الواجهة الرئيسيةترجمات

الانقسامات في أوساط النخبة السياسية العراقية لن تغير الوضع

كيوبوست – ترجمات

د. سامي مبيض ♦

المظاهراتُ الجماعية والسلمية التي اندلعت في لبنان، هذا الشهر، طَغَت تمامًا على المظاهرات غير السلمية التي اندلعت في بغداد في مطلع أكتوبر الجاري، والتي قتل فيها أكثر من 150 شابًا، وأصيب قرابة 6,000 شخص. وقد نأى اثنانِ من كبارِ رجال الدين الشيعة، هما عمار الحكيم، ومقتدى الصدر، بنفسيهما عن رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي. وكلاهما، وعبد المهدي، من الرجال الذين يحظون بالحماية والرعاية الإيرانية، ومن الذين استولوا على مقاليد السلطة بعد سقوط صدام حسين عام 2003. وفي وقتٍ من الأوقات، خلال حياتهم المهنية، دعا ثلاثتهم إلى تطبيق نظام حكمٍ ديني في بغداد، على غرار النظام الإيراني. والثلاثة هم أبناءٌ لرجال دين شيعة بارزين ممن تم تعليمهم وتلقينهم وتمويلهم من قبل النظام الإيراني، لثلاثةِ عقودٍ متصلة.

لقد أثار انشقاقُ الرجلين، الناعمُ، الآمالَ في أن يبدأ الآخرون بالابتعاد تدريجيًا عن الرعاية الإيرانية، مما يقلل من تطرف المجتمع العراقي وعسكرته، من الذي يتحكمون فيه منذ 2003. ومع ذلك، فإن النظرةَ الفاحصة توحي بأن هذا قد يكون سرابًا، ومحض خيال ممن يحللون الشأن العراقي دون أن يغادروا مكاتبهم في أوروبا والولايات المتحدة، ويرون أن هذه الشخصيات ودوائرها الانتخابية، هي العمود الفقري للنظام السياسي العراقي بعد عام 2003، وأنهم إذا ما سقطوا، فسيسقط معها النظام الذي رسخوه لمدة ستة عشر عامًا، بالأسلحة والأموال الإيرانية.

اقرأ أيضًا: تظاهرات العراق.. ساحات حرب على الفساد والتبعية الإيرانية

ولأسبابٍ مفهومة، تدعو الشخصيات السنية البارزة مجتمعها إلى الابتعاد عن الصراع، واصفين إياه بأنه قضيةٌ شيعية داخلية. وأن المشاركةَ السنية ستعطي السلطات الذريعة التي تسعى إليها للادعاء بأن المتظاهرين ينطلقون بناء على تعليمات داعش و/أو البعثيين من النظام القديم، أو يتم تمويلهم من المملكة العربية السعودية. ويشعر الكثير من العراقيين بالسعادة بهذا الصدع الناشئ داخل الطبقة السياسية الشيعية، على أملِ أن يقود للإطاحة بعبد المهدي والحكيم، والصدر، وآخرين. رأي الطائفة السنية يستحضر تصريحات هنري كيسنجر حول الحرب الإيرانية- العراقية في فترة الثمانينيات، الذي أعرب فيه عن أمله في أن يخسر كلٌّ من آية الله روح الله الخميني، وصدام. لكن بعض العراقيين السنة لا يزال يراودهم الأملُ في أن يؤدي هذا الصدع، في أوساط الزعماء الشيعة، إلى التآكل التدريجي للتأثير الإيراني الهائل في عراق ما بعد صدام.

هذه مجرد أمنياتٍ، تقلِّل كثيرًا من تقديرات إلى أي مدى وصل نفوذُ الشيعة العراقيين منذ 2003، وإلى أي مدى ترغب إيران في الذهاب للإبقاء عليهم في مناصبهم، أو لتكوين نخبة شيعية جديدة، بالقدرِ ذاته من التطرف -إن لم يكن أكثر- من تلك التي ظهرت عقب سقوط صدام. وكان من الأسهل، بكثير، تعبئة الشيعة تحت رايةٍ مشتركة عندما كان النظام السابق قائمًا؛ لأنه قدَّم للشيعة العراقيين عدوًّا مشتركًا يوحدهم.

مظاهرات عابرة للطائفية في كربلاء- “أ ف ب”

لقد استخدمت إيران أموال النفط لتمكين الأحزاب الشيعية، في جميع أنحاء العالم العربي، بهدف نشر النسخة “الخمينية” (ولاية الفقيه). ووصفُ الشيعةِ، في لبنان والعراق، بأنهم طبقة دنيا -بشكلٍ صحيح جدًا- لا تتلقى سوى القليل جدًا من الأموال الحكومية والاهتمام. ووصفهم رجل الدين اللبناني المولود في إيران، موسى الصدر، بأنهم “المحرومين”، رغم أن معارضة موسى لشكل حكومة الخميني الدينية، في بداية الثورة الايرانية، قد أدّت إلى مقتله في ليبيا في صيف 1978.

وفي لبنان، أسست إيران حزب الله من رحم حركة “أمل”. وفي العراق، قامت بتمويل حزب “الدعوة”، وموَّلت أنشطته الإرهابية السرية، واستضافت قادته حتى تمكنوا من العودة بشكل جماعي إلى العراق، بعد سقوط صدام في عام 2003. ويزعم المراقبون الغربيون في العراق، خطأً، أن الطائفة الشيعية، بصفةٍ عامة، قد استفادت بشكل جماعي من الوضع الذي ساد بعد عام 2003 في بغداد، عقب سنواتٍ من القمع في ظل ديكتاتوريةٍ عسكرية، بقيادةٍ سنية. وهذا ليس صحيحًا؛ لأنه رغم أن الشيعة يشكلون 64% من سكان العراق البالغ عددهم 38 مليون نسمة، فإن جزءًا صغيرًا فقط قد حقَّق ثرواتٍ، وترقى السلم المهني والسياسي، منذ عام 2003، ومعظمهم كانوا يستغلون انتماءاتهم لإيران.

المشكلات الاقتصادية

تعيش بقية الطائفة الشيعية في حالةٍ من الفقر والحاجة، وأصبحوا مجرد حرّاس شخصيين، وسائقين، و”موصلي طلبات” للنخبة الحاكمة في الدولة. هؤلاء هم الذين نزلوا إلى شوارع البصرة في عام 2018 وبغداد في عام 2019، مطالبين بحياةٍ أفضل. تشير الإحصاءات إلى أنه بحلول عام 2014، بلغ معدل الفقر 22.5% في جميع أنحاء العراق، وفقاً للبنك الدولي(1). ويصل معدل البطالة حاليًا إلى 17% بين الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة، والذين يشكلون 60% من سكان العراق. ويلتحق قرابة 700,000 شخص بالقوة العاملة سنويًا، ويبحثون عن العمل في المصالح الحكومية المكتظة بالفعل، التي تستهلك 70% من ميزانية الدولة(2). وبسببِ ذلك، لا يحصل قطاعا الصحة والتعليم سوى على 8% من الميزانية السنوية، بينما تحصل الميليشيات غير الحكومية على 2%، ويحصل جهاز الأمن على نسبة ضخمة تصل 19%(3).

اقرأ أيضًا: محاولات السيطرة الإيرانية على العراق قد تشمل فرق الاغتيالات!

والجدير بالذكر، أن مظالم المجتمع بعد عام 2003، قد تعرضت للتكميم مرتين، أولًا من قِبل التمرد السني الذي يضم أتباع صدام وتنظيم داعش، الذي هاجم، في الوقتِ نفسه، السكان الشيعة وأماكن عبادتهم، ورموزهم الأخرى، وكذلك القوات الأمريكية، ثم بعد 2014 عقب الاستيلاء على الموصل، والأراضي الأخرى في العراق.

هذا التهديد وحّد العراقيين الشيعة ضد العدو الوجودي المشترك الذي وعد بقتلهم بالسيف بتهمة الهرطقة، ونفذ ذلك في فظائع شائنة كتلك التي ارتكبت في معسكر “سبايكر”. وبالتالي، حمل أكثر من 100,000 منهم السلاح لمحاربة داعش، من خلال قوات الحشد الشعبي، وهي ميليشيات فائقة تدعمها إيران. وعقب سقوط الخلافة المزعومة، خرج الشيعة إلى شوارعِ مدينة البصرة الغنية بالنفط في الخريف الماضي، للاحتجاج على الفساد الحكومي، والمحسوبية، والبطالة، ونقص الخدمات الأساسية؛ مثل مياه الشرب النظيفة، وانقطاع التيار الكهرباء. وفي سبتمبر 2018، أحرقوا القنصلية الإيرانية في البصرة، واتهموا إيران ووكلاءها بالفساد وسوء الإدارة. وبعد مرورِ عامٍ، خرجوا إلى شوارع بغداد مطالبين بسقوط حكومة عبد المهدي، وإعادة هيكلة النظام السياسي بشكل كامل.

وفي هذا الصدد، قال صفاء خلف المحلل العراقي البارز، لـ «عين أوروبية على التطرف» إن: “معظم المتظاهرين هم من خريجي الجامعات الشباب الذين نشأوا في حقبة ما بعد عام 2003”. وأضاف “هؤلاء نشأوا في ظل انهيار الخدمات الحكومية، وانتشار الفساد في مفاصل الدولة، وشاهدوا صعود نخبة جديدة تتمتع بثراء فاحش”. وحدد خلف عددًا من الأسباب التي دفعتهم إلى الغضب، والتي شملت “هيمنة الميليشيات والحاشية الإيرانية التي عززتها حكومة عبد المهدي”. ومع ذلك، فإن العديد من هذه الميليشيات نفسها التي تسببت ممارساتها الخبيثة في اندلاع المظاهرات – أولاً في البصرة والآن في بغداد- تحاول اختطاف المظاهرات، والانحياز إليها ضد رئيس الوزراء.

مظاهرات العراق

لقد تواطأ الكثيرون، في الفساد الحكومي بعد عام 2003، ورأوا أن من مصلحتهم الجماعية الحفاظ على الوضع الراهن. اثنان من هؤلاء المتواطئين؛ هما عمار الحكيم، ومقتدى الصدر، اللذان أعادا تمركزهما ليبقيا على مسافة بعيدة عن إيران، لمدة عامين تقريبًا. لكن هل كان الأمر حقيقيًا، الكثيرون كانوا يتساءلون، أم تمثيلية من قبل الإيرانيين أنفسهم لتحسين صورتهما؟

يبدو الانشقاق أمرًا منطقيًا تمامًا بالنسبة لهما، نظرًا لأن الأموال الإيرانية بدأت تتراجع، في ظل توجيهها إلى وكلاء إيران في الصراع السوري بدلًا من العراق. فلقد رأت إيران أن هذه الجبهة أكثر خطورة، وأكثر حاجة إلى الأموال الفورية من العراق. وبسبب الإحباط لأسبابٍ مالية، ربما حاول الحكيم والصدر الابتعاد عن إيران، ولكنهما لم يعثرا على راعٍ أفضل. ولم ينس الأمريكيون التمرد الذي قاده الصدر في عام 2004، ولا يزالون يعتبرون الصدر سفاحًا وأميرَ حرب لا يشاطرونه سوى القليل من القواسم المشتركة. وليس لديهم أيضًا سوى القليل من الثقة في الحكيم، الذي عاش حياته معتمدًا على دفاتر الشيكات الإيرانية، وأهميته السياسية الآن في تراجع. لقد حاول كلاهما التواصل مع المملكة العربية السعودية، في عام 2017، ولكن باستثناءِ الترحيب الحار والصور الفوتوغرافية مع ولي العهد محمد بن سلمان، لم يكن لدى الرياض الكثير لتقدمه، التي كانت بالفعل تعاني من ضائقة مالية، في ظل حربها الجارية في اليمن.

وهكذا، عاد الاثنان في صمت ليدورا في فلك إيران، بينما كانا يحاولان الظهور كمستقلين يخاطبان العراقيين كافة، لإظهار أنهما ليسا طائفيين. وإذا ما انهارت حكومة عبد المهدي، فإن البدائل الوحيدة ستكون من داخل الطائفة الشيعية، رجال يتم ترشيحهم -أو الموافقة عليهم- من قبل الحكيم والصدر.

انشقاق فاشل لعمار الحكيم

ولد عمار الحكيم، الذي يبلغ عمره 48 عامًا، لأسرةٍ من رجال الدين البارزين، وينحدر من النجف، أقدس مدينة للمسلمين الشيعة. وقد نفي إلى إيران مع والده عبد العزيز، في عام 1980، بعد أن أعدم صدام حسين أفراد عائلته، حيث درس في الجامعة العربية الإسلامية في مدينة قم، التي تشتهر بتوفير العلم للراغبين في الدراسات الشيعية. وخلال الحرب الإيرانية- العراقية، حاربت ميليشيا والده، فيلق بدر، إلى جانب الإيرانيين ضد جيشهم العراقي الأصلي. وكان يتم تمويل حزبهم السياسي، “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية” في العراق، بالكامل وتدريبه وتوجيهه، من قبل ملالي طهران، وتم إيواؤه في إيران حتى 2003، وعاد إلى العراق مطالبًا بِحُكمٍ ديني شبيه لما في إيران، في بغداد. ومن بين الأعضاء البارزين في المجلس، رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي(4).

اقرأ أيضًا: صراع شيعي – شيعي حول التأثير الإيراني داخل العراق

وسرعان ما برز الحكيم إلى مكانة بارزة في العراق الجديد، رغم أن محمد باقر الحكيم، شقيق عمار، قُتل في وقتٍ مبكر من الفترة التي أعقبت صدام حسين على يد مفجر انتحاري من تنظيم داعش في أغسطس 2003. وقام فيلق بدر/ المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، في العراق، ووكلاؤهما بتأمين مبنى وزارة الداخلية، التي اعتادوا استخدامها للانتقام من أعدائهم، السنة والشيعة. وقاموا بتعبئة قوات الشرطة الاتحادية، مع الشباب العاطلين عن العمل، الذين يدينون لهم، بدلًا من المؤسسة الحكومية، بالولاء الثابت.

تولى الحكيم قيادةَ الحزب في عام 2009، وارتدى زيًا إسلاميًا، على الرغمِ من أنه لم يكن أبدًا مرجعًا شيعيًا، ولا يحمل لقب “آية الله”، كما كان عمه وجده. وطوال الفترة من عام 2009 إلى 2017، قام بعملية تطهير منهجية للحزب من قدامى الأعضاء، وضمّ شبانًا يدينون بالولاء له مباشرة. سافر ثلاثة من قدامى أعضاء الحزب إلى طهران لرفع شكوى إلى المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. وبعد ذلك بأسابيع، استقال الحكيم من منصبه الوراثي في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وأسس حزبًا جديدًا يُسمى “حركة الحكمة الوطنية”.

وحاول تسويق ذلك باعتباره “انشقاقًا ناعمًا” عن طهران، قائلًا إنه ليس حزبًا شيعيًا، ولكنه مفتوح للسنة والمسيحيين أيضًا. بل ذهب لحد انتقاد عسكرة المجتمع العراقي، وهيمنة الميليشيات عليه، في تجاهلٍ تام لتاريخ عائلته مع فيلق بدر. غير أن هذه التمثيلية لم تدم طويلًا. وبعد أن هرب أحد تلاميذه، المحافظ السابق للبصرة، ماجد النصراوي إلى إيران، في وقتٍ لاحقٍ، من ذلك الصيف، تجنبًا لاتهامات الفساد في الداخل، قال إنه لا يثق في القضاء العراقي(5).

اقرأ أيضًا: إيران تستعمر دولًا عربية فكريًا، والضحية سوريا واليمن والعراق

ومنذ 2019، حاول الحكيم التقرب إلى القوى السنية ذات الثقل التي تنتقد الهيمنة الإيرانية في العالم العربي، ومنها دولة الإمارات. وفي شهر يونيو الماضي، نظّم أتباع الحكيم مظاهرات عبر المحافظات الجنوبية في العراق، مهددين “بالعصيان المدني”، إذا لم يستجب عبد المهدي للمطالب الشعبية. ويقود الحزبُ، الآن، كتلةً برلمانية تضم 19 نائبًا، تحالفت مع نوابٍ شيعة آخرين لتشكيل “جبهة معارضة” في أكتوبر الحالي. ويقول الحكيم إن لدى المحتجين المناهضين للحكومة “مخاوف مشروعة”. وإذا ما خرج ضد الحكومة، سيضع عبد المهدي في موقف حرج. ولكن نظرًا لكتلته البرلمانية، لا يمكن تشكيل أي مجلس وزراء بدون موافقته. إنها دائرة مغلقة، إذن، من إيران إلى إيران.

مقتدى الصدر لا يزالُ صانعَ الملوك الشيعي

يتمتع مقتدى الصدر، مثل الحكيم، بمصداقية دينية موروثة. ورغم أن الصدر “رجل دين”، لكنه لا يزال صغيرًا ولا يتمتع بسلطة إصدار الفتاوى. لقد بنى حياته المهنيةَ، بأكملها، على إرث أفراد أسرته، حيث كان والده وعمه يحملان لقب “آية الله”، وقد قُتلا على يد صدام. واشتهر مقتدى الصدر بعد الغزو الأمريكي عام 2003، بعدما أنشأ في الثلاثين من عمره ميليشياته الخاصة، ودعا إلى تطبيق “الديمقراطية الإسلامية” في العراق. وكان للصدر رجل دين شيعي منافس، هو الإمام الخوئي، الذي قُتل في وقتٍ لاحق، من ذلك العام.

مارس الصدر نفوذه في الأحياء الفقيرة في بغداد، خاصة بين صغار المجرمين الفقراء، حيث يوفر لهم الحماية من الأجهزة الأمنية، في مقابل الولاء الأعمى. وفي عام 2004، قاد انتفاضة ضد القوات الأمريكية، التي عززت من مكانته في العراق، ثم انتقل إلى السياسة، وساند رئيس الوزراء المدعوم من إيران، نوري المالكي، في عام 2006.

لقد اعتمد المالكي على بلطجية الصدر للسيطرة على الشيعة، على مستوى القاعدة الشعبية، وغض الطرف عن سوء سلوك ميليشياته. وقام بتمويلهم من خلال مجموعةٍ واسعة من الأنشطة غير القانونية، بما في ذلك الاختطاف والسرقة وبيع الأسلحة. وفي عام 2014، نأى الصدر بنفسه عن المالكي، ملقيًا اللوم عليه في صعود داعش، وأيّد صعود حيدر عبادي، وهي شخصية تحظى بدعم إيران أيضا.

ساهم الصدر بقوةٍ بشرية كبيرة في قوات الحشد الشعبي، الشيعية بالكامل، التي شُكِّلت لقتال داعش، لكنه انتقد العبادي أيضًا، عندما اتضح أن الإيرانيين كانوا غاضبين منه، لموافقته على الامتثال للعقوبات الأمريكية على القطاع المصرفي الإيراني. ومثل الحكيم، حاول الصدر أيضًا النأي بنفسه عن إيران في الفترة من 2017-2018، وحاول أن يجد الدعم من دولٍ عربية مثل السعودية، ودعا حليف طهران في دمشق، الرئيس بشار الأسد، إلى التنحي(6). وعقب تقديم الدعم لعبد المهدي، بفضل كتلته البرلمانية القوية التي تضم 54 نائبًا، يدعوه الآن إلى الاستقالة، بل يضع ثقله خلف المتظاهرين في بغداد. وفي أوائل سبتمبر، أوضح الصدر إلى جانبِ من يقف، حيث ظهر في طهران إلى جانب آية الله خامنئي(7).

ماذا تحملُ الأيامُ المقبلة؟

لقد طغى حضورُ آية الله علي السيستاني، أعلى سلطةٍ دينية في العراق، وهو من بين الشيعة البارزين على مستوى العالم، طغى على الحكيم والصدر. والسيستاني، البالغ من العمر 89 عامًا، هو رجل دين مولود في إيران، ويرأس المدرسة الدينية في النجف. ورغم أن السيستاني لا يلعب دورًا مباشرًا في النظام السياسي العراقي، فقد مارس دورًا قويًا منذ عام 2003. في خطبة الجمعة في 4 أكتوبر، وزّع السيستاني اللومَ بالتساوي على الحكومة والمتظاهرين، داعيًا إلى إدخال إصلاحاتٍ، وإعادة الهدوء إلى الشارع العراقي. وبما أنه لا يمكن للحكيم ولا الصدر أن يضاهيا مكانته الدينية، فإنه بغض النظر عن مشاعرهما الشخصية تجاه المرجع، فلا يمكن لهما معارضته، ناهيك عن إبداء عدم الاحترام له.

وقد كانت عباراتُ الدعمِ بمنزلةِ طوق نجاة لرئيس الوزراء عبد المهدي، والذي اعتبرها ضوءًا أخضر للبقاء في منصبه، على الأقل في الوقت الحالي، ورأى أنه قد حصل على موافقة المرجع. وتجدر الإشارة إلى أن الحكيم والصدر قد دعيا عبد المهدي إلى التنحي، بعد فترةٍ وجيزة من بدء المظاهرات في 1 أكتوبر، دون انتظار السيستاني لإعطاء كلمته الأخيرة. والآن سوف يتعين عليهما التراجع.

مليشيا الحشد الشعبي

وتعليقًا على ذلك، يقول فنار حداد، باحث رفيع المستوى في معهد الشرق الأوسط، إن الصدر تراجع بالفعل. وفي حديثه مع موقع “عين أوروبية على التطرف”، قال حداد: “من المحتمل أن تستمر هذه الحكومة مع تغييرات طفيفة. إن إيجاد بديل قد يستغرق شهورًا من المناكفات التي يمكن أن تجلب عدم استقرار سياسي غير مرحب به في هذا الوقت الحساس. وعلاوة على ذلك، قد يخشون أن تمثِّل استقالةُ رئيس الوزراء سابقةً تسمحُ للاحتجاج الشعبي بإسقاط الحكومات”.

وفي الوقتِ الراهن، وعد رئيسُ الوزراء بتقديم سلّة من الإصلاحات، التي “تعيد تغليف” النفوذ الإيراني في العراق، بدلًا من تقليصِه. كما يعد أيضًا بعمل تعديل وزاري، لكنه غير قادر على اختيار شخصياتٍ مناهضة لإيران لأي من المناصب العليا. ورغم أن تشكيل مجلس وزراء من “التكنوقراط” من شأنه أن يضم جميعَ أطياف البرلمان العراقي، فإنه سيضم الأحزابَ نفسها التي سئمها الشارع. علاوة على ذلك، يعد بخفض مرتبات الوزراء، ورؤساء الوزراء السابقين، ولكن لا أحد منهم يعتمد على راتبه الحكومي، ذلك أنهم يعتمدون على الرعاية الإيرانية منذ سنوات. وأخيرًا، يعد بتشكيل محكمة لمكافحة الفساد، وهي عملية قيد النقاش منذ سنوات، لكنها لم تتجاوز الخطط على الورق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: عين أوربية على التطرف

باحث وأستاذ جامعي سوري، متخصص في الدراسات التاريخية، عمل باحثا في مركز كارنيجي، مؤلف كتاب: تحت الراية السوداء- على مشارف الجهاد الجديد”، صدر في 2015.

المراجع:

 [1] “Shocking Poverty, Unemployment Figures in Iraq,” Baghdad Post (31 March 2019): https://www.thebaghdadpost.com/en/Story/37896/Shocking-poverty-unemployment-figures-in-Iraq

[2] Alaaldine, Ranj. “How to save Iraq,” New York Times (8 October 2019): https://www.nytimes.com/2019/10/08/opinion/iraq-protests.html

[3] Aboulenein, Ahmed. “Stagnant politics, graft, and slow recovery fuel new Iraqi unrest,” Reuters (2 October2019): https://www.reuters.com/article/us-iraq-protests-economy-analysis/stagnant-politics-graft-and-slow-recovery-fuel-new-iraqi-unrest-idUSKBN1WH1S8

[4] Salaheldin, Sinan. “Iraq tasks Shiite independent with forming a new government,” Associated Press (2 October 2018): https://web.archive.org/web/20181004230012/https://www.sfchronicle.com/news/world/article/Iraq-delays-vote-on-president-due-to-dispute-13274903.php

[5] “Basra governor flees to Iran amidst corruption probe” The National (12 August 2019): https://www.thenational.ae/world/mena/basra-governor-flees-to-iran-amid-corruption-probe-1.619074

[6] “Sadr becomes first Iraqi Shiite leader to urge Assad to step down,” Reuters (9 April 2017): https://www.reuters.com/article/us-mideast-crisis-iraq-syria-sadr/sadr-becomes-first-iraqi-shiite-leader-to-urge-assad-to-step-down-idUSKBN17B070

[7] Mamouri, Ali. “What is Muqtada al-Sadr doing in Iran?” Al-Monitor (11 September 2019): https://www.al-monitor.com/pulse/originals/2019/09/iran-iraq-sadr-hakim-sistani-khamenei.html

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة