الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

الاحتفال بالأطفال الصائمين أبرز طقوس المغاربة في شهر رمضان

الدار البيضاء – إلهام الطالبي

زغاريد وأصوات تصدح بالصلاة على النبي ولباس تقليدي.. طقوس تحتفي بالحياة، وتحافظ على تقاليد وعادات حضارات عمَّرت بالمغرب قبل الإسلام، تجعل من صيام رمضان، لا يحمل فقط دلالاتٍ دينية، بل أيضاً مناسبة للاحتفال بعبور الطفل إلى مرحلة الرشد.

ترتدي لمياء؛ البالغة من العمر 13 سنة، قفطاناً مغربياً مطرزاً بالحرير، وتضع التاج فوق رأسها كعروس في ليلة زفافها.

يشمل الاحتفال أيضاً تحضير طبق الكسكس، ومأكولات مفضلة لدى الطفلة الصائمة، وفي هذا الصدد تقول أسماء رحيم، والدة لمياء: “إنه عرس بالنسبة لنا، يجب أن نُزين مائدة الإفطار بأوانٍ من (الطاووس الحر)، وأيضاً مناديل مطرزة، ونُحضر لها مكاناً خاصاً وسط المائدة؛ لأنها عروسنا اليوم”.

وتُضيف أسماء، في حديثها إلى “كيوبوست”: “في هذه الليلة ابنتي ملكة، نُحاول إسعادها قدر المستطاع، وتعليمها طقوسنا وعاداتنا، وأيضاً أهمية صيام شهر رمضان”.

وتسعى العائلة المغربية إلى تحبيب أطفالها الصغار في الصيام، وتوعيتهم بأهمية الالتزام بهذه الفريضة.

الحناء من طقوس الاحتفال بالأطفال الصائمين- مواقع التواصل الاجتماعي

الاحتفال هدية الصيام

كيف جعل المغاربة من رمضان مناسبةً للاحتفال والبهجة؟ وكيف تحول هذا الشهر إلى مرحلة لعبور الطفل إلى مرحلة النضج والرشد؟

يُجيب الباحث في علم الاجتماع المغربي عبدالرحيم عنبي: “هناك عنصران مهمان في الطقوس الاحتفالية خلال صيام الأطفال والطفلات في رمضان.. الأول ظاهري يكمن في طقوس الاحتفال بالمرور إلى النضج، يعني أن هذا الطفل أو الطفلة، سينتقل إلى عالم الكبار”.

اقرأ أيضًا: الملحون والسماع الصوفي.. طقوس تحرض المغاربة على المحبة والسلام

ويؤكد الباحث في علم الاجتماع أن “طقوس المرور تُرافقها طقوس احتفالية، تختلف من منطقة إلى أخرى بالمغرب؛ مثل الحناء ووجبة الفطور الخاصة والزغاريد.. وتُعد بمثابة هدية لطفل لمكافأته مقابل صيامه”.

“رمضان يُبرز التربية العسكرية الصارمة في الإسلام”

وعن الجانب الخفي لطقوس الاحتفالية، يجيب عبدالرحيم عنبي: “رمضان يُبرز التربية العسكرية الصارمة في الإسلام؛ فالمغربي يُمكن أن يؤجل صلواته أو لا يُصلي؛ لكن في رمضان تجده ملتزماً بالصيام”.

يُشير المتحدث ذاته إلى أن المغاربة يتعاملون مع شهر رمضان بشكل خاص، موضحاً: “مثلاً يُمكن أن لا يطلب المغاربة من أطفالهم أن يصلوا؛ لكن في رمضان يعتبرون أن الصيام واجب؛ لأنهم يتعاملون معه ببعده الاجتماعي وليس الديني”.

اقرأ أيضًا: لماذا تجعلنا الموسيقى نشعر بالسعادة؟

ويعتبر عنبي أن “صيام الطفل بالنسبة إلى المغاربة يرمز إلى إعداده نفسياً وبدنياً لكي يتعود على تحمل صعوبات الحياة ومشاقها، وتدريبه على الجوع والعطش والألم”.

ويُتابع المتحدث ذاته: “الانتقال إلى هذه المرحلة يمر من طقوس احتفالية، تُحفز الطفل على تحمل الجوع والعطش، وأيضاً تحديد هويته الإسلامية”.

عبدالرحيم عنبي باحث في علم الاجتماع

“رمضان ممارسة اجتماعية نفسية بالمغرب”

يشدد الباحث المغربي على أن رمضان انتقل في المغرب من ممارسة دينية إلى ممارسة اجتماعية ونفسية، لافتاً إلى أنه “عرس للاحتفال بنجاح الطفل في الصيام”.

اقرأ أيضاً: ما الأضرار النفسية للعزل الاجتماعي في زمن الكورونا؟

يرى عنبي أن “الجانب الفرجوي في الطقوس الاحتفالية، يعبِّر عن عادات وتقاليد مترسخة في اللا وعي المغربي”.

المغاربة يشخصون رمضان ويلقبونه – مواقع التواصل الاجتماعي

يضيف عنبي، في حديثه إلى “كيوبوست”: “المغاربة يشخصون رمضان ويلقبونه بــ(سيدي رمضان)، ويحتفلون بقدومه كأنه شخص عزيز.. وبنجاح الطفل في إتمام مهمة الصيام، فالعائلة تطمئن وتشعر أنها وُفِّقت في تنشئة طفلها، وضمان ممارسته فريضة الصيام”.

اقرأ أيضاً: أفضل طريقة لحب جارك الآن هو البقاء في المنزل!

عادات رمضانية ليست لديها علاقة بالإسلام

يشير الباحث في علم الاجتماع إلى أن طقوس التحفيز والاحتفال تتضاعف في ليلة 27 من رمضان، التي يعتبرها المغاربة ليلة القدر.

“في ليلة 27 من رمضان، يُمارس المغاربة مجموعة من العادات لا علاقة لها بالإسلام، مثلاً إعداد وجبة الكسكس الذي يُعد مقدساً عند المغاربة، ويعود إلى عهد الفينيقيين”، يقول عبدالرحيم عنبي.

يرى الباحث في علم الاجتماع أن “طقوس الرقص والغناء في فطور الطفل الصائم ترجع إلى الثقافة المغربية الفرجوية، وإلى تقاليد ما قبل الإسلام؛ حيث كان يستهل المغاربة العام بطقوس العبور الاحتفالية”.

اقرأ أيضاً: المغرب يصدر قانوناً ثورياً لمكافحة العنف ضد النساء

يعتبر عنبي أن “عادات رمضان في المغرب ناجمة عن الثقافة اليهودية والأمازيغية، كما أن المغاربة تفاعلوا مع الإسلام بعاداتهم وتقاليدهم، وخلقوا ديناً اجتماعياً يتناسب مع شخصيتهم وتاريخهم؛ فحتى الصلاة لديها طابع احتفالي، كطريقة اللباس وقراءة القرآن”.

صوم الطفل طقس عبوري يؤهله لولوج الجماعة- مواقع التواصل الاجتماعي

“حد الصايم”

يُعد الاحتفال بالصيام الأول لدى الأطفال شرطاً أساسياً لولوج الطفل عالم الجماعة، ويتردد في قرى بالمغرب عبارة “حد الصايم”؛ وتعني من بلغ واجتاز طقوس العبور بنجاح إلى مجتمع الراشدين، أصبح مؤهلاً للقيام بمجموعة من المهام، على حد تعبير عبدالرحيم عنبي.

ويُقبل المغاربة في شهر رمضان على اقتناء اللباس التقليدي؛ سواء النساء أو الرجال أو الأطفال.

ويعد رمضان في الثقافة الشعبية المغربية ضيفاً، يجب استقباله بملابس أنيقة، تتناسب مع قيمته ومكانته.

يُعرف شهر رمضان بالإقبال على الملابس التقليدية في المغرب- مواقع التواصل الاجتماعي

جذور القفطان

ومن جهتها، تشير مصممة الأزياء وئام التهادي، في حديثها إلى “كيوبوست”، إلى أن “الإقبال على اللباس التقليدي على العموم يرتفع في الأعياد والمناسبات الدينية؛ خصوصاً في رمضان”.

اقرأ أيضاً: المغرب يلغي تدريس مادة الفلسفة.. هل هي ضرورية حقاً؟

وتضيف التهادي: “يرتدي المغاربة الجلباب التقليدي في الشارع؛ لأنه عملي ومريح في التنقل إلى العمل والذهاب صوب المسجد”.

وفي ليلة الاحتفال بأول طفل صائم في العائلة، ترتدي الأمهات “القفطان”، الذي يُعد من الألبسة الفاخرة في تصميمها وثوبها.

ويحمل القفطان دلالاتٍ ثقافية ذات خلفية أندلسية، وأيضاً يهودية، تُوضح وئام: “إن أمهر الخياطين للقفطان المغربي كانوا يهوداً مغاربة، كما أنهم لقنوا المسلمين المغاربة هذه الحرفة التي تتطلب الكثير من الإتقان”.

اقرأ أيضاً: أرض تنبت الأولياء

ويعود أصل القفطان المغربي إلى المجتمع الأمازيغي في عهد الرومان. ويرجع الفضل إلى الموسيقار زرياب في التعريف بالقفطان في الأندلس.

يُعتبر القفطان المغربي تراثاً مهماً، نتج عن مزيجٍ من الحضارات المتعددة التي استقرت في المغرب لعدة قرون.

ويحافظ المغاربة على التقاليد والعادات الأمازيغية والأندلسية، وأيضاً اليهودية، ويحرصون على نقلها إلى أطفالهم؛ لضمان استمرارها من جيل إلى جيل.

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات