الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

البابا في جوبا.. هل تنعش الزيارة الرسولية آمال السلام في جنوب السودان؟

يأمل البابا أن تضع زيارته حداً للصراع العنيف في الدولة الوليدة التي نالت استقلالها عن السودان 2011

كيوبوست- عبد الجليل سليمان

حط ّبابا الفاتيكان رحاله، 3 فبراير؛ في عاصمة جنوب السودان جوبا، محطته الثانية بعد جمهورية الكونغو الديموقراطية؛ من رحلته الرسولية “الحج من أجل السلام” التي يقوم بها إلى إفريقيا، رفقة جاستن ويلبي رئيس أساقفة كانتربري الزعيم الروحي للكنيسة الأنغليكانية، وإيان غرينشيلدز المسؤول الأبرز في كنيسة إسكتلندا.

ويأمل البابا أن تضع زيارته حداً للصراع العنيف في الدولة الوليدة التي نالت استقلالها عن السودان 2011، قبل أن تنخرط في حربٍ أهلية ضروس بين الرئيس سلفاكير ميارديت، ونائبه ريك مشّار، والتي وضعت أوزارها باتفاقية سلام هشة عام 2018، بعد أن راح ضحيتها نحو 400 ألف شخص، وشُرِّد الملايين.

اقرأ أيضاً: الذكرى السنوية العاشرة الكئيبة لجنوب السودان

ربما تذكر رئيس جنوب السودان لفتة البابا الاستثنائية عندما جثا على رُكبتيه لتقبيل أقدام قادة جنوب السودان المتحاربين سابقًا (كير ومشار) خلال اجتماعه بهما في الفاتيكان، أبريل 2019، حيث خلع في سابقة نادرة قبعته الشهيرة لدى استقباله بمطار جوبا، واحتفظ بها بيسراه طوال مراسم الاستقبال على البساط الأحمر. لاحقاً أشار كير (وهو كاثوليكي) في خطابه أمام البابا الجمعة إلى تلك الواقعة، فقال موجها كلامه لفرانسيس “إنّ لفتة التواضع النادرة تلك لن تذهب سدى”.

لاءات البابا الثلاثة

وفي السياق، لخص سليمان مختار، الصحفي والمحلل السياسي، زيارة البابا في ما سمَّاها بـ (لاءاته الثلاثة)، وأضاف في إفادته التي خصّ بها “كيوبوست”، أن كلمة البابا فرانسيس أمام السلطات المحلية والدبلوماسيين، وممثلي المجتمع المدني، تتلخص في عبارة: “لا مزيد من إراقة الدماء، ولا مزيد من النزاعات، ولا مزيد من العنف والاتهامات المتبادلة بشأن المسؤولية عن ذلك”، بما يعني أن هناك إرادة بابوية، وربما دولية قوية، لوضع حدٍّ للصراع والموت المجاني في الدولة الإفريقية الوليدة.

يأمل البابا أن تضع زيارته حداً للصراع العنيف في الدولة الوليدة التي نالت استقلالها عن السودان 2011
سليمان مختار

ولربما هذا ما حدا بالبابا إلى توظيف الاستعارات والمجازات بشكلٍ مكثف في حديثه إلى الرئيس كير ونائبه ريك مشار، لدى اجتماعه بهما؛ الجمعة، في حديقة القصر الرئاسي، حيث خاطبهما قائلاً “ستخلد الأجيال القادمة اسميكما أو تلغيهما عن ذاكرتها، بناءً على ما تفعلانه الآن، ومثلما يترك النيل منابعه لينتظم في مجراه، فإنّ مجرى التاريخ سيترك وراءه أعداء السلام، ويُخلّد صانعوه”، بل أن يدعوهما بعباراتٍ صريحة إلى الكف عن الصراعات وسفك الدماء، والتوقف عن الرشق بالاتهامات المتبادلة حول من المسؤول عن ذلك، مُردداً: “الشعب متعطش للسلام، دعوا الحرب تغرب والسلام يشرق”، الأمر الذي جعل الرئيس كير؛ يُعلن التزامه بالعودة إلى المحادثات، التي تم تعليقها العام الماضي، مع جماعات المعارضة التي لم توقع على اتفاق السلام.

إلا أنّ اللافت في خطاب الحبر الأعظم، هو تطرقه لأمورٍ تفصيلية مثل مطالبته حكومة وشعب جنوب السودان بضرورة وضع حد للفساد، وإيلاء النساء عناية خاصة، وإشراكهن في صنع القرار، حتى أنه اعتبر؛ كل من “يجترح عنفاً بحق النساء؛ فإنما يرتكبه تجاه الله” وفقاً لمختار.

اقرأ أيضاً: جيوش موازية… الميليشيات تشكل خطراً على الدول الإفريقية

دماء في كاجو كاجي

في غضون ذلك، لا تزال الاشتباكات المسلحة بين الحكومة، وبعض الفصائل المعارضة، تتواصل حيث أودت بحياة 27 شخصاً في منطقة (كاجو كاجي) وسط مقاطعة الاستوائية؛ التي تضم عاصمة البلاد. وقال الصليب الأحمر في جنوب السودان إنّ 4 من متطوعيه كانوا بين القتلى؛ حيث اقتيدوا من منازلهم مع آخرين وقتلوا بقسوة. وتصنف الأمم المتحدة جنوب السودان من أكثر البلدان دموية بالنسبة لعمال الإغاثة.

جندي يتجول في شوارع جوبا في “استعراض للقوة” قبل زيارة البابا للبلاد- رويترز

وكانت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أفادت أن الاغتصاب كان يُمارس على نطاقٍ واسع كسلاحٍ؛ إبان الحرب الأهلية بجنوب السودان، بينما يُجبر أزواجهن أو آباؤهن أو أطفالهن على المشاهدة وهم عاجزون عن التدخل.

من جانبها، حثت منظمة “هيومن رايتس ووتش” البابا فرانسيس، ومرافقيه من القادة الدينيين، على إثارة قضية الإفلات من العقاب في جنوب السودان. وطالبتهم بالدعوة إلى الإفراج الفوري عن صحافيين من منسوبي الإذاعة الحكومية، كانوا اعتقلوا الشهر الماضي على خلفية اتهامهم بنشر مقطع فيديو للرئيس البالغ من العمر 71 عامًا وهو يتبول لا إرادياً، على ما يبدو.

اقرأ أيضاً: السودان دولة علمانية… وجماعة الإخوان تشعر بالمرارة!

وحذّرت الأمم المتحدة في نوفمبر من العام المنصرم، من أن حوالي 9.4 مليون شخص من أصل 12.4 مليون، عدد سكان جنوب السودان؛ سيحتاجون إلى المساعدات الإنسانية والحماية هذا العام، أي بزيادة نصف مليون عن عام 2022. وأشارت إلى أن العنف والقيود المفروضة على وصول منظمات الإغاثة، وسوء المناخ بما في ذلك الفيضانات والجفاف، تفاقم الأمور من سيئ إلى أسوأ.

أسوأ نزاع عرقي

بالنسبة للنعيم ضو البيت، الباحث في الشؤون الأمنية، فإنّ إمكانية تحقيق زيارة البابا، جنوب السودان؛ لنتائج إيجابية تكمن في عدة أمور، أولها أن 40% من سكانها كاثوليك، فضلاً على أن للمسيحية أهمية كبيرة، حيث كانت العامل الرئيس في توحيد الجنوبيين في سعيهم نحو الاستقلال عن السودان (الأم)، لكن سرعان ما انحدرت الأمور عقب الاستقلال 2011، إلى العودة إلى القبيلة ووضع الدين جانباً، فاندلعت أسوأ حرب أهلية قبلية في إفريقيا؛ بين جماعتي الدينكا والنوير، اللتين ينتسب إليهما الرئيس ونائبه، على التوالي، بعد سنتين فقط من الاستقلال؛ فقضت على آمال الشعب الجنوبي، إذ لم تتحقق مثقال ذرة من مطالبه في إلغاء المظالم التاريخية.

جانب من معسكر للنازحين بضواحي جوبا- وكالات

ويضيف ضو البيت في حديثه إلى “كيوبوست”: عجزت اتفاقية السلام بين الخُصماء والتي التأمت في سبتمبر 2018، عن إنهاء الحرب بشكلٍ قاطع، فلا تزال الصراعات مستمرة في البلاد، ووصلت الأوضاع الإنسانية من التردّي إلى حد أن أكثر من ثلثّي السُكان يعانون أزمة غذاء.

النعيم ضو البيت

إنّ الزيارة الرسولية قد تسلط الضوء على بلدٍ منسي، كما أن وجود البابا في جوبا يُمكن أن يفعل الكثير للضغط على قادة البلاد لتغيير المسار، والعمل من أجل المصالح العامة، كما أنها، من ناحيةٍ أخرى فرصة لشخص يحظى باحترام واسع النطاق في جنوب السودان، لإيصال رسائل مهمة لتقديم الدعم لأولئك القادة الذين يسعون جاهدين من أجل السلام، ومن ثم العمل على توفير الخدمات العامة مثل التعليم، والصحة، وما إلى ذلك، حيث يتم توفيرها الآن من قبل المنظمات العاملة في المجال الإنساني.

اقرأ أيضاً: النزاعات العرقية في السودان… بصمة عار في جبين الإخوان

يستطرد ضو البيت: على الرغم من أن الرئيس كير ونائبه وخصمه اللدود مشار؛ شكلا حكومة وحدة وطنية في عام 2020، فإن الصراعات المحلية لا تزال مستعرة، وغالباً ما يتم تأجيجها من قبل النخب الحاكمة نفسها، كوسيلة لتقويض المنافسين، وتعزيز السلطة.

وبالتالي، فإنّ البابا لا يمتلك عصا سحرية ليضرب بها كل هذه الكتلة المتغضنة من الفساد والدم والاغتصاب، والعنصرية القبلية، مرة واحدة وإلى الأبد، لكنه بالتأكيد سينجح في تهدئة النفوس، ريثما يجد الإخوة الأعداء وقتاً لاستدعاء عقولهم إلى رؤوسهم، وفقاً لضو البيت.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة