الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

الاقتصاد اللبناني في مفترق الطرق

هل يستفيد لبنان من الزخم الدولي والإقليمي الداعم لإجراء إصلاحات اقتصادية هيكلية أم يغرق في مزيد من الأزمات الاقتصادية والسياسية؟

كيوبوست

عانى الشعب اللبناني كثيرًا المحاصصة السياسية الطائفية؛ إذ يرتكز النظام الانتخابي في لبنان على المحاصصة بين طوائفه المتعددة، حيث يضم 18 مذهبًا معترفًا بها منذ عام 2012؛ تنقسم إلى 12 مجموعة مسيحية و5 إسلامية وأقلية يهودية لم تعد موجودة. وتتوزع الرئاسات الثلاث الأولى في لبنان على قاعدة مذهبية: رئاسة الجمهورية للموارنة، ورئاسة المجلس النيابي للشيعة، ورئاسة مجلس الوزراء للسُّنة. كما أن وظائف الفئة الأولى موزعة كذلك طائفيًّا، ويتسبب ذلك في ارتباك الأمور السياسية وعدم الاستقرار الحكومي، وبخاصة تأزُّم تشكيل الحكومة، الأمر الذي ينعكس على الحياة اليومية للمواطنين، وأكثر ما يتأثر بذلك هو الاقتصاد. فبعد أول انتخابات تشريعية -منذ نحو عشر سنوات- شهدتها لبنان في مايو 2018، في وقت يشهد فيه أزمات سياسية وتراجعًا اقتصاديًّا وتجاذبات إقليمية متزايدة، مضت 9 أشهر من الجدل والخلاف السياسي حتى تشكَّلت حكومة لبنانية جديدة في 31 يناير 2019، برئاسة سعد الحريري، وكان في انتظار هذه الحكومة قائمة طويلة من المشكلات والتحديات؛ على رأسها الوضع الاقتصادي. وتعمل هذه الحكومة حاليًّا جاهدةً لإصلاح الأوضاع الاقتصادية اللبنانية المتردية وسط زخم دولي وعربي يرغب في مساعدة لبنان لتجاوز أزمته الاقتصادية.

اقرأ أيضًا: في أزمة لبنان الاقتصادية.. فتش عن حزب الله

 تأثير سلبي

كان لتأخُّر تشكيل الحكومة اللبنانية تأثير سلبي كبير على الأداء الاقتصادي؛ فغياب سلطة القرار التي من شأنها إطلاق مشروعات التنمية واتخاذ الإجراءات التصحيحية، وتفعيل الاتفاقات الدولية، ووضع الخطط والبرامج، ورسم السياسات المالية والنقدية والتجارية للدولة ككل، انعكس بشكل سلبي ظهر جليًّا في انخفاض معدل نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي في عام 2018 الذي سجل 0.2% فقط؛ ما يعكس تباطؤ النشاط الاقتصادي المرتبط بتضييق السيولة على أساس السياسة النقدية التي اتبعها البنك المركزي اللبناني، والتي انضوت على وقف الإقراض المدعوم من قِبَل البنك المركزي، بنك لبنان، والذي كان يتم توجيهه عبر البنوك التجارية إلى القطاع العقاري في غالبه، وهو ما وفَّر مصدرًا محفزًا لدفع النمو منذ عام 2012.

علاوة على ذلك، تُظهر البيانات الصادرة عن البنك الدولي انخفاض معدل النمو الاقتصادي اللبناني على مدى الفترة بين عامي 2011 و2018، والتي اتسم فيها بالضعف؛ إذ تراوح معدل النمو بين 2.8% في أحسن حالاته و0.2% في أسوأ حالاته، وبمتوسط نحو 1.5% على مدى الفترة، ومن المتوقع أن يحقق نموًّا بمعدل 1.3% فقط خلال العام الجاري. بالإضافة إلى العجز المزدوج المتمثل في عجز الموازنة وعجز الحساب الجاري اللذين أديا إلى تفاقم الدين العام حتى بلغ نحو 85 مليار دولار بنهاية 2018، وهي مستويات خطيرة وغير مستدامة؛ إذ إن نسب الدين العام اللبناني إلى إجمالي الناتج المحلي تبلغ نحو 153%، وبذلك يمثل لبنان ثالث أعلى دين عام عالميًّا بعد اليابان واليونان. وتبلغ الفائدة على الدولار في لبنان نحو 10.5%، وترافق ذلك مع خفض التصنيف الائتماني للبنان من قِبَل وكالة “موديز”؛ ما رفع تكلفة التأمين على الدين السيادي اللبناني ضد مخاطر العجز عن السداد، الأمر الذي يرفع تكلفة الاقتراض وخدمة الدين العام ويُفاقم عجز الموازنة.

اقرأ أيضًا: السعودية والإمارات تُعيدان بناء لبنان.. وإيران تهدمه

صدمات سياسية

سيطر النمو المتقلب وغير المتوازن بدرجة كبيرة على الاقتصاد اللبناني، ويعود ذلك إلى الصدمات السياسية والأمنية المتكررة والمشكلات الهيكلية للاقتصاد اللبناني أيضًا المتمثلة في كبر قطاع الخدمات كنسبة من الاقتصاد اللبناني؛ إذ يمثل أكثر من 72% من حجم الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وهو قطاع يتسم بانخفاض الإنتاجية وانخفاض القدرة على توظيف العمالة ذات المهارات العالية، في حين لا يجاوز حجم قطاع الصناعة 14%، وقطاع الزراعة 4% فقط. هذا بالإضافة إلى الحرب السورية وتدفُّق اللاجئين الذي كان له أثر كبير في رفع معدلات البطالة بين اللبنانيين؛ إذ بلغ معدل البطالة في لبنان بنهاية عام 2018 نحو 25%، ترتفع في صفوف الشباب إلى نحو 40%؛ بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي وانخفاض تدفُّق السياح، وكذلك المنافسة من قِبَل العمالة السورية. ولا يمكن بحال من الأحوال تجاهل العبء الواقع على الاقتصاد اللبناني جراء العقوبات الاقتصادية التي أقرَّها مجلس النواب الأمريكي على “حزب الله” اللبناني، وعملياته المصرفية، وتأثيرها على النظام المصرفي اللبناني ككل.

اقرأ أيضًا: اللاجئون السوريون في لبنان أمام خيارٍ واحد.. الرحيل

 إصلاحات هيكلية

أعلن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، في البيان الوزاري للحكومة الجديدة، والذي صوت البرلمان له بالثقة، التزامًا بإصلاحات هيكلية كبيرة في الاقتصاد اللبناني وتقديم مشروعات قوانين تُسَهِّل بيئة العمل الاقتصادي في لبنان وتعزز دور القطاعات الإنتاجية (الصناعية والزراعية والسياحية)، وتعمل على التنظيم والتطوير والتخطيط للإصلاحات والمشروعات البنيوية والاقتصادية والإنمائية، مع إيلاء أهمية خاصة لقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ لتحفيز الاقتصاد والدخول إلى اقتصاد المعرفة. ووعد بمعالجة المشكلات المزمنة التي يعانيها لبنان؛ بدءًا من الكهرباء ووصولًا إلى المياه ومرورًا بأزمات السير، ومعالجة الملفات البيئية؛ وأبرزها مشكلتا النفايات وتلوث مياه نهر الليطاني. وأكد الحريري ضرورة أن تعمل الحكومة على إجراء إصلاحات داخلية، مالية واقتصادية تجنِّب البلاد خطر حدوث مشكلة مالية أو انهيار. وقد انتهت الحكومة من إعداد ومناقشة مشروع الموازنة العامة الجديدة لعام 2019، وتهدف من خلاله إلى خفض العجز إلى نحو 7.5%، وستتم إحالة مشروع الموازنة إلى مجلس النواب لإقراره؛ ومن ثَمَّ يمكن الاستفادة من الدعم المالي للاستفادة من الفرصة الفريدة التي يوفرها مؤتمر “سيدر” الذي كان الهدف منه دعم المجتمع الدولي تطوير وتعزيز الاقتصاد اللبناني كجزء من خطة شاملة للإصلاح واستثمارات في البنية التحتية التي أعدت مشروعها السلطات اللبنانية وقدمته خلال المؤتمر، وتعهدت الأسرة الدولية بتقديم 12 مليار دولار إلى لبنان في صورة قروض وهبات؛ لتعزيز اقتصاده واستقراره المهدَّدَين؛ للإنفاق على تطوير البنى التحتية التي يمكن أن تساعد في تحقيق دفعة مستدامة للاقتصاد وجذب تدفقات رأس المال اللازمة وتوليد فرص العمل.

يبقى نجاح خطة الحكومة اللبنانية وإمكانية استفادتها من الدعمَين الدولي والعربي والزخم الحالي مرهونًا بقدرة لبنان على الإيفاء بمتطلبات ضبط الموازنة العامة وتخفيض العجز، وخفض نسبة الدين العام وخدمته ومعالجة أوجه الضعف والخلل والإهدار بالقطاع العام، وكلها أمور مرهونة بتمرير مشروع الموازنة والقدرة على تنفيذه، ومدى صبر اللبنانيين على الإجراءات الصعبة التي ستتخذها الحكومة، ومدى إجماع الفرقاء السياسيين على كلمة سواء لمصلحة لبنان.. وإلا فسوف تضيع الفرصة ويغرق لبنان في مزيد من الأزمات الاقتصادية والسياسية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة