الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الانتصار المر ..ما الثمن الذي دفعته الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب؟

كيوبوست – ترجمات

إيليوت إيكرمان♦

في مقالٍ نشره موقع “فورين أفيرز”، يستعرض ضابط مشاة البحرية، وضابط المخابرات المركزية السابق؛ إيليوت إيكرمان، التكلفة الهائلة التي تكبدتها الولايات المتحدة الأمريكية، في الحرب التي أعلنها الرئيس الأسبق جورج بوش على الإرهاب، في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. ويستحضر إيكرمان في مطلع مقاله واحدة من تجاربه الشخصية في ميادين القتال التي كانت أولى المهام الميدانية التي يكلف بها بعد انتقاله مشاة البحرية إلى وكالة المخابرات المركزية الأمريكي.

كانت المهمة تقضي باعتقال أو قتل واحد من القادة العشرة الأوائل في تنظيم القاعدة عند وصوله إلى وادي كورينغال في أفغانستان قادماً من باكستان لحضور اجتماعٍ للتنظيم. تسلل الفريق المؤلف من 70 فرداً من قوات مكافحة الإرهاب ومغاوير مشاة البحرية إلى المنزل الذي كان يوجد فيه الهدف، وبعد قتالٍ قصير ولكنه شرس، تمكن الفريق من قتل عدد من الإرهابين واعتقال الهدف. انسحب الفريق من الموقع، ومع حلول الفجر، وصل إلى قاعدةٍ متقدمة للجيش الأمريكي.

اقرأ أيضاً: من 11 سبتمبر إلى 1 يونيو الحرب على الإرهاب تستنفر اليمين المتطرف

يقول إيكرمان في مقاله: “بينما كنا ننتظر القافلة التي ستعيدنا إلى مقرنا الرئيسي في القاعدة، ونشوة الانتصار تملأ رؤوسنا، تأملت الجنود الأمريكيين الشباب المتمركزين في هذه القاعدة المتقدمة، كنت أعرف ما الذي يعانون منه بالضبط. فهم على مدى السنوات الماضية، كانوا يخوضون حرباً عبثية وفاشلة في معظم الأحيان في مواجهة المتمردين في هذا الوادي. قُتل العديد من رفاقهم، وكانت وجوههم خالية تحمل مزيجاً من تعابير الهزيمة والتحدي. لا بد أن مزاحنا وابتهاجنا بانتصارنا كان وكأنه لغة غريبة بالنسبة لهم. نظروا إلينا شزراً وعاملونا كمتطفلين. وعلى الرغم من أن وحدة مكافحة الإرهاب التي أعمل معها كانت تخوض المعركةَ نفسها مع هؤلاء الجنود، فقد شعرت وكأننا نقاتل في حربين مختلفتين كلَّ الاختلاف”.

الرئيس جورج بوش يعلن الحرب على القاعدة أمام جلسة مشتركة للكونغرس- أرشيف

ثم ينتقل إيكرمان في مقاله إلى بداية هذه الحرب، عندما وقف الرئيس جورج بوش أمام جلسة مشتركة للكونغرس في 20 سبتمبر 2001 ليعلن الحرب على الإرهاب، حيث أكد أن الولايات المتحدة سوف تسخر كل إمكاناتها وطاقاتها لهذه الحرب. وقال: “سنحرم الإرهابيين من التمويل، ونشق صفوفهم، ونطاردهم من مكانٍ إلى آخر لنحرمهم الملاذ الآمن وطعم الراحة”.

إذا كانت كلمات بوش هذه قد حدَّدت أهداف الحرب، فإن الولايات المتحدة قد حقَّقت أهدافها بعد عشرين عاماً. فزعيم القاعدة أسامة بن لادن قد قُتل، وقادتها مشتتون ومنهكون، وخليفة بن لادن أيمن الظواهري محروم من التواصل مع العالم إلا من خلال منشورات دعائية نادرة، ولقي تنظيم الدولة الإسلامية، أقوى فروع القاعدة، هزائم متتالية في العراق وسوريا. ولكن الأهم من كل ذلك هو نجاح الولايات المتحدة في تأمين أراضيها. ولم يتجاوز متوسط عدد ضحايا الإرهاب الجهادي ستة أشخاص سنوياً منذ هجمات سبتمبر. إذا كان الهدف من الحرب على الإرهاب هو منع وقوع هجمات إرهابية كبيرة، ولا سيما على الأراضي الأمريكية، فإن الهدف قد تحقق.

يتساءل إيكرمان، تحقق الهدف، ولكن بأي ثمن؟ وهل يمكن أن يتعايش النجاح والفشل في المعركة نفسها كما حدث في تلك الليلة في وادي كورينغال؟ هل تستطيع الولايات المتحدة أن تدعي أنها انتصرت في الحرب على الإرهاب، في حين أنها خسرت الحربين في العراق وأفغانستان في الوقت نفسه؟

اقرأ أيضاَ: تعلُّم التعايش مع الإرهاب… عقيدة “جيد بما فيه الكفاية”

يرى كاتب المقال أن الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب دراسة المعارك التي خاضتها الولايات المتحدة منذ 11 سبتمبر 2001 وفهم تأثيرها على النفس الأمريكية.

لا بد لكل حرب خاضتها الولايات المتحدة من نموذج اقتصادي يوفر لها الأموال والأرواح الكافية. وكان للحرب على الإرهاب نموذجها الخاص. كانت حرباً يخوضها جيش من المتطوعين بالكامل، وجاء تمويلها بشكل رئيسي من خلال عجز في الميزانية. ولا عجب في أن هذا النموذج الاقتصادي -الذي خدر تصميمه معظم الأمريكيين تجاه تكاليف الصراع- قد أنتج أطول حرب في تاريخ البلاد. وقد كان لهذا النموذج تأثير كبير على الديمقراطية الأمريكية، لم يتم إدراكه إلا بعد عشرين عاماً. اليوم في ظل تفاقم العجز الوطني، والتحذيرات من التضخم، تجدر الإشارة إلى أن هذه الحرب أصبحت واحداً من أكبر الأعباء التي تحملها الاقتصاد الأمريكي، بعد أن استمر الإنفاق بالعجز على مدى إدارات متعاقبة، بينما تعاني أشكال الإنفاق الأخرى مثل عمليات الإنقاذ المالية، والرعاية الصحية، ومؤخراً حزمة التحفير للتعافي من عواقب الجائحة، من نقاشاتٍ لا تطاق.

بلغت حصة كل مواطن أمريكي من كلفة الحرب على الإرهاب 16,000 دولار- موقع روسيا اليوم

ويلفت إيكرمان إلى أنه إذا كان الإنفاق بالعجز قد خدر الأمريكيين بشأن الكلفة المالية للحرب، فإن التقدم التكنولوجي والتغيرات الاجتماعية فد خدرتهم من حيث كلفتها البشرية. وفَّرت الطائرات المسيرة، ومنصات القتال المؤتمتة، إمكانية القتل عن بعد للجيش الأمريكي، وأبعد الأمريكيين عن الخسائر البشرية البائسة للحرب، وفي غضون ذلك دفع غياب الرؤية المستقبلية الواضحة لهذه الحرب بالحكومة إلى إسناد حروبها إلى النخب العسكرية التي أخذت تنفصل بذاتها عن المجتمع لتشكل انقساماً مدنياً عسكرياً، يضاف على الانقسامات الأخرى التي يعاني منها المجتمع الأمريكي.

وفي العام الماضي، التقى الأمريكيون مع جيشهم بشكلٍ مباشر أثناء الاستجابة للاضطرابات المدنية، عندما تم نشر وحدات من الجيش في العديد من مدن البلاد. كما شهد الأمريكيون قادة عسكريين متقاعدين -من اليمين ومن اليسار- يتدخلون في المسائل السياسية بشكلٍ غير مسبوق، حيث تحدثوا على شاشات التلفزيون، وكتبوا في الصحف، ووقعوا العرائض.

اقرأ أيضاً: نحن والآخرون..كيف سمحت الولايات المتحدة لأعدائها باختطاف سياساتها الخارجية؟

ومع ذلك فلا يزال الجيش الأمريكي من المؤسسات القليلة التي يرى الجمهور أنها لا تملك تحيزاً سياسياً معيناً. ولكن إلى متى ستستمر هذه الثقة في ظلِّ الظروف السياسية القائمة؟ من روما قيصر، إلى فرنسا نابليون، يظهر التاريخ أن الجمهوريات عندما تقترن بجيش قوي، وسياسات داخلية مختلة، فإن الديمقراطية لا تدوم طويلاً. والولايات المتحدة اليوم تستوفي هذين الشرطين. والانقسام الواسع بين الجيش والمواطنين الذين يخدمهم هو أحد تداعيات ونتائج الحرب على الإرهاب.

يرى إيكرمان أنه على الرغم من أن الفصل بين الحربين في العراق وأفغانستان، والحرب على الإرهاب، قد يبدو أمراً غريباً، إلا أن غزو هذين البلدين واحتلالهما بالكامل لم يكن أمراً مطروحاً في أعقاب هجمات سبتمبر، بل كان من الممكن التفكير في إجراءات محدودة تؤدي إلى سوق بن لادن للعدالة، واحتواء صدام حسين دون الحاجة إلى هذه الحرب المفتوحة التي أعاقت في كثيرٍ من الأحيان هذين الهدفين.

الانسحاب الأمريكي من أفغانستان يضع نهاية لحرب امتدت لعشرين عاماً- فاينانشيال تايمز

وإذا كان الخطأ الاستراتيجي الفادح لإدارة بوش هو غزو العراق فإن الخطأ الاستراتيجي الفادح لإدارة أوباما هو الانسحاب الكامل من العراق. وكلتا الخطوتين خلقت فراغاً في السلطة في هذا البلد، وأتاحت الخطوة الأول الفرصة لازدهار تنظيم القاعدة في العراق، وأنجبت الخطوة الثانية خليفة القاعدة في المنطقة، تنظيم الدولة الإسلامية. وإذا كان فعل الشيء نفسه مراراً وتكراراً مع توقع نتيجة مختلفة في كل مرة يعتبر ضرباً من الجنون، فإن إدارة بايدن قد أثبتت أنها مجنونة فعلاً عندما كررت تجربة الرئيس أوباما بانسحابها من أفغانستان.

إن ما يميز الحرب على الإرهاب عن غيرها من الحروب هو أن الانتصار فيها لا يقوم على تحقيق نتيجة إيجابية، بل في منع وقوع أمور سلبية. فكيف يمكن إعلان النصر؟

يرى إيكرمان أنه بعد هجمات 11 سبتمبر شعر واضعو الاستراتيجيات الأمريكية أنهم غير قادرين على تصور حرب يمكن كسبها بمنع وقوع مجموعة معينة من الأحداث مرة أخرى، وشعروا بأنهم مجبرون على خلق حرب تتوافق مع المفاهيم الأكثر تقليدية للصراعات. وكانت الحرب في أفغانستان والعراق نوعاً مألوفاً من الحرب تمثل في غزو تلاه إسقاط حكومة وتحرير شعب. لكن هذا الغزو تبعه احتلال طويل وحملات مكافحة تمرد.

اقرأ أيضاً: نجاح بن لادن الكارثي

إلى جانب الثمن المدفوع بالأرواح والأموال، هنالك مقياس آخر يمكن الحكم من خلاله على الحرب على الإرهاب، وهو الفرص الضائعة. فقد كشفت جائحة كوفيد-19 عن عمق الخلل السياسي الأمريكي، وألقت الضوء على خطر الانقسام المدني-العسكري. وربما الأخطر يكمن في العلاقة مع الصين. فبينما كانت الولايات المتحدة منشغلة في حروبٍ مفتوحة وعمليات دقيقة لمكافحة الإرهاب، كانت الصين تبني جيشاً قادراً على محاربة وهزيمة منافسيه.

الصين تبني مجموعة من الجزر الصناعية في بحر الصين الجنوبي لتقوم بوظيفة حاملات طائرات غير قابلة للغرق- أرشيف

البحرية الصينية هي الأكبر في العالم اليوم، فهي تضم 350 سفينة حربية بالمقارنة مع 290 سفينة للبحرية الأمريكية. ومع أن السفن الأمريكية تتفوق على نظيرتها الصينية، فإنه يبدو من المحتم أن يصل جيشا البلدين إلى التكافؤ في المستقبل. وأمضت الصين السنوات العشرين الأخيرة في بناء سلسلة من الجزر الاصطناعية، في بحر الصين الجنوبي، لتستخدمها كحاملات طائرات غير قابلة للغرق في خط دفاع متقدم. وبالطبع لم تكن الصين هي الدولة الوحيدة التي استفادت من انشغال الولايات المتحدة، فروسيا توسعت في القرم، ودعمت الانفصاليين في أوكرانيا، وإيران خلقت وكلاء لها في العراق وسوريا وأفغانستان، وتمكنت كوريا الشمالية من امتلاك السلاح النووي. لقد كانت الجماعات الإرهابية هي التهديد الأكبر للولايات المتحدة، ولكن ليس بالطريقة التي توقعها معظم الناس. فقد عرضت هذه الجهات غير الحكومية الأمن القومي الأمريكي للخطر ليس من خلال مهاجمة الولايات المتحدة، بل من خلال تحويل انتباهها عن جهات حكومية فاعلة وخصوم كلاسيكيين.

اقرأ أيضاً: الحرب البريطانية الرابعة في أفغانستان تكرار لأول انسحاب مشين

يطرح إيكرمان تساؤلاً آخر عن مدة جدية وخطورة التهديد القادم من هذه الحكومات. فعندما يتعلق الأمر بالمنصات العسكرية التقليدية مثل حاملات الطائرات والدبابات والطائرات المقاتلات، فلا شك أن الولايات المتحدة تتمتع بتفوق واضح على خصومها. ولكن ربما لا تكون هذه المنصات هي من القول الفصل، فصواريخ كروز الأرضية بعيدة المدى قد تجعل من حاملات الطائرات سلاحاً عفا علي الزمن، وتطور القرصنة الإلكترونية قد يجعل من المقاتلات التي تعتمد على التكنلوجيا الرقمية بشكل كبير أهدافاً سهلة أثناء طيرانها. أخيراً بدأت أعظم العقول في الجيش الأمريكي تنتبه إلى هذه المسألة مع قيام سلاح مشاة البحرية على سبيل المثال بتركيز جل اهتمامه الاستراتيجي على صراع محتمل الصين. ولكن ربما جاء ذلك متأخراً جداً.

أدت عشرون عاماً من الحرب المستمرة إلى إصابة الولايات المتحدة بإجهاد الحرب، وأخذ المزاج الوطني بالتوتر بشكل تدريجي وواضح للخصوم، مما أدى إلى الحد من الخيارات الاستراتيجية للولايات المتحدة ودفع الرؤساء إلى تبني سياسات التقاعس وإلى تآكل المصداقية الأمريكية. وقد ظهرت هذه الديناميكية بوضوح في سوريا في أعقاب استخدام غاز السارين في الغوطة في أغسطس 2013 الذي اعتبر تجاوزاً للخط الأحمر الذي أعلنه أوباما، حيث وجد الرئيس الأمريكي في الكونغرس إرهاقاً يعكس إرهاق الناخبين، وألغى الهجوم الذي كان يسعى للحصول على تأييد الكونغرس له قبل تنفيذه.

أدت عشرون عاماً من الحروب المستمرة إلى إصابة الولايات المتحدة بإجهاد الحرب- (صورة تعبيرية)

ربما يبدو هذا الإرهاق وكأنه تكلفة “ناعمة” للحرب على الإرهاب، ولكنه عبء استراتيجي كبير. فالدولة التي تعاني من إرهاق الحروب الطويلة لن تكون قادرة على تشكل تهديد رادع لخصومها. وقد تجلى ذلك في عجز الولايات المتحدة إبان حربها في فيتنام عن ردع التدخل السوفيتي في تشيكوسلوفاكيا وأفغانستان. وهي الآن في وضع مشابه، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالصين. ولا عجب في أن الصين شعرت بقدرتها على التعدي على الحكم الذاتي في هونغ كونغ، وعلى ارتكاب انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان ضد أقلية الإيغور. فعندما تنحسر قوة الولايات المتحدة تأتي دول أخرى لتملأ الفراغ.

اقرأ أيضاً: تغيير النظام في أفغانستان.. هل يعني تراجع الإرهاب في باكستان؟

وفي الجزء الأخير من مقاله، يعود إيكرمان لاستعراض تداعيات الحرب، من خلال تجربته الشخصية، وتأثير هذه الحرب عليه، ويوضح أن الحرب قد غيرت من نظرة الولايات المتحدة إلى نفسها، ومن نظرة العالم إليها. ويقول:

كثيراً ما يسألني الناس كيف غيرتني الحرب. لم أتمكن من الإجابة عن هذا السؤال أبداً. فالحرب لم تغيرني، بل صنعتني. إنها متجذرة في داخلي لدرجة أنني أعجز عن التمييز بين الأشياء الموجودة في نفسي بسبب الحرب، وتلك الموجودة فيها أصلاً. فعندما يعيش المرء مع الحرب لفترة طويلة، فهو يعلم أنها أثرت فيه، وغيرته بطريقةٍ حميمة. اليوم أجد صعوبة في تذكر ما كانت عليه البلاد قبل الحرب، نسيت كيف كان يمكن أن تصل إلى المطار قبل عشرين دقيقة فقط من موعد رحلتك، وكيف كان شعورك عندما تسير في محطة قطار دون أن ترى عناصر الشرطة المدججين بالسلاح، أو كيف كان الاعتقاد بأن النسخة الأمريكية من الديمقراطية سوف تسود إلى الأبد، وأن العالم قد وصل إلى “نهاية التاريخ”.

ملصق فيلم عصبة الإخوة- أرشيف

عندما كنت طالباً جامعياً شدني مسلسل “عصبة الإخوة”، وأبهرني مشهد المظليين ببدلاتهم البنية الداكنة يهبطون من السماء لتحرير أوروبا. واعتقدتُ أن مستقبلي كله سيكون جزءاً من مجموعة الإخوة. ونظراً لاختلاف نظرة الولايات المتحدة للحرب – والمحاربين- كثيراً ما كنت أفكر في “عصبة الإخوة”. فهي مقياس جيد لما كانت عليه البلاد قبل 11 سبتمبر، وعن التغيرات النفسية التي أصابتها. فالولايات المتحدة قد تغيرت، فهي اليوم متشككة تجاه دورها في العالم، وأكثر حرصاً على مراقبة تكاليف حروبها، وأقل شهية لتصدير قيمها إلى الخارج، وتصارع من أجل التمسك بها في الداخل. وبالنظر إلى الأحداث التي رافقت انتخابات 2020 والاضطرابات المدنية في صيف ذلك العام، وإلى فضائح سجن أبو غريب، وتسريبات سنودن، فإن الولايات المتحدة التي تتمتع فيها “فرقة الأخوة” بجاذبية عالمية قد أصبحت ذكرى بعيدة في أذهاننا. فعندما خرجت الولايات المتحدة إلى حربها الملحمية في الشرق الأوسط التي مضى عليها عشرون عاماً، كانت القصص التي أراد الناس سماعها -أو التي اعتقد أرباب هوليوود أنهم يريدون سماعها- كانت قصص الأمريكيين الأخيار الذين يحررون العالم من الطغيان والقمع.

اقرأ أيضاً: القاعدة في الذكرى التاسعة عشرة لهجمات 11 سبتمبر: جردة حساب

بعد وقتٍ قصير من إعلان الرئيس جو بايدن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، التقيت بزميلٍ سابق في وكالة المخابرات المركزية كان من ضمن الفريق الذي نفَّذ عملية وادي كورينغال، ولكنه لا يزال على رأس عمله في الوكالة يتابع الحرب على الإرهاب في جميع أنحاء العالم، ويدير عملياتٍ شبه عسكرية في الوكالة. تحدثنا عن الفرق بين الانسحاب من العراق، والانسحاب من أفغانستان، واتفقنا على أن الثاني كان أكثر صعوبة لأن الحرب فيها قامت رداً على هجوم تم ضد الولايات المتحدة، وهذا أمر حدث مرة واحدة من قبل في التاريخ الأمريكي، وقاد في حينه إلى انتصار حاسم [يشير الكاتب هنا إلى هجوم بيرل هاربر الذي سبق انتصار الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية- المترجم] ولكن على عكس جيل أجدادنا، فإن محاربي جيلنا لن يذوقوا طعم هذا الانتصار، بل سيذكرنا التاريخ على أننا من الجيل الذي خسر أطول حروب الولايات المتحدة.

وعندما قلت له إنه على الرغم من أننا خسرنا الحرب في أفغانستان، فلا يزال بإمكان جيلنا القول بأنه ربح الحرب على الإرهاب، لم يوافقني الرأي. تجادلنا قليلاً دون فائدة. وفي اليوم التالي، تلقيتُ رسالة إلكترونية منه. أرسل لي رواية «الصخب والعنف» التي جاء فيها: “لم يتم الانتصار في أي حربٍ حتى الآن، فساحة المعركة تكشف للإنسان مدى حماقته ويأسه فقط، والانتصار هو وهم الفلاسفة والحمقى”.

♦ضابط سابق في مشاة البحرية الأمريكية، ووكالة المخابرات المركزية، شارك جايمس ستافريديس في تأليف كتاب «2034: رواية من الحرب العالمية الثالثة».

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة