الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الاقتصاد العالمي لم يعد بحاجة إلى روسيا

كيوبوست- ترجمات

جيفري سوننفيلد♦ و ستيفن تايان•

منذ غزوه لأوكرانيا في فبراير الماضي، شعر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالنشوة جراء أخذه الاقتصاد العالمي رهينة لنزواته. فمنذ الصيف الماضي، أوقف إمدادات الغاز الروسية إلى أوروبا، على أمل أن ينقلب الأوروبيون الذين يرتجفون برداً على قادتهم لثنيهم عن دعم أوكرانيا.

كان ذلك تهديداً قوياً، حيث لعبت السلع الروسية دوراً حاسماً في سلاسل التوريد العالمية، وكانت أوروبا تعتمد على روسيا بنسبة 46% من حاجتها من الغاز مع مستوياتٍ مماثلة من الاعتماد على المنتجات الروسية، بما في ذلك المعادن والأسمدة.

والآن، ومع اقتراب مرور عام على بداية الغزو، أصبح من الواضح أن روسيا فقدت، وبشكلٍ دائم، قوتها الاقتصادية السابقة في الأسواق العالمية. فبفضل الشتاء الدافئ بشكلٍ غير معتاد في أوروبا تبخرت تهديدات بوتين، وأصبحت روسيا هي الضحية الأكبر لمناورة بوتين بشأن الغاز، حيث فقد نفوذه على الأسواق، ولم يعد العالم -وأوروبا على وجه الخصوص- بحاجة إلى الغاز الروسي.

اقرأ أيضاً: حرب النفط الغربية مع روسيا تتحول إلى واقع

تمكنت أوروبا بسرعة من تأمين إمداداتٍ بديلة للغاز الروسي من خلال التحول إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، وزيادة الإمدادات من المصادر المتجددة والنووية والفحم، الأمر الذي قلص اعتماد أوروبا على الغاز الروسي إلى 9% من إجمالي وارداتها من الغاز.

كما أن الشتاء الدافئ يعني أن خزانات الغاز الممتلئة في أوروبا يمكن استخدامها في الشتاء القادم، مما يعني أن أوروبا ستحتاج إلى شراء كميات أقل من الغاز في عام 2023. كما يعني أيضاً أن أوروبا تتمتع بمخزون كافٍ من الطاقة حتى عام 2024، مما يوفر لها وقتاً كافياً للحصول على إمدادات الطاقة البديلة الأقل تكلفة، ولرفع لطاقة التصديرية للغاز الطبيعي المسال بمقدار 200 مليار متر مكعب إضافية، وهو ما يكفي لاستبدال صادرات روسيا البالغة 200 مليار متر مكعب وإلى الأبد.

وبالإضافة إلى انخفاض الطلب الأوروبي المتوقع على الغاز، فإن الصين تتجه نحو مصادر الطاقة البديلة المحلية، ولا غرابة في أن سوق العقود الآجلة للغاز تتجه لتكون أرخص في السنوات القادمة، مما كانت عليه في فترة ما قبل الحرب في أوكرانيا.

تحتل روسيا المرتبة الثامنة في قائمة الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم- سويس جولد

ومن ناحيةٍ أخرى، فقد بوتين نفوذه في أسواق الغاز، واكتشف بالطريقة الصعب أنه من الأسهل على المستهلكين إيجاد مصدر بديل عن الموردين غير الموثوقين، بالمقارنة مع عثور الموردين على أسواق جديدة. واليوم هو لا يجني عملياً أية أرباح من بيع الغاز، حيث تمكن من استبدال مبيعاته السابقة البالغة 150 مليار متر مكعب عبر الأنابيب إلى أوروبا بما لا يزيد على 16 مليار متر مكعب إلى الصين، وهي بالكاد تكفي لتغطية نفقات الإنتاج.

وليس هنالك من أسواقٍ بديلة لتغطية النقص في الصادرات، حيث تفتقر الصين إلى قدرة خطوط الأنابيب اللازمة لاستيراد المزيد من الغاز الروسي، وذلك لمدة عشر سنوات على الأقل. كما أن القدرات التكنولوجية المحدودة لروسيا تجعل من المستحيل توسيع قدرتها على تصدير الغاز المسال بالسرعة الكافية.

اقرأ أيضاً: من الخاسر في الحرب الاقتصادية العالمية… أوكرانيا، روسيا، أم الاتحاد الأوروبي؟!

وبالمثل، فإن نفوذ بوتين في أسواق النفط تراجع أيضاً، وقد ولَّت الأيام التي أدى فيها الخوف من أن سحب الإمدادات الروسية سيؤدي إلى ارتفاعٍ كبير في أسعار النفط. وحتى عندما أعلن بوتين حظر النفط على الدول التي تقبل بتحديد سقف للأسعار اعتباراً من أول فبراير القادم، انخفضت أسعار النفط بالفعل. ويُعزى ذلك إلى حقيقة أن العالم لم يعد يعتمد على نفط بوتين، وأسعار النفط الآن أقل مما كانت عليه قبل الحرب، وفي النصف الثاني من عام 2022 كانت هنالك زيادة في العرض تقدر بأربعة ملايين برميل يومياً من منتجين مثل الولايات المتحدة وفنزويلا وكندا والبرازيل.

ومع توقع المزيد من الإمدادات الجديدة هذا العام سيتم تعويض أي نفط روسي مفقود بسهولة وسلاسة في غضون أسابيع قليلة. وفي هذه المرة لن يستطيع بوتين إجبار المملكة العربية السعودية على إنقاذه من خلال خفض حصص إنتاج أوبك+ بشكلٍ كبير، كما فعل في أكتوبر الماضي، وذلك لأن الولايات المتحدة تجمد عمليات نقل الأسلحة والتكنولوجيا إلى السعودية، في وسط التدقيق الدولي المتزايد في قدرة أوبك+ الفائضة غير المستخدمة.

كما أن نفوذ بوتين قد تبخر أيضاً لأن سقف السعر الذي حددته مجموعة دول السبع تركه أمام خيار خاسر، يقوض مركز روسيا في أسواق الطاقة. فالصين والهند وإن لم تمتثلا لتحديد سقف السعر بشكلٍ صريح، تعملان على الحصول على صفقات رابحة مع روسيا بخصوماتٍ تصل إلى 50%، ولذلك على الرغم من أن الهند باتت تشتري نفطاً روسياً بمقدار يزيد على 33 مرة عما كانت تشتريه العام الماضي، فإن روسيا لا تحقق الكثير من الأرباح نظراً لتكلفة الإنتاج المتقاربة مع سعر المبيع بالإضافة إلى كلفة النقل. وإذا ما نفذ بوتين تهديداته بخفض الإنتاج أكثر فإنه سيخسر كل الحصص المهمة في الأسواق وسط زيادة المعروض من النفط، وسيخسر جزءاً كبيراً من إيراداته التي هو بأمس الحاجة إليها.

اقرأ أيضاً: لويس بوينو لـ”كيوبوست”: آثار العقوبات على روسيا لن تظهر فوراً

وخسر بوتين أيضاً أوراق القوة المتعلقة بالسلع الأخرى، فقد انهارت مناوراته لتحويل الغذاء إلى سلاح عندما انقلب عليه حتى حلفاؤه. وفي أسواق المعادن التي هيمنت عليها روسيا تاريخياً، مثل النيكل والبالاديوم والتيتانيوم، قام المشترون بدافع خوفهم من الابتزاز الروسي إلى جانب ارتفاع الأسعار بتسريع عملية الاعتماد على المصادر المحلية، وبتشجيع الاستثمارات العامة والخاصة في سلاسل توريد المعادن المهمة، ومشروعات التعدين.

وخلال العامين المقبلين سيوفِّر الإنتاج المشترك للمناجم الجديدة أكثر من العرض الكافي للاستغناء عن المعادن الروسية في سلاسل التوريد العالمية بشكلٍ دائم.

روسيا تتصدر قائمة الدول المصدرة للقمح في العالم- ستاتيستيكا

لا شك أن مناورات بوتين الاقتصادية الفاشلة تُضاف إلى قائمة أخرى طويلة من الحسابات الخاطئة، من استخفافه بشعب أوكرانيا إلى استخفافه بوحدة الغرب وقوة إرادته. وبطبيعة الحال، لم تكن الحرب الاقتصادية وحرب الطاقة التي شنها بوتين دون عواقب على العالم، فقد أثرت تداعياتها على كثيرٍ من البشر، وغيرت سلاسل التوريد والتدفقات التجارية العالمية، وما زال المستهلكون يشعرون بالضيق بسبب ارتفاع الأسعار، لأن الانخفاض الحديث في أسعار الطاقة يستغرق بعض الوقت لينعكس على دورة الاقتصاد.

لكن ما يهم هو أن النهاية باتت تلوح في الأفق، وبوتين لن يكون قادراً مرة أخرى على إحداث مثل هذه الفوضى والاضطراب في الاقتصاد العالمي، لأنه أعطب بشكلٍ دائم القبضة الروسية الأقوى -طاقتها وسلعها- إلى درجةٍ يتعذر إصلاحها. قد تكون الحرب لا تزال دائرة في ساحة المعركة، ولكن على الجبهة الاقتصادية فإن النصر بات وشيكاً.

♦أستاذ الإدارة في جامعة ليستر كراون، وعميد أول لكلية ييل للإدارة.

•مدير الأبحاث في معهد ييل للإدارة التنفيذية.

المصدر: فوين بوليسي

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة