الواجهة الرئيسيةشؤون عربيةمجتمع

الانتحار.. ظاهرة تنتشر في الجزائر وتهدد المجتمع بالتفكك

تشير الدراسات إلى أن أكثر المنتحرين من الرجال.. وأن 75% منهم سبق لهم التصريح بالرغبة في الانتحار

الجزائر – علي ياحي

باتت أخبار “الانتحار” تسيطر على المشهد الإعلامي بشكلٍ رهيب في الجزائر، مع ازدياد عدد الحالات والمحاولات. وفي حين يرجع البعض الأسباب إلى “تهلهل” الأوضاع الاجتماعية، يحذر آخرون من اتجاه المجتمع نحو التفكك بسبب هذه الظاهرة.

ولا يمر أسبوع دون تسجيل حالات انتحار، وإحباط محاولات أخرى في مناطق مختلفة من البلاد؛ بما في ذلك المحافظات الداخلية، بينما تعجز الجهات المسؤولة عن تحديد الأسباب لمواجهة هذه الظاهرة التي تمس الجميع، مهما كانت السن والجنس والأصول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

اقرأ أيضاً: “الأقليات الدينية” في الجزائر.. بين ممارسة الشعائر وتهديد النسيج

الرجال هم الأكثر

تشير دراسة قدمها المستشفى الجامعي “مصطفى باشا” بالجزائر العاصمة، إلى أن حالات الانتحار تنتشر بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و44 عاماً، كما أن أكثر المنتحرين من الرجال مقارنة مع النساء، إضافة إلى أن 75 في المئة من المنتحرين سبق لهم التصريح بالرغبة في الانتحار، عكس الرأي الذي يقول إن المنتحر لا يصرح بالأمر مسبقاً. وأوضحت الدراسة أن “الشخص المنتحر ليس بالضرورة أن تبدو عليه علامات الضياع”؛ لكن يمكن للانتحار التأثير على أفراد أُسر المعنيين على مدى عدة أجيال.

مستشفى مصطفى باشا الجامعي بالجزائر العاصمة

وأبرزت الدراسة أن الطرق الشائعة في الانتحار هي استهلاك كميات كبيرة من الأدوية، وتناول المواد السامة، إلى جانب استعمال الأسلحة، والقفز من الجسور أو الطوابق العليا للعمارات، والشنق. وعددت الدراسة أهم أسباب انتشار الظاهرة، قائلةَ: “إنها تتمحور حول الاضطرابات العقلية والسوابق الشخصية والعائلية، بالإضافة إلى خسارة الوالدين المبكرة أو أحدهما، فضلاً عن العزلة الاجتماعية، والطلاق، والبطالة، وكذلك عوامل مالية”.

وعرف الأسبوع الماضي حالات انتحار وإحباط محاولات يائسة؛ حيث عرفت بلدية وهران بغرب الجزائر حرق بائع أحذية نفسه بعد إقدام السلطات المحلية على منع بعض الباعة غير الشرعيين من ممارسة عملهم. كما اهتز الشارع المحلي بمحافظة الوادي جنوب البلاد على وقع حادثة انتحار، راح ضحيتها طفل يبلغ من العمر 15 سنة، وضع حداً لحياته بالانتحار شنقاً داخل حمام البيت العائلي؛ بسبب تلف هاتفه الجوال.

اقرأ أيضاً: الجزائر.. لماذا تصاعد صراع الهوية منذ انهيار حكم بوتفليقة؟

وتدخلت وحدة الحماية المدنية بمدينة سيدي عكاشة بمحافظة الشلف غرب الجزائر؛ من أجل إحباط محاولة إلقاء شاب، يبلغ من 33 سنة، نفسه من فوق سطح بناية؛ حيث تم إقناع الشاب بالتراجع عن الفكرة. كما حاولت أم لطفلَين “مطلقة” من محافظة بشار بالجنوب، الانتحار بعدما ضاقت بها جميع السبل في إيجاد حل لمشكلاتها مع السكن وتوفير حاجيات أبنائها.

مئات الحالات سنوياً

كشفت الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، في آخر تقرير لها، عن تنامي حالات الانتحار في البلاد بعد ارتفاعها إلى أكثر من 1100 حالة مؤكَّدة سنوياً، مع تسجيل 9 آلاف محاولة انتحار فاشلة، داعية إلى ضرورة التحرك بسرعة لمواجهة “الاختلالات التي تعيشها بنية المجتمع الجزائري والذي يعاني مرحلة تفكك”.

وأشار التقرير إلى أن الظاهرة انتشرت بين الشباب بشكل لافت؛ بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وفشل العلاقات العاطفية، إضافة إلى البطالة ومشكلات الظلم والتهميش وشعور الفرد بانعدام دوره في المجتمع، وكذا تعاطي المخدرات، لافتاً إلى أن “53 في المئة من المنتحرين عاطلون عن العمل، و30 في المئة منهم يزاولون أعمالاً حرّة أو هشة، بينما 11 في المئة هم موظفون”.

أستاذ علم النفس بجامعة الجزائر عبدالكريم عمراوي

ويعتبر أستاذ علم النفس بجامعة الجزائر عبدالكريم عمراوي، في حديث إلى “كيوبوست”، أن ظاهرة الانتحار لم تعد وسيلة للتعبير عن فقدان الأمل بسبب أزمات عاطفية أو مشكلات عائلية أو إخفاق في الدراسة، بقدر ما أصبحت أداة لرفض الواقع الاجتماعي بكل أبعاده الاقتصادية والسياسية.. وغيرها، مضيفاً أن السلوك الانتحاري أصبح ظاهرة عالمية تنتشر في كثير من المجتمعات بشكل واسع وسريع، موضحاً أن “انتشار الظاهرة في السنوات الأخيرة يعد مؤشراً على تفكك المجتمع، ويمثل فشلاً فردياً وجماعياً في التكيف مع المعايير والضوابط الاجتماعية، وانفصال الفرد عن جماعته، وعدم تقبله النظام الاجتماعي”.

اقرأ أيضاً: مطاعم الرحمة تغيب عن الجزائر في رمضان.. والمتطوعون يبتكرون البدائل

وبقدر ما يبدي الجزائريون قلقهم إزاء انتشار ظاهرة الانتحار التي تعكس حالة اليأس، لا يقومون في المقابل بأي مجهودات للحد من الظاهرة؛ الأمر الذي دفع وزارة الصحة الجزائرية إلى تنشيط “خلايا الإصغاء والوقاية وصحة الشباب”، بهدف النظر في كيفية التكفل بالشباب صحياً وجسدياً وعقلياً؛ خصوصاً فئة المراهقين الذين يتعرَّضون إلى عديد من الأخطار التي تستدعي مرافقة دورية. وقد بلغ عددها أكثر من 81 خلية موزعة على مختلف المحافظات يشرف عليها 857 متخصصاً. وعلى الرغم من أن كل المعطيات تشير إلى مجهودات جبارة في سياق معالجة جدية للظاهرة؛ فإن الإحصائيات والواقع يكشفان عن معاناة المجتمع الجزائري خطورة التفكك الناجم عنها والأزمات التي قد تتسبب فيها داخل محيط العائلات والأُسر الجزائرية.

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة