اسرائيلياتالواجهة الرئيسيةمقالات

الانتخابات الإسرائيلية الجديدة قد تسهم في عودة الحوار العربي- الإسرائيلي

كيوبوست – خاص 

  • د.نمرود جورن

لم تأتِ نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة بأغلبية ساحقة لأي من الأطراف المتنافسة، إلا أن هذا الأمر لا ينفي كون هذه الانتخابات قد أُجريت في أجواء دراماتيكية؛ فالبنظر إلى الكنيست سنجد أن أغلب أعضائه، بداية بالليبراليين اليمينيين ووصولًا إلى قائمة الأعضاء العرب، تشاركوا في هَم واحد؛ وهو الإطاحة بنتنياهو من سُدَّة الحكم، وهكذا تم التنسيق في ما بينهم لتنفيذ هذا الغرض شيئًا فشيئًا، وهو التعاون الذي وصل إلى ذروته في الآونة الأخيرة، ونتج عنه تنظيم ثلاث حملات انتخابية في إسرائيل خلال العام الماضي.

اقرأ أيضًا: نتنياهو وغانتس.. المواجهة الثالثة في عام

وكان أفيغدور ليبرمان قد تخلَّى عن دعمه السابق لنتنياهو فجأةً. وعلى الرغم من أن ليبرمان حليف أيديولوجي وسياسي لرئيس الوزراء؛ فإنه سعى لمنع الأخير من تشكيل الحكومة عقب الانتخابات التي أُجريت في أبريل 2019، وصمَّم على تشكيل حكومة موحدة تجمع بين حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو، وتحالف “أزرق أبيض” بقيادة بنيامين غانتس، وذلك عقب الانتخابات التي أُجريت في سبتمبر 2019، وهو يرغب الآن في أن يجعل غانتس الشخص المكلف بتشكيل الحكومة من قِبَل الرئيس الإسرائيلي.

على الجانب الآخر، تمكنت قائمة النواب العرب في الكنيست من أن تصبح منافسًا شرعيًّا للأحزاب اليهودية أكثر من أي وقتٍ مضى؛ حيث حصدت 15 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا في الكنيست، ولا يبدو في الأفق حتى الآن ما إذا كانت تلك النسبة ستسمح لغانتس بتشكيل حكومة أقلية بناءً على الدعم الخارجي الذي سيتلقاه من النواب العرب.

ويبدو نتنياهو إزاء كل تلك الأحداث كمَن يفيق من ضربة ليتلقَّى أخرى، وهكذا يجد نفسه تحت وطأة التهديد بخسارته منصبه الذي حافظ عليه لأحد عشر عامًا، والتوقيت نفسه لا يبدو مناسبًا؛ فالمحاكمة المنتظرة في القضية المتهم فيها بالفساد أوشكت أن تبدأ، وهو ما يدفع نتنياهو إلى اللعب بالأوراق التي بين يدَيه، بداية بالخطابات البليغة وانتهاءً بالمناورات السياسية، وهو في خضم ذلك لا يتأخر عن إثارة الشكوك حول شرعية العملية الانتخابية، فضلًا عن التشكيك في موثوقية مؤسسات الدولة، وهي التي لن تمر من دون أن تثير القلاقل والبلبلة في الرأي العام الإسرائيلي، إضافة إلى زيادة حدة الاستقطاب المجتمعي وتداعيات التحريض ضد غانتس وداعميه السياسيين.

امرأة فلسطينية تتجادل مع أحد أفراد قوات الأمن الإسرائيلي في أثناء قيامه بتفريق مظاهرة عند بوابة دمشق- القدس 2018

وربما يقترب نتنياهو إلى حد كبير من نقطة النهاية، وعما قريب ستتغير القيادة الإسرائيلية، ومن الممكن أن يكون خيار إجراء انتخابات رابعة خيارًا واقعيًّا؛ لكن السؤال القائم حول مَن سيتولى زمام الأمور من بعده هو الأهم، من الممكن أن يكون غانتس؛ فهذا الرجل بالذات ستكون لديه القدرة على تغيير المشهد السياسي في إسرائيل بشكل دراماتيكي، مع الأخذ في الاعتبار احترام الظرف القائم وقيامه بتشكيل حكومة موحدة نوعًا ما.

اقرأ أيضًا: عرب 48 يرفضون الانضمام إلى دولة فلسطين.. ويفضلون البقاء في إسرائيل

إن شخصية غانتس وطريقته في إدارة الأمور تختلف بشكل عميق عن نتنياهو؛ فهو قبل كل شيء يبدو حريصًا على لمّ شمل المجتمع الإسرائيلي والحفاظ عليه من خطر الانقسامات وتبعات التحريض، كما أن خطاباته تعكس شخصًا إيجابيًّا يحاول أن يدعو إلى الأمل والمستقبل أكثر مما يلجأ إلى الحديث عن الخوف والرعب، كما لم يفته أن يعِد الجماهير بتوفير آليات تضمن حكمًا رشيدًا وديمقراطية تعمل بكفاءة، وبالنسبة إلى هذه الأخيرة بالذات، لا يفوت على أحد كم تسببت السنوات الأخيرة في إفسادها.

اقرأ أيضًا: لماذا يعيش الفلسطينيون “المرحلة الأخطر” في تاريخ القضية؟

على الجانب الآخر، يبدو غانتس مستعدًّا لتغيير كثير من أجندة السياسات الخارجية الإسرائيلية؛ وهو الأمر الذي سيطول العلاقات الإسرائيلية ببلدان الشرق الأوسط بطبيعة الحال. وعلى الرغم من أن غانتس يبدي موافقة مبدئية على دعم خطة ترامب؛ فإنه يعارض استراتيجية الحل من جانب واحد، ويؤمن بضرورة التنسيق مع المجتمع الدولي واللاعبين الإقليميين أولًا.

ولا يعني ذلك أن غانتس يضع العودة الفورية لتنفيذ عملية السلام على رأس أولوياته؛ لكنه يبدي استعدادًا واضحًا ومسؤولًا حيال القضية الفلسطينية، وهو كذلك لا يتأخر عن فتح قنوات الاتصال والتعاون مع كل الأطراف؛ من بينها السلطة الفلسطينية والأوروبيين والحزب الديمقراطي الأمريكي، على اعتبار أن لهؤلاء جميعًا دورًا شديد الأهمية في تحديد السياسات الإسرائيلية الحالية.

مواطن عربي/ إسرائيلي يدلي بصوته في لجنة انتخابية في القدس- 2019

وعلى خلفية العلاقات الإسرائيلية- العربية، كان نتنياهو قد حاول أن يثبت بأكثر من طريقة أمرًا ما؛ وهو أن بمقدوره تعزيز عملية التطبيع مع العرب حتى مع تجاهل القضية الفلسطينية، لكن محاولاته وصلت إلى طريق مسدود. وخلال العام الماضي وحده كان قد حاول الحصول على موافقة أيٍّ من الزعماء العرب على إجراء لقاء مفتوح بالجانب الإسرائيلي، ولقاءٌ من هذا القبيل كان سيعضد موقفه في الانتخابات، إلا أنه لم ينجح في تحقيق هذا الهدف قط.

اقرأ أيضًا: صفقة القرن.. صيغة ترامب للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين

بينما يبدو غانتس مستعدًّا لتعزيز العلاقات الإسرائيلية- العربية، والعمل على تعظيم كل الفرص المتاحة لذلك؛ بما فيها تعزيز العلاقات مع بلدان الخليج، إلا أنه لا يتخذ المسلك نفسه الذي يتبعه نتنياهو. فعلى عكس رئيس الوزراء الحالي، لا يطمح غانتس إلى أن يجعل من العلاقات العربية- الإسرائيلية طريقًا للتخلص مع عبء القضية الفلسطينية؛ لكنه يرى أن تعضيد الصلات مع العرب سيكون فرصة مناسبة لتعزيز عملية السلام مع الفلسطينيين، وبالنظر إلى المستجدات الجديدة في المنطقة، والتي تختلف بشكل كبير عن الأوضاع التي تزامنت مع بداية الصراع العربي- الإسرائيلي، ربما سيكون بإمكان غانتس إحراز بعض النجاحات في هذا الصدد.

عناصر جيش الدفاع يراقبون المتظاهرين الفلسطينيين خلال اشتباكات في الضفة الغربية- نوفمبر 2019

أعتقد أن العالم العربي عليه أن يرى في تغيير القيادة الإسرائيلية فرصةً ينبغي اقتناصها، وأن يتم النظر إلى أن رئيسَ وزراء جديدًا وحكومة جديدة قد يعنيان التوصل إلى تحسين العلاقات العربية- الإسرائيلية. وعلى العالم العربي أن يطمح إلى رئيس وزراء يتخذ خطوات إيجابية؛ بغية الوصول إلى تعاون قائم ومتصل مع البلدان العربية، ومن الممكن أن يعبِّر العرب عن رغبتهم تلك بشكل علني أو حتى من خلال توفير قنوات اتصال جديدة من شأنها تعزيز الحوار بين اللاعبين السياسيين الجدد في إسرائيل وبين نظرائهم في المنطقة.

اقرأ أيضًا: بعيدًا عن التعصب.. عهد جديد في الشرق الأوسط يشهد تحالفًا عربيًّا- إسرائيليًّا

ولا شك أن توجيه رسائل إيجابية كتلك من العالم العربي سيساعد على دخول القيادة الإسرائيلية في منعطفٍ جديد. والإسرائيليون أنفسهم يتطلعون إلى أمرٍ من هذا القبيل، ويحبون أن يروا في تحقيق هذا التعاون المنشود أمرًا قابلًا للحدوث، ومرغوبًا فيه فضلًا عن ذلك، وهو أمرٌ ضروري قبل كل شيء لضمان كفاءة السياسات الخارجية الإسرائيلية والأمن القومي الإسرائيلي. إن عملية الانتقال السياسي في إسرائيل لن تمر بسهولة؛ فقد تتسبب في حالة من انعدام الاستقرار الداخلي لأشهر عديدة، لكن الأشياء في طريقها الآن إلى التغيُّر، ومن الممكن أن نبدأ عصرًا جديدًا. وفي حال تحقق ذلك، يمكن لفرص جديدة أن تتولد في ما يخص العلاقات العربية- الإسرائيلية، وهو الأمر الذي يطمح كل داعمي السلام في إسرائيل إلى تحقيقه، وهم يرغبون في التحدث مع جيرانهم العرب حول إمكانية تحقيقه، فدعونا نبدأ هذا الحوار الآن قبل أي وقتٍ آخر.

  • مؤسس ومدير المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية (ميتفيم)

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة