الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دوليةشؤون عربية

الاحتيال الذي حطم لبنان

علاقات الولايات المتحدة مع النخب اللبنانية تضع برنامج بايدن لمكافحة الفساد في موضع الاختبار

كيوبوست- ترجمات

سام هيلر♦

على مدى العامين الماضيين، ونصف العام الماضي، كان الاقتصاد اللبناني في حالة سقوط حر. فقدت الليرة اللبنانية 90% من قيمتها، وتراجع إجمالي الناتج المحلي بنحو 60%، وانزلق 80% من اللبنانيين تحت خط الفقر، وغادر البلاد مئات الآلاف من الأشخاص.

هذا ما جاء في مطلع مقال بقلم سام هيلر نشره موقع “فورين أفيرز” يشير فيه إلى وصف الأمين العام للأمم المتحدة لأسباب هذا الانهيار بأنه أشبه بمخطط بونزي الاحتيالي “على مدى سنوات استخدم البنك المركزي أموال المودعين لتمويل الإنفاق الحكومي الفاسد والهدر”. ويشير الكاتب إلى أن المسؤولين اللبنانيين لم يكتفوا باختلاس أموال مواطنيهم فحسب، بل تمسكوا بأساليبهم، ورفضوا تحمل نصيبهم من الخسائر المالية الهائلة للبلاد.

اقرأ أيضاً: ولي العهد السعودي تنبأ بمصير لبنان منذ 2015

وعلى الرغم من أن المانحين الدوليين مستعدون للمساهمة في خطة إنقاذ يمكن أن تصحح الاقتصاد، فإن القادة اللبنانيين ما زالوا يقاومون حتى أبسط الإصلاحات التي طالب بها المقرضون كشرط مسبق لحزم لإنقاذ.

يشكل مأزق الفساد تحدياً كبيراً لإدارة بايدن التي أعلنت أن مكافحة الفساد في العالم هي من أولويات الأمن القومي الأمريكي، ولكن دعوات واشنطن لا تلقى من يأخذها على محمل الجد في لبنان، بعد أن تسامحت الولايات المتحدة على مدى سنوات مع فساد شركائها في لبنان، واستخدمت إجراءات مكافحة الفساد سلاحاً ضد أعدائها فيه. وإذا أرادت الولايات المتحدة استعادة مصداقيتها المفقودة في لبنان، فمن الضروري أن تعالج إدارة بايدن مشكلة المصداقية هذه في اختبار حيوي لالتزامها بمكافحة الفساد عالمياً.

انهارت الليرة اللبنانية بمستويات قياسية في الفترة الأخيرة- وكالات

يخضع لبنان لنظام حكم طائفي يوزع التمثيل السياسي بين 18 طائفة، لكل منها زعيمها السياسي، وإقطاعاتها الموروثة. وقد سهل توزيع المناصب السياسية العليا بين السنة والشيعة والمسيحيين سيطرة النخب الفاسدة على مؤسسات الدولة واستغلال مواردها لتحقيق مكاسب خاصة وتعزيز سلطة هذه النخب على جماهيرها الطائفية.

وعلى مدى عقود، اعتمد الاقتصاد اللبناني على تدفق رؤوس الأموال الأجنبية التي تراجعت بسبب الخلل السياسي والصراعات في المنطقة، مما دفع البنك المركزي اللبناني إلى اتباع ما أسماه بإجراءات “الهندسة المالية” لتمويل العجز الحكومي، والحفاظ على قيمة عالية مصطنعة للعملة الوطنية.

اقرأ أيضاً: بولا يعقوبيان لـ”كيوبوست”: اللبنانيون يترقبون رحيل زعماء الطوائف.. والأمل معلق على الصناديق

وتتلخص هذه الهندسة بأن عرض البنك المركزي على المصارف التجارية اللبنانية أسعار فائدة باهظة على ودائعها بالدولار، وهذه البنوك بدورها قدمت عوائد سخية لجذب المودعين. وبذلك جنى الجميع الكثير من الأموال مع تحميل القطاع المالي في الدولة مخاطر وجودية هائلة. وبالطبع كانت النخب السياسية متورطة بعمق في هذا الفساد الممنهج، والمثال الأبرز هو سعد الحريري الذي شغل منصب رئيس الوزراء في البلاد مرتين، وهو المساهم الرئيسي في أحد أكبر البنوك في البلاد.

مدخل مصرف لبنان المركزي- أرشيف

انهار كل شيء في أكتوبر 2019 عندما اتخذت المصارف اللبنانية المتعثرة خطوة استباقية بإغلاق أبوابها أمام المودعين في أعقاب احتجاجاتٍ جماهيرية ضخمة. تقدر الخسائر الإجمالية للقطاع المالي في البلاد بعشرات المليارات من الدولارات، وزاد من تفاقم هذه الخسائر جائحة كوفيد-19 والانفجار الكارثي الذي ضرب مرفأ بيروت.

وعلى الرغم من ذلك، قاوم السياسيون أي حل من شأنه أن يلحق الضرر بالمساهمين في البنوك وكبار المودعين، ورفضوا تنفيذ الإجراءات التي طلبها صندوق النقد الدولي كشرط مسبق لخطة الإنقاذ. وفي غضون ذلك سمحت البنوك الخاصة للنخب بتحويل أموالها إلى الخارج، وقيدت وصول صغار المودعين إلى ودائعهم، مما يعني أن العبء الأكبر من الخسائر الاقتصادية يقع على عاتق الشريحة الأقل قدرة على تحملها.

 اقرأ أيضًا: لبنان.. الغضب والاحتقان من الوضع الاقتصادي يخيمان على مناطق “حزب الله”

يؤكد كاتب المقال أنه على الرغم من بعض الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة لمعالجة الفساد في لبنان، وتأكيدها على التزام واشنطن بهذا النهج، فإنها فشلت في إقناع اللبنانيين بمصداقيتها بسبب قربها من بعض المسؤولين اللبنانيين الفاسدين المسؤولين عن الأزمة الحالية. ومن هؤلاء محافظ البنك المركزي رياض سلامة الذي عمل لسنوات مع الولايات المتحدة لمواجهة تمويل حزب الله والذي دافعت عنه السفيرة الأمريكية في بيروت دوروثي شيا في مقابلة تلفزيونية في مايو 2020 قائلة إن الولايات المتحدة عملت معه لسنواتٍ طويلة، وإنه “يتمتع بثقة كبيرة في الأوساط المالية الدولية”.

ولا تقتصر مشكلة الولايات المتحدة في أنها ابتعدت عن مكافحة الفساد في الماضي، بل قامت بتسييس جهود مكافحة الفساد بطريقةٍ قوضت مصداقيتها أكثر. على سبيل المثال، فرضت واشنطن عقوبات على السياسي المسيحي الماروني جبران باسيل ظاهرياً بتهمة الفساد، ولكن في الحقيقة لأنه حليف لحزب الله كما اعترف ديفيد شنكر مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق.

احتجاجات على سياسات المصارف اللبنانية- أرشيف

وإذا كانت واشنطن راغبة في أن يأخذ قادة لبنان مخاوفها بشأن الفساد على محمل الجد فهي بحاجة إلى التخلص من سمعتها في التسامح مع الفساد بين النخب الصديقة، وتبديد الانطباع بأن إجراءاتها لمكافحة الفساد هي في الحقيقة أدوات للحد من نفوذ حزب الله في لبنان.

ولتحقيق ذلك يتعين عليها دفع قادة لبنان إلى الوفاء بالشروط المسبقة لصندوق النقد الدولي، وإعادة هيكلة القطاع المالي، ومراجعة حسابات البنك المركزي. وهذا سيتطلب من واشنطن أكثر من مجرد إدانة الفساد بعباراتٍ بليغة، بل ينبغي لها أن تنفصل علناً عن النخب المالية التي تتحمل مسؤولية انهيار البلاد مثل رياض سلامة.

اقرأ أيضًا:  السعودية والإمارات تُعيدان بناء لبنان.. وإيران تهدمه

لا شك في أن اتخاذ واشنطن لموقف أكثر تشدداً بشأن الفساد في لبنان سيؤدي إلى الإضرار بعلاقاتها القديمة مع السياسيين والنخب المالية في البلاد. ولكن هذه الشخصيات لا تملك خياراً آخر سوى التعاون مع واشنطن بشأن أولوياتها في مكافحة تمويل الإرهاب، ومحاصرة حزب الله. لذلك يجب على الولايات المتحدة إعطاء الأولوية لتعزيز الإصلاحات المؤلمة على حساب النخب الصديقة لها.

إن لبنان هو اختبار حقيقي لأجندة إدارة بايدن في مكافحة الفساد. وما تفعله الولايات المتحدة هناك لا شك أنه سيظهر للأنظمة الفاسدة حول العالم ما إذا كانت واشنطن جادة في مكافحة الفساد. وإذا فشلت في ذلك، فإن خطاب بايدن المناهض للفساد سيكون مجرد كلام.

♦محلل وزميل في مؤسسة القرن للأبحاث والسياسات الدولية، مقيم في بيروت.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة