الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةشؤون دولية

الاضطرابات الخضراء

الجغرافيا السياسية الجديدة للطاقة

 كيوبوست – ترجمات

جايسن بوردوف

تبدو الجهود الحالية لتجاوز الحاجة للوقود الأحفوري غير كافية على الإطلاق، ولا تزال الدول المنتجة له تحظى بنفوذ واسع. يقدم جايسن بوردوف في مقال مطول نشره موقع فورين أفيرز مناقشة مهمة لهذا الموضوع، حيث يبحث في التغيرات الجيوسياسية الناتجة عن التوجه نحو الطاقة النظيفة.

يأمل أنصار الطاقة النظيفة في أنها بالإضافة إلى التخفيف من التغيّر المناخي، ستساعد على التغلّب على التوترات بشأن موارد الطاقة. لكن هذه الرؤية تبدو متفائلة، فهذا الانتقال سيغيّر الكثير من مكونات السياسة الدولية التي تشكّلت منذ الحرب العالمية الثانية، لكنه من غير المرجح أن يعزز التعاون بين الدول، بل سيؤدي إلى شكل جديد من المنافسة والمواجهة تنتهي بتشكيل نظام جيوسياسي جديد. فمن المستحيل تجنّب حدوث اضطرابات عالمية نتيجة إعادة تشكيل نظام الطاقة بأكمله، لأنّه شريان الحياة للاقتصاد العالمي، فالطاقة النظيفة ستمثّل مصدر قوّة دوليّة، وسبباً لمخاطر جديدة.

اقرأ أيضاً: 4 قضايا أساسية يجب مراقبتها في مفاوضات المناخ الجارية في غلاسكو

الهدف من هذه الحجج هو حث صانعي القرار السياسي إلى تقدير المخاطر التي ستنجم عن الانتقال إلى الطاقة النظيفة. فقد يتلاشى الوقود الأحفوري في نهاية المطاف، إلّا أن السياسة، والجغرافيا السياسية للطاقة لن تتلاشى.

حوّلت الحرب العالمية الأولى النّفط إلى سلعة استراتيجية، حيث أصبحت الطاقة مصدر القوة الدولية وفقدانها اعتبر نقطة ضعف استراتيجية. ولذلك ازدهرت الدول الغنية بالنفط، في حين أدّى الافتقار إلى النفط في بلدان أخرى إلى تغيير سياساتها الدولية لضمان استمرار حصولها على حاجتها منه.

أحد أول آبار النفط في شبه الجزيرة العربية …. ارشيف

الابتعاد عن النفط والغاز سيعيد تشكيل العالم، ولكن الحوار حول شكل الطاقة النظيفة غالباً ما يتجاهل بعض التفاصيل المهمة لسببٍ واحد، وهو أن تحقيق صافي انبعاثات صفري لن يعني نهاية الوقود الأحفوري. وقد نشرت وكالة الطاقة الدولية تقريراً في عام 2021 يبيّن أنه حتى إذا وصل العالم إلى صافي انبعاثات صفري بحلول 2050، فسيظل يستخدم نحو نصف كمية الغاز الطبيعي المستخدمة حالياً ونحو ربع النفط. هذا يعني أن منتجي النفط والغاز سينعمون بعقود من النفوذ بسبب مواقعهم الجيولوجية.

سيستفيد المصدرون التقليديون للطاقة من تقلبات أسعار الوقود الأحفوري الناتجة عن بطء الانتقال نحو الطاقة النظيفة. فانخفاض إنتاج النفط بشكل أسرع من انخفاض الطلب عليه – أو المترافق مع ازدياد الطلب عليه مثل الوضع الحالي – سيؤدي إلى تقلص المعروض منه، وبالتالي إلى تذبذب أسعار النفط، مما يعزّز قوة الدول البترولية – بشكل خاص نفوذ دول أوبك – بسبب سيطرتها على معظم الطاقة الفائضة في العالم وعلى معدّل الإنتاج العالمي.

اقرأ أيضاً: هل يمكن إلزام الدول بالوصول إلى الهدف صفر؟

إضافةً إلى ذلك، سيؤدي الانتقال إلى الطاقة النظيفة إلى زيادة نفوذ بعض مصدّري النفط والغاز بسبب توقف بعض الدول عن إنتاج النفط، وتركّز الإنتاج العالمي في دول أقل، مما سيؤدي إلى زيادة الحصة السوقية للبلدان المنتجة التي تمتلك النفط الرخيص.

وسيكون السيناريو أكثر شدّة في أسواق الغاز الطبيعي. فمع انخفاض استخراج الدول للغاز الطبيعي، سترتفع الحصص السوقية لعدد صغير من اللاعبين القادرين على إنتاجه بأرخص تكلفة وأكثر نظافة. وفي أوروبا، سيعني ذلك اعتماد أكبر على الغاز الروسي.

ويرى كاتب المقال أنه على المدى الطويل، ستهيمن الدول التي تتمتع بالابتكار ورأس المال على سباق الطاقة النظيفة من خلال 4 طرق.

حاكم دبي يؤكد أن إطلاق أكبر محطة للطاقة الشمسية المركزة في العالم يضع الإمارات في موقع الريادة في مجال الطاقة النظيفة. … أراب نيوز

أولها القدرة على وضع معايير للطاقة النظيفة. على الصعيد الدولي، تحافظ الدولة أو الشركة التي تضع معايير عالمية لمواصفات المعدات أو قواعد التداول على ميزتها التنافسية. وبالنسبة للتقنيات التي تتضمن معالجة كميات هائلة من البيانات، فإن من يحدد المعايير لن يكون مصدّراً للأنظمة المحلية فحسب، بل مستخرجاً للبيانات أيضاً.

والمصدر الثاني للهيمنة هو التحكم في سلسلة التوريد للمعادن الأساسية في إنتاج تكنولوجيات الطاقة النظيفة. وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، سيحتاج العالم بحلول عام 2040 إلى ستة أضعاف ما يحتاجه اليوم من هذه المعادن. هذا يعني أن الدول القليلة المصدّرة لهذه المعادن مثل الصّين ستتمتّع بازدياد نفوذها، إلّا أن سيطرة الصّين على مدخلات تقنيات الطاقة النظيفة لا يقتصر فقط على قدرتها لاستخراجها، بل على معالجتها وتنقيتها أيضاً. وهذا سيزيد من نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي، على الرغم من إمكانية إعادة تدوير هذه المعادن واكتشاف بدائل عنها.

اقرأ أيضاً: احتجاجات حادة لنشطاء حركة المناخ ضد وعود كبار ملوثي الكوكب في غلاسكو

العنصر الثالث هو القدرة على تصنيع مكونات لتقنيات جديدة بتكلفة منخفضة. فالصين مسؤولة عن تصنيع ثلثي البولي سيليكون في العالم، و90% من “رقائق” أشباه الموصلات، مما يمكّنها من خلق اختناقات كبيرة في حال حجبها لهذه العناصر عن سلاسل التوريد. إلّا أن اتباع هذا الأسلوب لن يحقق ذات القوة المكتسبة من التحكم بموارد طبيعية موجودة في مناطق جغرافية محددة نظراً لقدرة الشركات والدول على إيجاد حلول بديلة.

الطريقة الأخيرة للهيمنة تتمثّل في القدرة على تصدير الوقود المنخفض الكربون، وخاصةً الهيدروجين والأمونيا. تتنبأ وكالة الطاقة العالمية بازدياد تجارة الهيدروجين والأمونيا لتشكّل أكثر من ثلث التبادلات المتعلقة بالطاقة. وبذلك، ستتحول دول مثل تشيلي ودول الخليج إلى دول كهربائية بدلاً من دول بترولية بسبب احتوائها على كميات هائلة من الطاقة الشمسية الرخيصة التي تستخدم في صناعة الهيدروجين. 

سيتطلب الوصول إلى الانبعاثات الصفرية سلاسل إمداد كبيرة لمكونات الطاقة النظيفة والمنتجات المصنعة، والتجارة في أنواع الوقود منخفضة الكربون والمعادن المهمة، واستمرار التجارة (وإن كانت أصغر بكثير مما هي عليه اليوم) في النفط والغاز. لكن الوصول إلى الانبعاثات الصفرية سيولد ثلاث قوى مناهضة للعولمة.

محطة لتوليد الكهرباء تعمل بالهيدروجين …. ارشيف

أولاً إن عالماً خالٍ من الكربون سيعني أنه سيعتمد أكثر على الكهرباء الآتية من مصادر نظيفة، مما يعني انخفاض التجارة العالمية بالنفط. ويتم إنتاج هذا الشكل من الكهرباء محلياً أو إقليمياً، وذلك بسبب صعوبة نقل وتخزين الكهرباء مقارنةً بالنفط، إضافةً إلى المخاطر الأمنية الناشئة من الاعتماد على استيراد الكهرباء.

أيضاً، سوف يأتي الضغط الإضافي ضد العولمة نتيجةً للتوجّه إلى الحمائية. فالدول تقوم بإعاقة استيراد مدخلات الطاقة النظيفة بسبب خوفها من الاعتماد على دول أخرى وبهدف دعم بناء صناعتها محلياً وخلق الوظائف داخل حدودها.

وأخيراً، قد تحاول البلدان التي تتخذ خطوات قوية نحو التخلّص من الكربون إجبار الآخرين على أن يحذوا حذوها من خلال الضغط الاقتصادي – والذي قد يؤدي بدوره إلى التفتت العالمي.

اقرأ أيضاً: أسئلة وإجابات حول قمة المناخ

سيتطلب الانتقال إلى الاقتصاد العالمي بالطاقة النظيفة مستوى غير مسبوق من التعاون العالمي، ولكنه سيؤدي أيضاً إلى صراع على طول الطريق، ويصبح لدينا في النهاية رابحون وخاسرون.

وقد تدهورت العلاقة بين بكين وواشنطن بالمقارنة مع ما كانت عليه منذ عقود، مما يشير إلى إمكانية التصادم بينهم بشكل متزايد بشأن تغيّر المناخ، ما من شأنه أن يضعف الإرادة السياسية للدول الأخرى لاتخاذ إجراءات مناخية قوية.

من المرجح أن يصبح الانتقال إلى الطاقة النظيفة مجالاً آخر تتنافس فيه الدول بقوة، ممّا قد يؤدّي إلى ترافق تسريع وتيرة نشر الطاقة النظيفة مع تأجيج التوترات بين الصين والولايات المتحدة. 

العلاقات الأخرى بين القوى العظمى التي قد يغيرها تحول الطاقة هي العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، حيث من المرجّح أن تزداد قوّتها. يمكن لواشنطن وشركائها في أوروبا استخدام قوتهم الاقتصادية والدبلوماسية المشتركة لتحفيز إزالة الكربون حول العالم من خلال فرض تعريفات جمركية على واردات الدول الغير نظيفة. 

اقرأ أيضاً: وصول الغاز المصري إلى أوروبا يصطدم باعتراضات تركية

إلّا أن الطريق لتحقيق هذه العلاقة لن يكون سهلاً، وخاصةً مع تقاعس الولايات المتحدة في فرض قوانينها البيئية داخلياً، مما يؤدي إلى فرض التعريفات الأوروبية على الصادرات الأمريكية واضطراب العلاقة التجارية بين ضفتي الأطلسي.

أخيراً، سيؤدي تحول الطاقة حتماً إلى تغيير علاقات روسيا مع القوى الكبرى الأخرى، بسبب اعتمادها الكبير على صادرات النفط والغاز المهددة بالتراجع نتيجةً للتحول إلى الطاقة النظيفة.  ولكن في المدى القريب، ستزداد قوة روسيا بسبب اعتماد الدول الأوروبية على غازها وبسبب اعتماد الولايات المتحدة وأوروبا على روسيا في استغلال موقعها القيادي في OPEC+ للسيطرة على أسعار الغاز.

تجاوزت معدلات النمو للبلدان النامية تلك الموجودة لدى العالم المتقدم، مما أدى إلى تقارب اقتصادي تدريجي بينها. والانتقال إلى الطاقة النظيفة سيعزز ذلك، فالعديد من البلدان النامية تتمتع بموارد طاقة نظيفة وفيرة ورخيصة، مثل الطاقة الشمسية، إضافةً إلى وجود تكوينات جيولوجية ممتازة لتخزين ثاني أكسيد الكربون الذي سيتعين إزالته من الغلاف الجوي.

توفر روسيا نحو 30% من احتياجات أوروبا للغاز الطبيعي …. سي إن إن

إلّا أنّه مع شعور الدّول الغنيّة بالحاجة الملحّة لخفض انبعاثات الكربون، وانشغال الدّول النامية في تحقيق النمو لمواطنيها، فإن المجموعتين على وشك التصادم، فالحاجة الملحة لإزالة الكربون وتكاليف التغيّر المناخي يعنيان أن فشل البلدان الغنية في مساعدة البلدان الفقيرة سيكون مصدراً للتوتر الجيوسياسي المتزايد.

وبالنّظر إلى المدّة التي انتظرها العالم للعمل بشأن تغير المناخ، ستحتاج البلدان الفقيرة إلى اتباع مسارات تنمية مسرّعة مقارنةً بتلك الخاصة بالبلدان الغنيّة، علماً أنّ أغلب الشعوب النّامية غير قادرة على الحصول على مصادر كافية من الطاقة لتحقيق نمو حقيقي.

 سيؤدي السعي المتزايد نحو منع استخدام الوقود الأحفوري مع اصطحابه لبدائل مناسبة بالنسبة للدول النامية من ناحية الكلفة والإنتاجية إلى ازدياد الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة.

كيفية تقليل المخاطر

وفي الحديث عن سبل التقليل من مخاطر التحول يرى كاتب المقال أنه عندما يحقق العالم نظام طاقة خالياً من الكربون بالكامل، فإنه سيتم تقليص العديد من مخاطر أمن الطاقة الموجودة اليوم. إلّا أنّ تعرّض الأمن القومي لمخاطر – مثل أمان خطوط إمداد المواد الأولية للطاقة – سيجعله أولويّة على حساب المخاوف البيئية. ولذلك تتطلب القيادة المناخية الدولية القيام بخفض المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية التي يشكلها الانتقال إلى الطاقة النظيفة.

وبهذا السياق، على صانعي السياسات العمل على توسيع إطار عملهم ليشمل أمن الطاقة وموثوقيتها. فمع جهودهم لتقليص استخدام مصادر الطاقة التقليدية، عليهم أيضاً أن يحافظوا على درجة عالية من المرونة من ناحية التخزين الاستراتيجي لها، لاستخدامها عندما يكون هناك طلب فائض على الطاقة.

اقرأ أيضاً: 4 قضايا أساسية يجب مراقبتها في مفاوضات المناخ الجارية في غلاسكو

طريقة أخرى يمكن للحكومات من خلالها تعزيز أمن الطاقة هي تقليل مخاطر سلسلة التوريد من دون المساس بأمنها الوطني، وعليها عدم التمسّك بالاستقلالية التامة، بل يجب عليها ضمان المرونة في نظام دولي متنوّع ومترابط. إضافةً إلى ما سبق، على الحكومات أن تواجه تفاقم عدم المساواة بين الطبقات الاجتماعية الناتج عن التحول إلى الطاقة النظيفة، للتخفيف من عنف ردود الفعل السياسية المناهضة للتحول.

وبقدر ما تحتاج الحكومات إلى تعزيز الابتكار وتسريع الانتقال إلى الطاقة النظيفة، فإن عليها اتخاذ خطوات واعية للتخفيف من المخاطر الجيوسياسية التي سيخلقها هذا التغيير. فإذا لم تدرك الحكومات ذلك، فسيواجه العالم انقطاعات صارخة في السنوات المقبلة، بما في ذلك تهديدات اقتصادية وأمنية جديدة ستعيد تشكيل السياسة العالمية.

لكن ربما يكون الخطر الأكبر للفشل في تحديد هذه المشكلات والتخطيط لها هو تعارض مخاوف الأمن القومي مع طموحات مواجهة تغيّر المناخ.

المصدر: فورين أفيرز

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة