الواجهة الرئيسيةترجماتصحة

الأطفال وكورونا

خذلهم العلم ونسيهم المجتمع: ماذا يعرف الأطفال عن "كورونا"؟ وكيف ننقذهم من مخاطر الإغلاق؟

كيوبوست- ترجمات

أثناء الجائحة تم فصل الأطفال عن عائلاتهم وأصدقائهم، وأُغلقت المدارس، وفرضت القيود على الأنشطة المهمة؛ مثل اللعب والذهاب إلى المدرسة أو ممارسة الرياضة. وربما نعرف الكثير عن الآثار الجسدية التي يخلفها فيروس كورونا على الأطفال؛ لكن تأثيره على سلامتهم العقلية والعاطفية ليس مفهوماً بشكل جيد، لا سيما من منظور الأطفال أنفسهم.

ولفهم ذلك قامت مجموعة من الباحثين في جامعة تاسمينيا في أستراليا بإجراء بحثٍ، نُشر مؤخراً، يسلط الضوء على أهمية الإصغاء إلى الأطفال، وما لديهم ليقولوه والمعلومات التي يريدونها عن فيروس “كوفيد-19”. ويهدف البحث إلى تمكين الأطفال من تحديد احتياجاتهم وشواغلهم، وأن تكون المعلومات المقدمة إليهم ملائمة، وتلبي احتياجاتهم. ومن جانب آخر، سعى الباحثون إلى دق أجراس الخطر حول المشكلات الكامنة خلف الإجراءات الاحترازية التي تتبناها المجتمعات، وقرارات صناع السياسات بسبب الجائحة. 

اقرأ أيضاً: كيف ننقذ العالم من كوفيد طويل الأجل؟

وقد طرحت أسئلة على الأطفال، الذين تراوحت أعمارهم بين 7 و12 عاماً، عن كيفية وصولهم إلى معلومات حول فيروس كورونا؟ وعن فهمهم للجائحة؟ ولماذا طُلب منهم البقاء في المنزل؟ حيث شارك في الدراسة نحو 49 طفلاً من أستراليا و390 طفلاً على مستوى العالم. وكانت هناك اختلافات مهمة بين البلدان؛ بما في ذلك أعداد الحالات المبلغ عنها والوفيات بسبب جائحة كورونا، فضلاً عن استجابات الحكومات، ومستويات القيود المفروضة.

فعلى سبيل المثال، كانت الوفيات والحالات المبلغ عنها أعلى بكثير في بلدان مثل المملكة المتحدة والبرازيل مقارنة بأستراليا، بينما استمر الأطفال في السويد في الذهاب إلى المدرسة، في حين كان معظم الأطفال في البلدان الأخرى يتلقون التعليم من المنزل.

نموذج رسم فيروس كورونا لطفل يبلغ من العمر 7 سنوات.. شارك في دراسة جامعة تاسمينيا- أستراليا

وبينما ظهر العديد من أوجه التشابه بين البلدان المختلفة في الأمور المهمة بالنسبة إلى الأطفال، كانت هناك أيضاً اختلافات بين البلدان وبين الأطفال. فقد قال أكثر من نصف الأطفال إنهم يعرفون الكثير أو القليل جداً عن فيروس كورونا، وقد تضمنت تعليقاتهم ما يلي:

  • إنه فيروس غبي.
  • إنه ينتشر بسرعة كبيرة.
  • الناس يقللون من خطورتهويخبرونني أنه لا يمكنه قتل الناس؛ لكني أعرف أن الناس يموتون كل يوم.

وكانت لديهم أسئلة؛ مثل:

  • كيف ومن أين بدأ الفيروس؟
  • كيف يبدو شكل فيروس كورونا في الواقع؟
  • كيف يجعلك مريضاً؟

وأكد بعضهم أنهم لا يريدون معرفة المزيد عن الفيروس، قائلين:

  • إنه ممل.
  • لا أريد أن أعرف عنه؛لأنه يقتل الناس، وهذا يجعلني حزيناً.

كما عبر الأطفال عن مشاعر مختلفة إزاء “كوفيد-19″، وقالوا إنهم شعروا بـ”القلق” و”الخوف” و”الغضب” و”الارتباك”. وكان الأطفال يدركون أن الفيروس خطير بشكل خاص على الأشخاص الضعفاء:

  • من الممكن أن يقتل كبار السن وغير الأصحاء.

وكانوا يفتقدون أصدقاءهم وعائلاتهم:

  • متى يمكننا العودة إلى المدرسة؟

واتضح من الإجابات أن الأطفال حصلوا على معلوماتهم حول “كوفيد-19” من مصادر مختلفة؛ معظمها من الآباء والمعلمين. وسعى الأطفال للحصول على معلومات من الأصدقاء والبرامج التليفزيونية والإنترنت؛ بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي. كما فهموا ما يُطلب من المجتمع المحلي القيام به، وتعلموا معاني الكلمات والمصطلحات الجديدة؛ مثل “التباعد الاجتماعي”، وكذلك رسائل الصحة العامة المتعلقة بغسل الأيدي، وعدم لمس الوجه والحاجة إلى البقاء في المنزل.

نقاط الضعف العقلية

وعلى الرغم من الوعي النسبي بالجائحة لدى الأطفال وسهولة الحصول على معلومات؛ فإن الانعكاسات الصحية والمجتمعية للجائحة تظهر عليهم بوضوح خصوصاً ما يتعلق بالقرارات المتخبطة حول استمرار الدراسة. وقال المتحدث باسم الـ”يونيسيف”، جيمس إلدر: “لقد تُرك عشرات الملايين من صغار السن يشعرون بالخوف والوحدة والقلق؛ بسبب حالات الإغلاق والعزلة القسرية التي أصبحت نتيجة هذه الجائحة”، مشيراً إلى أن البلدان بحاجة إلى الخروج من هذه الجائحة “بنهج أفضل للصحة العقلية للأطفال والمراهقين، وربما يبدأ ذلك بمجرد إيلاء القضية الاهتمام الذي تستحقه”. 

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن أكثر الاضطرابات العقلية شيوعاً في العالم؟

ووفقاً لـ”يونيسيف” فإن نصف الاضطرابات العقلية تتطور قبل سن الخامسة عشرة، وأن أغلب الأشخاص الذين يموتون بالانتحار سنوياً، ممن هم دون سن الثامنة عشرة. وبالنسبة إلى الأطفال الذين يعانون العنف أو الإهمال أو سوء المعاملة في المنزل، فإن عمليات الإغلاق قد تركت العديد من الأشخاص الذين تقطعت بهم السبل مع المعتدين.

لقد تُرك عشرات الملايين من صغار السن يشعرون بالخوف والوحدة والقلق بسبب حالات الإغلاق- موقع “اليونيسف”

ويتعرض الأطفال الذين ينتمون إلى الفئات السكانية الضعيفة -مثل أولئك الذين يعيشون ويعملون في الشوارع، والأطفال من ذوي الإعاقة، والأطفال الذين يعيشون في ظروف النزاع- إلى خطر التغاضي تماماً عن احتياجاتهم المتعلقة بالصحية العقلية.

وحسب منظمة الصحة العالمية؛ فقد تسببت جائحة “كوفيد-19” في تعطيل أو وقف خدمات الصحة العقلية الحرجة في 93% من البلدان في جميع أنحاء العالم، في حين أن الطلب على دعم الصحة العقلية آخذ في الازدياد. واستجابة للاحتياجات المتزايدة، قدمت الوكالة الدعم إلى الحكومات والشركاء؛ من أجل إعطاء الأولوية للخدمات المقدمة للأطفال.

اقرأ أيضاً: حالات الانتحار بسبب الإغلاق التام تعادل تقريباً عدد ضحايا “كورونا”

وفي الصين، عملت الوكالة أيضاً مع شركة التواصل الاجتماعي “كويشو”، لإنتاج تحدٍّ على الإنترنت للمساعدة في الحد من القلق لدى الأطفال. وفي وقت لاحق من هذا العام، ستخصص الـ”يونيسف” تقريرها الأساسي الذي يصدر كل عامَين عن حالة الأطفال في العالم، والصحة العقلية للأطفال والمراهقين؛ في محاولة لزيادة الوعي بالتحدي العالمي، الذي تفاقم بشدة بسبب جائحة كورونا.

وترتبط الضغوط والتنبؤات بإساءة معاملة الأطفال ارتباطاً وثيقاً بالجائحة؛ بما في ذلك القلق وفقدان الدخل وفقدان الوظائف، وانعدام الأمن الغذائي والسكني، وتدهور الصحة العقلية للوالدين. وهناك أدلة على أن إساءة معاملة الأطفال والإيذاء المنزلي قد ازدادت خلال حالات الطوارئ في مجال الصحة العامة في الفترة الماضية.

أحد العاملين في منظمة مجتمعية محلية في كمبوديا يشرح للأطفال إجراءات السلامة من كوفيد- موقع “يونيسف”

وهناك علامات مقلقة على انخفاض حاد في البلاغات المتعلقة بإساءة معاملة الأطفال وإهمالهم؛ مما يعكس على الأرجح انخفاضاً في الاتصال بأفراد من خارج الأسرة، لا سيما المهنيين العاملين في خدمة الأطفال. وتترتب على حالات الإخفاق في الحماية عواقب جسدية وعاطفية واجتماعية كبيرة وطويلة الأمد، ومن المرجح أن تزداد تفاقماً؛ لأن الأطفال الصغار في هذه الأوضاع غالباً ما يكونون معزولين عن هياكل الدعم أو الشبكات الاجتماعية خارج الأسرة.

إغلاق المدارس ليس بالقرار الصحيح تماماً

ويترتب على إغلاق المدارس آثار أوسع نطاقاً على صحة الأطفال. وقد حددت أحدث مراجعة أجريت حول هذا الموضوع أدلة على وجود تأثيرات “جوهرية ومتسقة” على الصحة والرفاه؛ حيث أظهرت دراسات من بلدان من مختلف مستويات الدخل أن نسبة تتراوح بين 18- 60% من الأطفال والشباب كانوا يسجلون درجات أعلى من عتبات الضيق النفسي، لا سيما في ما يتعلق بالقلق والاكتئاب، مع وجود آثار أكبر على الأطفال الذين يعانون أمراضاً عقلية موجودة من قبل.

اقرأ أيضاً: ما الأضرار النفسية للعزل الاجتماعي في زمن الكورونا؟

وفي الولايات المتحدة تم إصدار إرشادات مركز السيطرة على الأمراض والوقاية التي طال انتظارها بشأن المدارس في فبراير الماضي.وهذا هو أحدث قرار حتى اللحظة، من بين أكثر الجوانب المشحونة سياسياً والمثيرة للجدل علمياً في الاستجابة لجائحة كورونا.

كريستينا باغان -7 سنوات- تقوم بواجبها المدرسي في موقع التعلم عن بُعد في فلوريدا- “ساينتيفيك أمريكان”

حيث تدعو الوكالة في توجيهاتها مدارس مراحل التعليم الأساسية على وجه الخصوص إلى إعادة فتح أبوابها في أقرب وقت ممكن، مشيرة إلى أنه مع وجود احتياطات السلامة مثل التباعد الجسدي، وتتبع المخالطين، وارتداء الكمامات، تمكنت العديد من المدارس من إعادة الفتح بأمان، والبقاء كذلك. ويستشهد التقرير بأدلة، تمت الإشارة إليها في مقالة نشرت مؤخراً في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية، مفادها أن الحضور إلى المدارس في هذه الفئة العمرية ليس المحرك الأساسي لانتقال العدوى في المجتمع، وأن انخفاض معدلات الإصابة أمر ممكن مع إبقاء المدارس مفتوحة.

ومع ذلك، فإن مستويات انتقال العدوى المجتمعية المستخدمة كمعايير مرجعية قد أثارت انتقادات؛ لأسباب ليس أقلها أنها لا تعكس أحدث الأدلة حول ما يمكن تحقيقه من خلال الاحتياطات الوقائية، وتقترح ضمنياً أن جميع المدارس تقريباً في الولايات المتحدة يجب أن تظل على أشكال التعليم عن بُعد أو الهجينة في المستقبل القريب، على الرغم من الأدلة.

اقرأ أيضاً: هل النموذج السويدي يحتذى به في مكافحة “كورونا”؟

وبصرف النظر عن هذا الجدل، فإنه يجدر بنا التوقف والتفكير في الإخفاقات التي تمخضت عن ذلك الجدل ذاته. وببساطة، فإن الحجج حول إعادة فتح المدارس خلال الجائحة إنما تعكس فشلاً مستمراً للعلم والمجتمع، يتقاسم فيه الأكاديميون وصانعو السياسات المسؤولية. ولوضع ذلك في إطاره الصحيح، فإننا نجد في المقابل أن حوادث النقل تمثل 15 ضعف معدل وفيات “كورونا”. واحتمال وفاة الأطفال في تلك الفئة العمرية بالانتحار أكبر بعشر مرات تقريباً من احتمال وفاتهم بسبب فيروس كورونا.

والعلم، شأنه في ذلك شأن أي جانب آخر من جوانب الأداء المجتمعي، يقيم الأمور بناءً على وجهة نظره وافتراضاته. ومما يدل على المشكلة الأساسية أنه من بين انتشار عشرات الآلاف من المقالات العلمية المتعلقة بالجائحة لم يحاول سوى عدد قليل من المراجعات تقييم نطاق تكاليف إغلاق المدارس للأطفال.

أعادت بعض الولايات الأمريكية فتح أبواب المدارس وفق إجراءات احترازية مشددة- “أسوشييتد برس”

وما يثير القلق بشكل خاص هو أن المراقبين لم يتمكنوا أيضاً من العثور على دراسة واحدة تصف آثار إغلاق المدارس على الفئات الضعيفة مثل تلك التي تعاني صعوبات في التعلم أو التوحد أو اضطرابات الأكل أو تعاطي المخدرات في السابق.

ويمثل عدم التركيز على هذا الأمر على نطاق أوسع في علم “كوفيد-19” فجوة كبيرة في الأدلة الحاسمة؛ لأن هذا هو ما يرجح المفاضلة في قرارات الإغلاق بالتحديد، والطرق التي يمكن من خلالها التخفيف من آثاره، إذا ما حكم القادة السياسيون على إغلاق المدارس بأنه أمر صحيح في وقت ما.

اقرأ أيضاً: ما أسرار رفع الإغلاق الآمن للدول في ظل استمرار تفشي فيروس كورونا؟

ومن المفهوم أن يشعر صناع القرار بالقلق إزاء عدم اليقين وسط مخاطر الضرر الناجم عن جائحة كورونا؛ لكن في حالة الأطفال على وجه الخصوص، يحتاج صناع القرار إلى أن يتم إبلاغهم بالأدلة على الآثار التي قد تترتب على الأطفال الصغار بطرق أخرى، والتي ستتردد أصداؤها لعقود طويلة في مستقبلهم. وهو أمر يبعث على القلق؛ لأن الأطفال، هم من حيث التعريف مجموعة سكانية ضعيفة ويستحقون اهتماماً أخلاقياً خاصاً ومخصصات اجتماعية، كما هو مبين في اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.

فالأطفال يفتقرون إلى الاستقلال القانوني في صنع القرار، وكذلك “يمتثلون” لقراراتنا السياسية. وبالنظر إلى مرحلة النمو، فهم طيعون بشكل خاص ويتأثرون ببيئاتهم وتجاربهم. وبهذه الطريقة، من المهم أن نفكر في عواقب قراراتنا المتعلقة بالسياسات العامة في ما يخص الأطفال باعتبارها ذات أهمية فريدة ودائمة بالنسبة إلى صحة ورفاه عدد كبير من السكان الضعفاء، الذين يقع واجب الاهتمام بهم على عاتق المجتمع بأكمله، وليس الآباء والأسر فقط.

المؤلفون:

♦كارين فورد: أستاذ مساعد، كلية التمريض، جامعة تسمانيا، أستراليا.

♦أندريا ميدلتون: محاضر، جامعة تسمانيا، أستراليا.

♦ستيفن كامبل: أستاذ الأمراض السريرية، جامعة تسمانيا، أستراليا.

المصدر: ذا كونفرزيشن و  ساينتيفيك أمريكان

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة