الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الاستقرار الإقليمي ومصلحة تركيا في زعزعة السلام في شرق المتوسط

كيوبوست – ترجمات

إيدي كوهين♦

تثير تصرفات تركيا الأخيرة في شرق البحر المتوسط انزعاجاً شديداً لدى كل من إسرائيل والقوى الرئيسة في المنطقة؛ حيث تسعى إلى إبعاد نفسها عن أي شكل من أشكال التعاون؛ بل إنها سعَت بدلاً من ذلك إلى مفاقمة التوترات الجيوسياسية المتصاعدة بالفعل في المنطقة، والتي تفاقمت بسبب شحنات الأسلحة والجهاديين في ليبيا والهجوم البحري الاستفزازي المتعمد تجاه اليونان. ومن المحزن أن تكون الدبلوماسية والاستقرار والسلام هي آخر ما في جدول أعمال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

اقرأ أيضاً: لماذا يعيد أردوغان تصدير أزمة الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط؟

ولنلاحظ نهجه تجاه الاتفاق الذي تم بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، الذي جلب شعوراً متجدداً بالأمل وخطوة أخرى نحو الاستقرار والازدهار في المنطقة؛ حيث قوبلت وساطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الصفقة بتعليقاتٍ إيجابية من حلفاء غربيين آخرين، مثل المملكة المتحدة، وحتى من مرشح المعارضة الأمريكية جو بايدن، الذي قال إنه “كان عملاً شجاعاً يتطلب الكثير من الحنكة السياسية”.

لم تُخفِ تركيا حقيقة أنها تسعى إلى القضاء على هذا الأمل بكل ما تستطيع. فبعد يومٍ واحد من الإعلان عنه، هدَّدت بوقف علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات واستدعاء مبعوثها، على الرغم من أن أنقرة لديها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل لأكثر من نصف قرن. كما تمارس القنوات الموالية للحكومة نفوذها، وتبث أخباراً عن رفض التطبيع في الشرق الأوسط، باستخدام فروع الإخوان المسلمين على وجه الخصوص.

وزير الدفاع التركي خلوصي أكار مع وزير الداخلية الليبي – وكالة الأناضول

وقد أتاح لقاء أردوغان الأخير مع زعيم “حماس“، إسماعيل هنية، الفرصة أمام هنية للثناء على رفض تركيا التطبيع؛ مما أعطى وزناً أكبر لفكرة أن تركيا تحاول حشد التأييد من أجل القضية الفلسطينية، من خلال تركيز إسلامي متطرف لارتباطها بجماعة متطرفة.

ولعل وجود أعداد كبيرة من أعضاء جماعة الإخوان في تركيا، والعلاقات الوثيقة بين قيادة الجماعة والفصيل التركي الحاكم، يعني أن الأحداث والسياسات في تركيا هي المحرك الرئيس لتزايد الاتجاه المتشدد في البلاد. ويُعتقد أن عدد أعضاء جماعة الإخوان المصريين في تركيا يبلغ نحو 20 ألفاً. وهذا الانجراف بعيداً عن المثل العلمانية والاتجاه نحو النزعة الإسلامية العقائدية يجعل من تجاهل السياسة الخارجية التركية المتهورة أمراً صعباً؛ حيث إنها أحد أعراض ترويج أنقرة لأيديولوجيا إسلامية عثمانية جديدة؛ ذات تداعيات خطيرة على الاستقرار الإقليمي.

اقرأ أيضاً: بعد استقبال قادة “حماس”.. الولايات المتحدة تفتح النار على تركيا!

وتجلب هذه الرؤية المضللة للوحدة الإسلامية شكلاً ثقافياً مهيمناً من الإسلام السياسي والجهادية المتشددة، وهو أمر فشلت الولايات المتحدة في مقاومته أو التحذير منه بفعالية في الماضي القريب. ولا يمكن للمرء أن ينسى أن جزءاً من جذور هذا الصراع يمكن إرجاعه إلى إدارة أوباما في مرحلة ما بعد عام 2011، والتي، كما أبرز مسؤولون سابقون في البيت الأبيض، يبدو أنها كانت تعتبر جماعةَ الإخوان المسلمين “نتيجة ثانوية بغيضة، ولكن حتمية لتطبيق الديمقراطية”.

استأنفت أنقرة الطيران بين تل أبيب وإسطنبول في مايو 2020 بعد توقف سنوات- “ديفينس بوينت”

فقرار الولايات المتحدة بالاسترخاء وسنّ سياسة خارجية لا تفعل شيئاً في ما يتعلق بالقوى الإسلامية الصاعدة في أوائل عام 2010 هو أيضاً قرار يشكك في الخط الفاصل بين التقاعس والتواطؤ. ويمكن رؤية عواقبه جزئياً من خلال شتات جماعة “الإخوان المسلمين” في عام 2020؛ حيث سعى أردوغان إلى توفير ملاذ آمن لأعضاء الحركة المضطهدين.

اقرأ أيضاً: المسجد والسد وحرب أردوغان الثقافية الآخذة في الاتساع

إن الاستيلاء على الأجندة السياسية في جميع أنحاء المنطقة وفشل الولايات المتحدة في إدراك التهديد الذي يفرضه المد الإسلامي المتزايد، يشكلان جزءاً من بعض أسباب التشدد الذي تشهده تركيا اليوم. ولا يملك المرء إلا أن يتمنى أن تكون الولايات المتحدة قد تعلمت الدرس، الذي مفاده أنه من المستحيل بالنسبة إلى أي طرف دولي فاعل مثل الولايات المتحدة، أن يظل محايداً في المنطقة.

والواقع أن اللهجة التهديدية الساخرة التي تبناها أردوغان ضد دعوة اليونان إلى عقد مجلس الأمن القومي، وتحذيرها من ملاحقة “مأساة يونانية”، متهماً إياها بلعب “المسرح اليوناني من خلال الدبلوماسية”، تُلخص ازدراءه الجهود الرامية إلى حل دبلوماسي وسلمي. وفي المقابل، شعرت فرنسا أنها مضطرة إلى توفير دعم عسكري قوي لحلفائها في أثينا على هيئة سفينتَين حربيتَين.

الرئيس التركي أردوغان في مسجد آيا صوفيا في إسطنبول 2020- المكتب الصحفي للرئاسة التركية

كما أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العلاقات الدولية التركية باعتبارها “سياسة توسعية تمزج بين القومية والإسلام”، وقد سلط الضوء على أنها تجسد النقيض للمصالح الأوروبية.

وفي سياقٍ آخر، حذرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، تركيا من أن أي حفر في المجال البحري اليوناني، وفي المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص هو أمر غير قانوني، وأنه إذا واصلت أعمالها، فإن تركيا سوف تواجه مشكلات مع أوروبا بأسرها.

اقرأ أيضاً: أوروبا تحذِّر أردوغان من التنقيب في البحر المتوسط

وعلى الرغم من ذلك؛ فإنه من المرجح أن تمضي تركيا قدماً بغض النظر عن التوترات المتزايدة في المستقبل. وبينما تُبذل الجهود في أماكن أخرى في المنطقة لعقد تحالفات سلمية، يسعى أردوغان إلى إيجاد كبش فداء ومعارضة خارجية من أجل الحفاظ على قوته المتضائلة؛ فهو يعمل على تأجيج صراع عسكري غير مسؤول ويدافع عن إسلام سياسي مضلل؛ في محاولة لصرف الانتباه عن الوضع الاقتصادي المتردي في الداخل، وبالتالي يناسبه تجنب التهدئة والدبلوماسية مهما كان الثمن.

♦باحث في مركز بيجين -السادات للدراسات الاستراتيجية، ومتخصص في العلاقات العربية والصراع العربي- الإسرائيلي، والمجتمعات اليهودية في العالم العربي.

المصدر: جيروزاليم بوست

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة