يرتكز على الشريعة الإسلامية التي يسمح فيها للذميين بالحرية في اتباع أديانهم ما داموا يقبلون حكم الإسلام وما داموا يدفعون الجزية. سرى هذا العرف خلال القرون الأولى من (الاسترداد)؛ ولكن إسبانيا الكاثوليكية التي وطدت حكمها ظهرت فيها عقيدة التوحد وأصبحت العرف السائد، أما التنوع القديم فقد صار يُنظر إليه كتلوث. وبعد بضع سنوات من سقوط قرطبة، حضرت محاكم التفتيش إلى المدينة، وأحرقت الكتب العربية وتتالت انتفاضات المسلمين، فتبعها المزيد من القيود.

كاتدرائية غيرالدا التي بُنيت على أساسات مسجد لا تزال تحتفظ بمئذنته حتى اليوم- أرشيف

لتدمر شعباً عليك أن تجرده من إنسانيته أولاً؛ عليك أن تعتبر أنهم وتاريخهم وثقافتهم لا قيمة لهم. الطرد النهائي حصل في بداية القرن السابع عشر، عندما كان التوتر بين إسبانيا والعثمانيين على أشده؛ فأصبح ما تبقى من مسلمي إسبانيا موضع شك ومشتبهاً بهم.

وقد حصل هذا بعد أن أُحرقت الكتب، وبعد أن أُجبر الناس على تغيير دينهم، وبعد أن تم محو كل ما يمت لهويتهم بصلة. مع ذلك كانوا مطالبين بتقديم أدلة إضافية على إخلاصهم. لم يشفع لهم تاريخهم ولا كل تلك القرون من العيش المشترك، ولا دورهم في بناء ثقافة مشتركة.. كل هذا لم يكن له أهمية. إن تاريخ الأندلس يذكرنا كم يبلغ ضعف وعجز التقبل الثقافي في حماية الناس من شراسة الصرخة البدائية؛ مثل صرخة (الدم النقي)، كما حصل أيضاً في ألمانيا في الثلاثينيات من القرن الماضي.

يوجد تجمع للمسلمين وعائلاتهم حالياً في المنطقة الجبلية على بُعد ساعة من قرطبة؛ حيث كانت المكان الأخير الذي لاذ إليه مسلمو الأندلس. سألت إحدى الفتيات من السكان، وتُدعى ميدينا تينور وايتمان، أمريكية- بريطانية تبلغ من العمر 40 عاماً، سألتها ما الذي دفع بأهلها ليأتوا إلى قرطبة حيث ولدت؟ فأجابت “أتوا إلى هنا؛ لأن هنالك حلماً متكاملاً بإعادة بعث الإسلام في أوروبا”.

كانت نشأة وايتمان في بريطانيا، كانت تشعر أنها غريبة، مختلفة تعاني من كونها ابنة عائلة اعتنقت الإسلام؛ لكنها لم تشعر كذلك في إسبانيا، فذكرى وجود إسلام راسخ في أوروبا ما زالت موجودة. وتقول إن ما يعجبني في الحياة هنا أني أيضاً تمكنت من زيارة البوسنة، “هنا يمكنني أن أكون كما أنا دون تكلف”.

أصدرت وايتمان كتيبات إرشادية وأدلة سفر للمسلمين في إسبانيا. تحدثت معي عن عمليات النفي التي حصلت في أوائل القرن السابع عشر “لقد تم التخلص من المسلمين الذين لم يكن هنالك ما يميزهم على أنهم عرب أو بربر؛ كانوا ببساطة مندمجين ولا يختلفون عن المسيحيين الذين قاموا بطردهم”. إن ما سُمي بـ”الاسترداد” سابقاً قد أُعيدت صياغته ليصبح تطهيراً عرقياً.

تلك الآثار الإسلامية هي مَن أعادها إلى إسبانيا كي تتمكن من تنشئة أولادها في الأرض التي كان الإسلام فيها جزءاً من ترابها على الرغم من أنهم طُردوا منها مع اليهود، وحيث تستطيع أن تكون جزءاً من مجتمع متعدد. وكما تقول “لا فرق بين وجودي هنا في حديقتي أعتني بمزروعاتي، أو عندما أزور المسجد (ميزكيتا) في قرطبة”.

عند سماعها تشعر بالحزن، فوراء كواليس مسرح الصراع الديني الهادئ الآن تكمن الرغبة في أن يبقى الإيمان مسألة شخصية خاصة. محاكم التفتيش التي ما زالت معششة في النسيج الاجتماعي الحديث ألغت فكرة الحياة الخاصة، وأسَّست منهاجاً لما سيصبح في ما بعد أجهزة الرقابة الحكومية. على الرغم من أنه قد اتضح أن هدف محاكم التفتيش الوصول إلى مجتمع خالص هو مجرد خيال لا يقل استحالة عن فكرة الأندلس المتنوعة.

♦كاتب رأي في صحيفة “نيويورك تايمز” الدولية.

المصدر: نيويورك تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة