الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

الانقلابات في إفريقيا.. من الذي ينسف الاستقرار؟

تعاني دول الساحل الثلاث التي شهدت انقلاباتٍ حديثة من تمدد الحركات الجهادية الإرهابية.. ومن فشل الحكومات في التصدي لها

كيوبوست – عبد الجليل سليمان

بإعلانِ رئيس غينيا بيساو، أومارو سيسوكو إمبالو، فشل المحاولة الانقلابية التي استهدفت إطاحته في 1 فبراير الجاري، تكون قارة إفريقيا قد شهدت نحو ستة انقلاباتٍ عسكرية خلال أقل من سنتين، مُحققة رقماً قياسياً في هذا الصدد.

اقرأ أيضاً: ساحل العاج.. الحرب على الإرهاب من خلال التنمية

بطبيعة الحال، فإنّ الانقلابات العسكرية سمة إفريقية ملازمة لمعظم الدول، لكن الوتير المتسارعة والمتتالية التي جرَت بها الانقلابات الأخيرة، جعلت منها أحداثاً فريدة؛ دفعت مراقبين ومحللين للشؤون الإفريقية يذهبون إلى أنها مصنوعة ومدبرة من جهاتٍ لا ترغب في استمرار الديمقراطية الناشئة في تلك الدول، خاصة دول الساحل وغرب إفريقيا التي شهدت معظمها، خصوصاً أنها أكثر الدول الإفريقية التي رسّخت في الأعوام العشرة الأخيرة نوعاً من الحكم الديمقراطي التداولي، كما في نيجيريا، غانا، ساحل العاج، ليبيريا، والديمقراطية السنغالية العريقة.

إطاحة الديمقراطيات الناشئة

القاسم المشترك الأعظم، بين الدول التي جرَت فيها الانقلاباتُ الأخيرة، أن معظم رؤسائها المُطاح بهم، وصلوا السلطة عن طريق الانتخابات وصناديق الاقتراع، هكذا كان الرئيس المالي الراحل، إبراهيم بوبكر كيتا الذي أطيح به في أغسطس 2020، والرئيسي الغيني ألفا كوندي في سبتمبر 2021، والرئيس البوركيني روش كابوري في يناير الماضي، فيما فشل انقلاب غينيا بيساو، ضد الرئيس أومارو سيسوكو إمبالو، الذي فاز بالانتخابات الرئاسية في ديسمبر 2019، وكذلك أعلنت حكومة النيجر، عشية تنصيب الرئيس محمد بازوم، مارس 2021، عن إحباط انقلاب عسكري استهدف تقويض العملية الديمقراطية.

متظاهرون ضد انقلاب قائد الجيش السوداني في العاصمة الخرطوم- وكالات

وفيما صّنف مراقبون ما حدث في تشاد من اغتيالٍ للرئيس إدريس ديبي، أبريل 2021، وتنصيب ابنه الجنرال محمد خلفاً له، بالانقلاب المُدبر، لم يتمكن قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إكمال انقلابه الذي نفذه في أكتوبر 2021، وأطاح بموجبه بشركائه المدنيين في إدارة المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، فبعد انصرام نحو 3 أشهر عجز البرهان عن تشكيل حكومة، وفشل في السيطرة على الشارع وإيقاف الاحتجاجات المنددة بانقلابه، والمطالبة بعودة المسار المدني الديمقراطي.

اقرأ أيضاً: رحيل الرئيس المالي السابق “بوبكر كيتا”.. الرجل الذي ودع شعبه حقناً لدمائه

انقلابات الخط المتصدّع

خلال 18 شهراً فقط، حدثت كل تلك الانقلابات، فشل بعضها، وتمكن معظمها من الوصول إلى سدَّة الحكم، فيما لا يزال بعضها يعاني، وفسّر الباحث في الشؤون الإفريقية حسن إدريس طويل، في حديثه إلى “كيوبوست”، الظاهرة، بأنّ الدول الخمس الواقعة في الساحل الغربي لإفريقيا التي شهدت انقلابات عسكرية مؤخراً، تشكل خطاً متصدعاً فمعظمها من المستعمرات الفرنسية السابقة، كما تعاني شعوبها من فساد النخب السياسي، فضلاً عن بروز وانتشار حركات التمرد والحركات الجهادية الإسلامية، مستفيدة من التوترات والمظالم وانعدام الأمن وسوء الإدارة والشباب المحبط.

أكثر الدول الإفريقية التي شهدت انقلاباتٍ- المصدر مركز المستقبل

لكن لا يوجد تفسير واحد يناسب الجميع، يضيف طويل، غير أن الانقلابات نفسها مُعدية، فعندما سقطت حكومة إبراهيم بوبكر كيتا في مالي، توقع محللون أن تحذو بوركينا فاسو حذوها، وقد حدث، وما لم يعاقب الانقلابيون فسوف تحدث المزيد من الانقلابات في المنطقة، خاصة أن شعوب تلك الدول سئمت من حكوماتها لأسبابٍ عديدة بفعل التهديدات الأمنية المستمرة، والكوارث الإنسانية المتتالية، والبطالة المتفشية وسط ملايين الشباب.

حسن طويل

يستطرد طويل، كما هو الحال في مالي، وبسبب عدم تعاون قادة الجيش مع الحكومة المدنية المنتخبة في بوركينا فاسو، فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، فإن وتيرة الاستياء الشعبي من الحكومات المنتخبة بدأت تتصاعد بشكل متسارع مع ازدياد أنشطة المسلحين المرتبطين بتنظيمي القاعدة وداعش، حيث تسببت هجماتهم المستمرة منذ عام 2015 بمقتل أكثر من 2000 شخص، وإجبار نحو 1.5 مليون شخص على ترك منازلهم، كما أغلقت المدارس في أجزاء كبيرة من بوركينا فاسو أبوابها، بعد أن بات استمرار الدراسة يشكِّل خطراً كبيراً على حياة الطلاب، الأمر الذي أضعف الثقة بالحكومات، وهيأ الملعب للانقلابات التي حظي بعضها بتأييدٍ شعبي كما في مالي وبوركينا فاسو وغينيا، وفقاً لطويل.

اقرأ أيضاً: تمدُّد الحركات الجهادية في إفريقيا.. نومُ الحكومات وإغفاءة الغرب!

جيوش تعاني

تعاني دول الساحل الثلاث التي شهدت انقلاباتٍ حديثة “مالي وبوركينا فاسو وغينيا” من تمدد الحركات الجهادية الإرهابية، مستفيدة من التوترات المحلية، والمظالم الاجتماعية التي تتسبب بها النخب السياسية، ففي مالي حدث الانقلاب جزئياً بسبب فشل الحكومة في وقف انتشار الجماعات الإرهابية. وفي بوركينا فاسو، أودى هجومٌ وقع في نوفمبر 2021، بحياة ما يقرب من 50 من ضباط الشرطة والجيش، فمثَّل ذلك أساساً للانقلاب الذي حدث بعد شهرين من الواقعة.

جنود تشاديون يشيعون الرئيس إدريس ديبي- وكالات

ملايين المواطنين نزحوا من ديارهم في جميع أنحاء منطقة الساحل، وعشرات الآلاف لقوا حتفهم، لذلك احتفى الماليون والبوركينيون بالانقلابَيْنِ في شوارع باماكو وواغادوغو، فيما اختلف الأمر نسبياً في غينيا كونكاكري، فبينما رحب البعض بالانقلاب، اعتبره آخرون ردة إلى الوراء، وإعادة غينيا مجدداً إلى الاستبداد.

تصورات خاطئة

حسن بركيّه

من جهته، اعتبر المحلل السياسي حسن بِركيّه، أن القول بتأييد شعوب منطقة الساحل للانقلابات فيه قلبٌ للحقائق، فالواقع أن شعوب تلك المنطقة بذلت ما بوسعها من أجل الديمقراطية، إلا أن قادة الجيوش الموالين لفرنسا، ومن خلفهم باريس نفسها، هم من يضعون المتاريس أمام تقدم الديمقراطية، ويعيقون خلق أوضاع مستقرة حتى يحتكروا ويستولوا على الثروات الهائلة التي تتمتع بها هذه الدول.

ولفت بركيّه خلال حديثه إلى “كيوبوست”، إلى أن بعض المواطنين الغينيين والبوركينيين الذين خرجوا في واغادوغو وكوناكري، لم يؤيدوا الانقلاب لأنه أجهض الديمقراطية، فقد أظهرت معظم استطلاعات الرأي التي أجريت في هذا الخصوص، أن معظمهم احتفى بتجربة انقلاب مالي لجهة تصدى بها المجلس العسكري الحاكم لفرنسا، القوة الاستعمارية السابقة التي لا تجد قبولاً في تلك الدول، وتقاوم الشعوب استمرار وجودها هناك.

اقرأ أيضاً: إدريس ديبي.. سيرة حافلة بالمغامرة ونهاية دموية غامضة!

وباء الانقلابات

محمد إبراهيم

من جهته، قال الصحفي والباحث في الشؤون الإفريقية محمد إبراهيم لـ”كيوبوست”، استغل الجيش المالي الغضب الشعبي جراء فشل الحكومة في حماية شعبها من المتطرفين الإسلاميين، واعتقل الرئيس الراحل إبراهيم بوبكر كيتا وأجبر على الاستقالة عبر التلفزيون الحكومي.

لكن هناك انقلاباً سبق انقلاب مالي، إلا أن كثيرين لا يعتبرونه كذلك، لأنه انقلابٌ مموه حيث حل الابن محل الأب، عندما قتل الرئيس التشادي إدريس ديبي أتنو في أبريل 2021، بعد حكمٍ استبدادي حديدي لثلاثة عقود، ومرَّ الأمر على الجميع، وكأن الرئيس لقى حتفه بالفعل في أرض المعركة، لذلك فلم يتمكن الاتحاد الإفريقي من فرض عقوبات على إنجمينا، لأنه ليس بحوزته حيثيات تثبث وقوع الانقلاب.

مؤيدون للانقلاب في العاصمة الماليّة باماكو- وكالات

الآن، وفقاً لإبراهيم، فإن أكثر من 114 مليون شخص في دول الساحل الإفريقي، يحكمهم جنودٌ استولوا على السلطة بشكلٍ غير قانوني، وهذا ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لوصف ما حدث بأنه “وباء الانقلابات”، ويستطرد، الغريب في الأمر أن هذه الجيوش نفسها ضعيفة جداً، ولربما لن تتمكن من محاربة الإرهاب، بقدر تمكنها من محاربة المدنيين العزل، وإزاحتهم عن السلطة، فالقوات المسلحة في كلٍّ من مالي وبوركينا فاسو تسيطر على أجزاء قليلة من البلاد، فيما تفرض الحركات الجهادية والمتمردون الآخرون سيطرتهم على أصقاع شاسعة من أراضي الدولتين.

اقرأ أيضاً: ماكرون إلى باماكو.. الرئيس الفرنسي في متاهة مالي

يضيف إبراهيم، حتى الجيش التشادي الذي يُعدُّ من أقوى الجيوش الإفريقية، لم ينجح في وقف الهجمات الإرهابية التي تشنُّها بوكو حرام بشكلٍ نهائي، ومن مفارقات الانقلابات الأخيرة أن ضعف القوات المسلحة في بوركينا فاسو كان عاملاً رئيسياً في نجاح الانقلاب، ولا أعتقد أن استيلاء الجيوش على السلطة سيؤدي بالضرورة إلى أداء أكثر فاعلية في محاربة الإرهاب.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة