الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

البابا “جون الثامن”.. أسطورة لا ينفيها التاريخ لامرأة حكمت الفاتيكان

كيوبوست- مدى شلبك

تحل هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى لتعيين أول امرأة بمنصب رفيع في إدارة الدولة لمدينة الفاتيكان، وذلك عندما أعلن البابا فرنسيس، يوم 4 نوفمبر 2021م، تعيين الراهبة “رافاييلا بيتريني” على رأس حاكمية الفاتيكان، متصالحاً مع رغبته بأن تلعب النساء دوراً أكبر في الكنيسة الكاثوليكية.

وكان ذلك القرار بمثابة خطوة ثورية اتخذتها الكنيسة، وبموجبه تسلَّمت أول امرأة ثاني أعلى منصب في الفاتيكان، وبهذا أوكل إليها الإشراف على متاحف الفاتيكان، وخدمات الدولة الأخرى؛ مثل دار سك العملة والطوابع والبريد والشرطة، علماً بأن إحدى الأساطير تقول إن خطوة مشابهة اتخذت خلال القرن التاسع، عندما تنكَّرت امرأة بهيئة رجل وتمكَّنت من تقلُّد منصب البابا، لتصبح أول وآخر أنثى تترأس الكنيسة الكاثوليكية.

اقرأ أيضاً: امرأة تكسر احتكار الرجال في مجمع الأساقفة بأمر من البابا

قصة البابا جون الثامن

في منتصف القرن التاسع، وبينما كانت أوروبا تعيش وَفق قواعد كنسية محافظة، ترفض أن تصل المرأة إلى منصب البابا، تمكنت شابة يُطلق عليها “Ioannes Anglicus” من الانخراط بالحقل الديني الكنسي، وترؤس البابوية تحت مسمى “البابا جون الثامن”.

وسافرت الشابة الإنجليزية، التي ولدت في مدينة “ماينز” ألمانيا، حسب الأسطورة، إلى أثينا مع حبيبها، وبسبب رغبتها في التعلم ونظراً لموهبتها الكبيرة، تنكرت بهيئة رجل وتلقت دروساً دينية، وترفعت ضمن صفوف الكنيسة، ليتم انتخابها لتقلد منصب البابا بالإجماع من قِبل مجمع الكرادلة عام 855م.

ويُروى أن البابا جون حكمت لمدة عامَين، ولم يتم اكتشاف جنسها الحقيقي تحت اللباس الكنسي المنسدل، إلا لمّا جاءها مخاض الولادة وهي في موكب باباوي، فُفضح سرها كبابا مزيف وزانية، وقُتلت أو توفيت أثناء الولادة، وفقاً لروايات متضاربة.

البابا جون- فنان مجهول

حقيقة أم أسطورة؟

يرفض معظم المؤرخين قصة البابا جون، ويعتبرونها أسطورة شبيهة بالحكايات الشعبية، تحديداً أن السنتين اللتين حكمت خلالهما البابا جون (من 855- 858م)، هما السنتان اللتان حكم فيهما البابا “بنيديكت الثالث”، وفقاً لسجلات الفاتيكان، بالمقابل يعتقد آخرون أن البابا جون كانت موجودة، وأنها حُذفت من سجلات الكنيسة.

وخلال القرن الثالث عشر الميلادي أُثيرت قصة البابا جون، من قِبل الراهب الدومينيكاني “جان دي ميللي”، الذي روى أن البابا جون التي تقلدت البابوية متنكرة بهيئة رجل، قُتلت بعد مخاضها عبر ربطها بحصان وجرها ورجمها بالحجارة على يد أتباعها الغاضبين.

وصاغ الراهب “مارتن ستريبسكي” قصة البابا جون عام 1277م، على اعتبار أنها قصة من تاريخ الباباوات، ولاقت نسخته قبولاً على نطاق واسع، وروى أن البابا جون ولدت طفلها في شارع بين المدرج الروماني “الكولوسيوم” وكاتدرائية القديس يوحنا لاتيران، وهذا ما يفسر أن الشارع كان ملعوناً وتم إغلاقه لفترة خلال العصور الوسطى.

لوحة تصور البابا جون خلال مخاض الولادة في موكب باباوي- فنان مجهول

كما روَّج الكاتب الإيطالي جيوفاني بوكاتشيو، في كتابه حول نساء مشهورات، للبابا جون، ووصفها بأنها كانت “مدفوعة من الشيطان الذي قادها إلى هذا الشر”. وبالمقابل قال بوكاتشيو: “كان لديها عقل جيد وكانت منجذبة إلى سحر التعلم”.

أدت تلك الروايات الملهمة إلى اعتماد قصة البابا جون على أنها حقيقة تاريخية؛ لذلك ظهرت البابا جون في لوحات فنية ومنحوتات، ووضع لها تمثال نصفي بجانب تماثيل الباباوات الآخرين في كاتدرائية بمدينة سيينا الإيطالية.

وخلال عصر الإصلاح، تجدد النقاش حول حقيقة البابا جون، التي استخدمها الكتَّاب البروتستانت كزلّة بحق الكنيسة الكاثوليكية في كتاباتهم؛ فقد زعم أبو الإصلاح الديني في أوروبا مارتن لوثر، أنه رأى تشريعاً لبابا جون عندما زار روما عام 1510م، في محاولة منه لانتقاد الكنيسة الكاثوليكية.

اقرأ أيضاً: البابا فرنسيس زار العراق لطلب المغفرة عن خطايا الغزو الأمريكي

وشكك مصلحون ومؤرخون بصحة الرواية؛ ومنهم المصلح التشيكي يان هوس، خلال محاكمة أمام مجلس كونستانس؛ المجمع المسكوني السادس عشر في الكنيسة الكاثوليكية، إضافة إلى المؤرخ والكاتب الفرنسي فلوريموند دي رايموند، في كتابه (Erreur Populaire- خطأ شائع) والذي صدر على عدة مراحل ابتداءً من عام 1587م، وحاول تفنيد الرواية.

في حين افترض المؤرخ البروتسنتي ديفيد بلونديل، في منتصف القرن السابع عشر، أن قصة البابا جون تشكلت كهجاء ضد البابا جون الحادي عشر، الذي أصبح بابا بعمر صغير وحكم من عام 931م حتى وفاته عام 935م.

وفي عام 1601م، أعلن البابا كليمنت الثامن أن أسطورة البابا جون الثامن غير صحيحة، وبنفس العام أُزيل تمثالها من كاتدرائية سيينا.

ملصق فيلم “البابا جون” 2009

الإرث

وعلى الرغم من كونها أسطورة؛ فإن البابا جون تمكنت من تشكيل إرث خاص بها، وشغلت الكتَّاب والمؤرخين لأكثر من 700 عام، بينما صدرت أفلام تصور قصتها؛ أولها فيلم “Pope Joan” عام 1972م.

إضافة إلى فيلم آخر يحمل نفس العنوان، ويستند إلى الرواية الأكثر مبيعاً للكاتبة الأمريكية “دونا وولفولك كروس”، ويصور الفيلم الصادر عام 2009م، البابا جون، التي قامت بدورها الممثلة الألمانية جوانا ووكاليك، طفلة متمردة على القيم الأبوية والأدوار التقليدية للجنسَين خلال القرن التاسع، ومتعطشة إلى العلم والمعرفة، وعليه قررت أن تتعلم وترتقي في صفوف الفاتيكان لتصبح البابا الأنثى الوحيدة في التاريخ، بينما تنكرت بهيئة رجل لتحمي نفسها خلال غزو “الفايكنج” لمنطقتها.

وبينما أظهرت روايات العصور الوسطى البابا جون على أنها شريرة وزانية، يُسلَّط الضوء عليها في الأعمال الحديثة على أنها بطلة تواجه معاداة النساء.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة